المناصف والعنيني.. سلسلة قيمة واعدة لتعزيز الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي في تهامة
آخر تحديث 21-06-2026 11:36

المسيرة نت| أيوب أحمد هادي: مع اقتراب موسم جني تمور المناصف في تهامة، تتهيأ الأرض لعرسها السنوي الأبرز؛ موسم المناصف أو ما يُعرف محلياً بـ " بخماد التمرة". وفي قلب هذا الموسم، تتربع تمور "المناصف" بأصنافها الشهيرة (العنيني، والمناصف العادي، العجوى، اللبان، المديني) كملوك غير متوجين على عروش الأسواق، معلنةً حالة من البهجة والاكتفاء ومحدثةً هزة اقتصادية تقليدية في أسواق تهامة.

وبين خطوط النخيل الباسقة، تصدح أصوات المزارعين بأهازيج توارثتها الأجيال، تلخص المكانة الاقتصادية والغذائية الخارقة لهذا المنتج؛ حيث يرددون بنبرة ملؤها الفخر:

جِنَى امْنَاصِفْ نَدَرْ..... أَوَّلْ جِنَاهْ بَيْنِ امْسُوقْ

قُلْ لَمْحَلْوِي رَفَعْ..... وَعَلَّقَ امْحَلَّهْ فَوْقْ

هذه الأبيات التهامية الضاربة في القدم هي إعلان تجاري واجتماعي صريح؛ فبمجرد أن "ينَدِّر" (ينزل ويظهر) جني تمور المناصف بأوائل بشائره في السوق، يتوقف المواطنون تلقائياً عن شراء الحلويات المصنعة، مستبدلين إياها بحلاوة التمر الطبيعي الرباني. وتوجه الأبيات رسالة مباشرة إلى "المحلوي" (صانع وبائع الحلويات التقليدية كالـمشَبّك والخلطة والحلويات المحلية الأخرى) بأن يرفع أدواته، ويغلق دكانه ("يعلّق الحلة التي يصنع فيها الحلوى فوق الرف")، ويتوقف تماماً عن الإنتاج طوال هذه الفترة، كناية عن قلة الاقبال على شراء الحلويات المصنعة في حضرة "المناصف".

وفي جولة لنا بين بائعي التمور في أسواق الحديدة، التقينا البائع خالد حسن زين، الذي يقول خالد: "في هذا الموسم، تنقلب حركة السوق رأساً على عقب.. يتدفق الناس بشكل غير مسبوق لشراء المناصف والعنيني، وتتراجع مبيعات محلات الحلويات 180 درجة تقريبا"، معتبراً تمر المناصف، قوت أساسي، وضيافة، وحلوى طبيعية تغني الصغير والكبير عن السكريات الصناعية".

وفي قلب مزارع النخيل حديث الأصناف، الفسائل، والعمليات الزراعية التقينا بالحاج أحمد معروف، أحد مزارعي النخيل المخضرمين، ليفصل لنا طبيعة هذه الشجرة المباركة وأصنافها.

واستهل الحاج أحمد حديثه عن أصناف موسم المناصف قائلاً: "نحن نزرع أصنافاً مميزة تندرج وتشتهر في هذا الموسم، على رأسها صنف (المناصف) وهو الأساس، بالإضافة إلى (العنيني) الذي يتميز بحلاوته الفائقة، و(العجوى) اللينة الغنية، و(اللبان) الذي ينافس بجودته ومذاقه، وكل صنف له نكهته الخاصة ".

وعن مصدر الفسائل وعمر الإثمار، يقول: "نحرص على جلب الفسائل من الأمهات القوية المشهود لها بالجودة داخل مزارعنا القديمة، أو من  المشاتل النموذجية، لافتاً إلى أن الفسيلة بعد قلعها وغرسها بعناية تحتاج من 4 إلى 5 سنوات لتثمر وتبدأ بإعطاء البشاير، وتصل لذروة عطائها بعد السنة السادسة".

 وعن العمليات الزراعية يقول المزارع محمد عمر الضابط إن: "النخلة بحاجة لخدمة مستمرة؛ نقوم بتقليب الأرض بانتظام لتهوية التربة حول الجذور، ونستمر في التعشيب لإزالة النباتات الضارة التي تقاسم النخلة غذاءها.. أما السقي، فنعتمد على الري بالغمر من الآبار، ويكون الري مكثفاً ومنتظماً قبل الإزهار وبعد الإزهار، ثم يتم تخفيفه مع اقتراب نضج التمر".

ويرى الضابط أن سر نجاح يبدأ من عملية التلقيح التي تتم في أواخر الشتاء (يناير وفبراير)، موضحاً أنه عندما ينشق كافور النخلة الأنثوية، نصعد إلى قمتها ونضع داخل العذوق شماريخ ذكرية نأخذها من فحول النخيل الموثوقة، ثم نربط العذق برباط خفيف لضمان التفاف حبوب اللقاح، مشيراً إلى أن هذه العملية يدوية مجهدة وتتطلب خبرة ودقة عالية لضمان جودة الثمار".

 مكافحة الآفات والتجفيف.. بين العشوائية والإرشاد

 وتواجه المزارعون العديد من العقبات والتحديات، منها الأمراض الخطيرة مثل (سوسة النخيل الحمراء) وآفة (حلم الغبار/المتكتك) التي تهلك الثمار.

ويشير المزارع يحيى شلاع إلى أنه في الماضي، كانت المكافحة عشوائية واجتهادات شخصية بالرش بالمبيدات قد لا تكون مناسبة، مما يكلفنا مبالغ طائلة دون فائدة، و اليوم، بفضل بعض الإرشادات، من المرشدين والجمعيات بدأنا نستشير مهندسين زراعيين بشكل محدود ونستخدم المصائد الفرمونية، لكننا نطالب بالنزول الميداني المستمر للمرشدين وتوفير إرشادات مكتوبة ومصورة لتوعية المزارع البسيط".

 ويضيف شلاع حول مرحلة ما بعد الجني: "نحن نجني التمور في مرحلة البسر والرطب، ولتجفيف الفائض وتحويله إلى تمور جافة، نستخدم الطرق التقليدية بنشر التمور في (المجران) وهو مسطح ترابي مفروش بالطرابيل تحت أشعة الشمس المباشرة لعدة أيام نظراً لمحدودية المجففات الشمسية التي تم تقديمها للجمعيات في الموسم الماضي، حيث لم تستوعب كميات التمور الوفيرة، متبعاً حديثه بالقول : "نتطلع بدعم الجهات المعنية لتوفير مجففات شمسية إضافية تضمن حماية المحصول من الغبار والحشرات ورفع جودتها ".

 الجمعيات التعاونية.. المجاميع الإنتاجية ودعم المزارع

 انتقلنا إلى مقر جمعية بيت الفقيه التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، حيث التقينا بمديرها التنفيذي الأستاذ عبده معوضة مزجاجي، وتحدث عن دورهم التنظيمي قائلاً: "عملنا على تشكيل (المجاميع الإنتاجية)، وهي روابط تجمع مزارعي النخيل في كل قرى عزلة الجاح مركز زراعة النخيل في المديرية، مبيناً أن الهدف منها توحيد كلمتهم وجهودهم، وتسهيل عملية تقديم الإرشاد الزراعي الجماعي، وتوفير كلفة المدخلات".

 ويضيف: "تقدم الجمعية إرشادات دورية حول مواعيد التلقيح والمكافحة، وفي جانب التسويق، نحاول تنظيم عملية البيع وتوفير عبوات كرتونية مناسبة تحفظ تمور المناصف والعنيني من التلف أثناء النقل والبيع، وكسر احتكار الوسطاء لضمان سعر عادل للمزارع وللمستهلك".

 ضابط السلسلة.. قراءة في السلسلة كاملة

 من جانبه، يقدم المهندس عبدالرحمن هزاع ضابط سلسلة قيمة النخيل رؤية شاملة قائلا:

"تبدأ سلسلة قيمة تمور المناصف من إنتاج الفسائل ومدخلات الري والتسميد، ثم العمليات الحقلية (الحراثة، التلقيح، والمكافحة)، تليها مرحلة الجني والفرز، ثم مرحلة ما بعد الحصاد (التجفيف والتعبئة)، وتنتهي بالتسويق للمستهلك وبائعي التمور في الأسواق.

ويشير إلى أن الفجوة الأكبر لدينا تكمن في مرحلة ما بعد الحصاد؛ فبسبب ضعف تقنيات التجفيف وغياب التبريد، يضطر المزارع لبيع محصوله دفعة واحدة بأسعار منخفضة خشية التلف، وهو ما نعمل على معالجته لربط السلسلة بشكل متكامل ومربح".

ويبرز تساؤل هنا: كيف نحقق التوسع الرأسي لتمور المناصف وأصنافها؟

ويرى المزارع محمد عمر الضابط أن "التوسع الرأسي وخفض التكاليف يبدأ من التحول نحو الطاقة الشمسية لضخ مياه الري، فالديزل يستهلك نصف أرباحنا، كما أن الاعتماد على التسميد العضوي المحلي الموثوق سيرفع من حجم وجودة أصناف كالعنيني والسكري ويقلل كلفة الأسمدة الكيماوية المستوردة".

بدوره يرى عبده معوضة مزجاجي أن خفض التكاليف يتحقق بـ الشراء الجماعي للمدخلات والكراتين عبر المجاميع الإنتاجية، وادخال آلات جني وتقليم حديثة مشتركة؛ كون رفع الجودة يحتاج إلى التزام المزارعين بمعايير فرز موحدة واستبعاد الثمار المصابة لتأخذ التمور التهامية قيمتها المستحقة في السوق الفاخرة".

أما الباحث الزراعي صديق جبريل، فيول ​"إن التوسع الرأسي في زراعة التمور التهامية -وعلى رأسها صنف 'المناصف' والأصناف الفاخرة كـ 'العنيني'- هو طوق النجاة الحقيقي لتحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي، والبديل الاستراتيجي لمنع استنزاف مواردنا المائية والأرضية في التوسع الأفقي العشوائي.

​ولتحقيق معادلة أعلى إنتاجية، وجودة منافسة، بأقل التكاليف، وضعت الخارطة البحثية دليلاً إرشادياً متكاملاً يرتكز على محورين:

●       ​أولاً: استغلال الميزة النسبية للخارطة الصنفية؛ عبر العناية بالأصناف التهامية المبكرة والطلب عليها كالمناصف والسريع، وتجويد الأصناف الفاخرة كالعنيني والمكتوم عبر عمليات 'الخف والتفصيص الميكانيكي' المبكر لرفع قيمتها التسويقية وحجمها.

●       ​ثانياً: التحول نحو 'المكافحة الذكية والاستباقية' كبديل للمبيدات باهظة الثمن؛ وذلك عبر تفعيل الخط الدفاعي الأول (التكريب الشتوي والنظافة الأرضية)، واعتماد الحلول العضوية كخل الخشب والفخاخ الفيرومونية والضوئية المصنعة محلياً لمواجهة سوسة النخيل وحفارات الساق، إلى جانب الاعتماد على الكبريت الميكروني وضبط (pH) مياه الرش لمكافحة حلم الغبار وأعفان الثمار.

​إن خفض كلفة الإنتاج وحماية الإنسان والأرض التهامية لن يتأتى بالحلول الكيميائية الطارئة، بل بإدارة المزرعة كمنظومة حيوية متكاملة تضمن السيادة الغذائية بأقل جهد مالي ممكن."

ويوضح ضابط السلسلة المهندس عبدالرحمن هزاع أن "تحقيق التوسع الرأسي يتطلب الاستثمار في البنية التحتية لتبريد وتصنيع التمور.

ويضيف: "لو استطعنا تقليل نسبة الفاقد بعد الحصاد (التي تصل حالياً إلى 30% بسبب النقل والتجفيف التقليدي) من خلال غرف تبريد فرعية ومجففات حديثة، سنحقق زيادة فورية في كمية الإنتاج الفعلي المتداول، كما يجب توجيه الفائض نحو الصناعات التحويلية كعجينة التمور ودبس التمر، مما يرفع الجودة والقيمة الاقتصادية، ويخفض التكلفة الإجمالية للسلسلة ويعود بالنفع المباشر على المزارع وبائعي التمور".

ويبقى موسم تمور المناصف في تهامة بأصنافه البديعة مظهر من مظاهر الخير والبركة والأصالة التهامية، وموسماً يسحب البساط من صناعة الحلويات ليعود بالناس إلى الطبيعة، تترجمه تلك الأهازيج العفوية.

 ومع تكاتف الجهود نحو التوسع الرأسي المدروس، يمكن لهذه الواحات أن تتحول إلى رافد اقتصادي استراتيجي لليمن بأكمله.

المناصف والعنيني.. سلسلة قيمة واعدة لتعزيز الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي في تهامة
المسيرة نت| أيوب أحمد هادي: مع اقتراب موسم جني تمور المناصف في تهامة، تتهيأ الأرض لعرسها السنوي الأبرز؛ موسم المناصف أو ما يُعرف محلياً بـ " بخماد التمرة". وفي قلب هذا الموسم، تتربع تمور "المناصف" بأصنافها الشهيرة (العنيني، والمناصف العادي، العجوى، اللبان، المديني) كملوك غير متوجين على عروش الأسواق، معلنةً حالة من البهجة والاكتفاء ومحدثةً هزة اقتصادية تقليدية في أسواق تهامة.
استشهاد أسير فلسطيني في سجون العدو الصهيوني
متابعات| المسيرة نت: استُشهد الأسير الفلسطيني صابر الأميطل من النقب المحتل، بعد مدة من اعتقاله داخل سجون العدو الإسرائيلي، وسط معلومات تفيد بتعرضه لاعتداءات وانتهاكات خلال فترة احتجازه.
تحت ظلال المجمع الصناعي العسكري: كيف تصنع النزعة العسكرية الأمريكية أزمة اللجوء العالمي؟
المسيرة نت| متابعات: بينما يحيي العالم "اليوم العالمي للاجئين" الذي يوافق تاريخ اليوم (20 يونيو)، تُسلط مجلة ريسبونسيبل ستيتكرافت الضوء على الجذور الحقيقية الكامنة وراء أرقام النزوح القياسية.
الأخبار العاجلة
  • 15:52
    رئيس الوزراء الباكستاني: الجهود المكثفة أنتجت الاجتماع بين واشنطن وطهران في بورغنشتوك وربما نعود بورقة من أجل السلام
  • 15:47
    حماس نطالب المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بالتحرك الجاد والضغط على الاحتلال لوقف هذه الانتهاكات المتصاعدة بحق الأسرى
  • 15:47
    حماس: ندعو أبناء شعبنا الفلسطيني إلى تصعيد الفعاليات المساندة للأسرى وإبقاء قضيتهم حاضرة في مختلف الساحات
  • 15:46
    حماس: السياسات الإجرامية لن تفلح في كسر عزيمة أسرانا البواسل ونحمّل العدو الإسرائيلي وإدارة سجونه المجرمة المسؤولية الكاملة عن حياة أسرانا الأبطال
  • 15:46
    حماس: نحذر من تداعيات استمرار سياسات الحرمان والإهمال الطبي والتنكيل والتعذيب الجسدي والقتل البطيء التي يمارسها الاحتلال بحق أسرانا
  • 15:46
    حماس: ننعي الأسير الفلسطيني صابر الأميطل من النقب المحتل، الذي ارتقى شهيدًا داخل سجون الاحتلال إثر تعرضه لعملية اعتقال همجية واعتداء وحشي