صراع اليابسة والبحار: كيف تفرض قوة الجغرافيا قواعد النظام العالمي الجديد؟ وما هي رسالة هرمز لباب المندب؟
آخر تحديث 10-05-2026 00:27

المسيرة نت | خاص: استعرض برنامج "جغراسيا" الذي يقدمه الإعلامي والباحث السياسي ناصر قنديل على قناة "المسيرة"، قوة الجغرافيا وتأثيرها في صناعة السياسة والمعادلات؛ من مضيق هرمز إلى باب المندب، وجغراسيا العالم من طهران إلى بكين وموسكو، التي لا تنفصل عن جغراسيا فلسطين الواقعة في القلب، والتي تتمحور حولها الصراعات بين القوى الكبرى، وجغراسيات المناطق العازلة.

وأوضح البرنامج في حلقة الأمس خطة العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، وحسابات إغلاق مضيق هرمز ورسالته لباب المندب، واستحضار نموذج مضيق البوسفور التركي ومعالجات الملف النووي، وما هو أهم من القنبلة النووية، وكيف انتصرت جغرافيا اليابسة على البحار، وأفشلت المعادلات الاصطناعية العسكرية لأمريكا، وكيف حطمت غزة ولبنان واليمن وإيران كبرياء أمريكا وأجبرت ترامب على التراجع؟


وتطرق البرنامج إلى كيف باتت الكرة الأرضية بأكملها تكره أمريكا، ومخاوف صناع القرار في روسيا والصين من زوال "الكيان المؤقت" في هذه الحرب، وما يجب عليهما لعبه من أدوار محورية لصناعة النظام العالمي الجديد، وكيف لهما مغادرة حالة البرود لصالح الالتزام بحرارة القضايا التي تقع فلسطين في مقدمتها.

جغراسيا فلسطين

قال قنديل إن "جغراسيا" فلسطين تدور حول العلاقة بين مضيقي هرمز وباب المندب؛ حيث قدمت إيران رؤيتها وأطروحتها لمشروع الحل في الأيام القليلة الماضية، وهي تشبه كثيرًا ما سبق وأكدت عليه طهران: بأن إنهاء الحرب هو البداية وليس مجرد وقف إطلاق النار، وأن إنهاء الحرب يرتبط برفع الحصار، وبعدها يُبحث في إدارة مضيق هرمز، ثم الانتقال إلى التفاوض من حيث انتهى قبل شن الحرب العدوانية حول الملف النووي.

 ووصف الموقف الأمريكي بأنه يتريث ويتمهل، بينما المعتاد أن يكون "أسرع من السريع" ويعلن رفض العروض قبل قراءتها؛ مبيناً أن ما يجري في أمريكا معقد ومتشابك، خاصة مع الشعور بوصول الخيار العسكري إلى طريق مسدود، والحاجة إلى معالجة أزمات الاقتصاد العالمي أمام سعر برميل نفط يبلغ 111 دولارًا وقابل للزيادة.

كما أشار إلى الوضع الداخلي الذي يواجه استحقاق المثول أمام الكونجرس مع انتهاء مهلة الـ 60 يوماً دون تحقيق إنجاز عسكري؛ إذ إن ما يحدث هو "أعلى من الحرب" ويحتاج إلى أكثر من ترخيص، لكن إدارة ترامب تواجه هذا الاستحقاق -ولو متأخرة- أمام احتمال خوض معركة فاشلة أمام الكونجرس الذي يمثل الجمهوريون فيه أغلبية.

وأكد أن كل هذه الاستحقاقات تجعل ترامب يتريث؛ لأنه إذا قال "لا" فعليه الذهاب نحو التصعيد الذي قد يفتح باب إغلاق مضيق باب المندب، فتتراكم الكوارث على رأس أمريكا والاقتصاد العالمي، ويدخل الاختناق مرحلة الاستعصاء؛ ما يدفع ترامب لعدم قول "لا" صريحة، بل يغلفها بـ "نعم.. ولكن تعالوا لنتناقش".

باب المندب وما هو أهم من القنبلة النووية

اعتبر قنديل أن أهمية مضيق هرمز تكمن في كونه عقدة جغرافية استثنائية، جعلت عدداً من المحللين الكبار في أمريكا يقولون إن العالم الذي كان يضم ثلاث دول عظمى هي (أمريكا وروسيا والصين)، أصبح يضم الآن قوة رابعة وهي إيران، قائلاً: "هذا المضيق الذي يمسك بخناق الاقتصاد العالمي، والذي قال خبراء دوليون إنه جعل إيران تملك ما هو أهم من القنبلة النووية، يأتي بالمعادلات التي سيكملها مضيق باب المندب إذا اقتضت الضرورة".

ونوه إلى أن بين المضيقين معادلات جغرافية حاكمة ومستبدة لا فرار منها؛ فنصف تجارة العالم تعبر من هذين المضيقين، والإرادة هناك "حديد صلب" لا يتزحزح، مؤكداً أن اليمن قد اختبروه سابقاً، وإيران في قلب اختبار يومي يؤكد هذه الحقائق.

وعن العلاقة بين المضيقين، أشار التقرير إلى أنها حاضرة في المبادرة الإيرانية الجديدة، في لحظة بلغت فيها لعبة الحصار حدودها القصوى، كصياغة لمعادلة مزدوجة: باب مفتوح لتسوية هادئة، ورسالة مضمرة بأن بديلها هو انتقال الصراع إلى مستوى أشد تأثيراً على الاقتصاد العالمي، مفادها علناً: لغة تفاوض واستعداد لخفض التوتر، وتحت الطاولة: تذكير بأن زمن إدارة الضغوط من طرف واحد قد انتهى.

ويوضح تقرير "للمسيرة" أن جوهر المبادرة يقوم على إعادة تعريف التوازن بالأرقام والجغرافيا معاً؛ فمضيق هرمز -الذي لا يتجاوز عرضه الملاحي الفعلي بضعة كيلومترات- تمر عبره يومياً ما تقارب واحداً وعشرين مليون برميل نفط، أي حوالي 20% من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى جزء أساسي من الغاز المسال. أما باب المندب -بعرض يقارب ثلاثين كيلومتراً في أضيق نقاطه- فيمر عبره نحو ستة إلى سبعة ملايين برميل يومياً، إلى جانب ما يناهز 12% إلى 15% من التجارة العالمية المتجهة عبر البحر الأحمر نحو قناة السويس.

ويضيف التقرير: "هنا لا نتحدث عن ممرين منفصلين، بل عن سلسلة مترابطة: الخليج، هرمز، المحيط الهندي، باب المندب، البحر الأحمر، السويس، المتوسط، فأوروبا. وفي الخلفية، يظهر تناغم مع دفع روسي وصيني يرفع عنوان الانتقال من الاستنزاف إلى التسويات، مدفوعاً بمصالح لا تتحمل اضطراباً في شرايين الطاقة والتجارة، وهنا يتحول السؤال أمام واشنطن وحلفائها من: (كيف نضغط؟) إلى: (كيف نمنع ارتداد الضغط علينا؟). وفي المحصلة، المبادرة الإيرانية عرض تفاوضي يعيد رسم قواعد الاشتباك الاقتصادية بلغة الأرقام والممرات البحرية؛ تسويةٌ الآن، أو اختناقٌ يطال الجميع".


 

خطة العدوان على إيران وانقلاب المعادلة

عاد قنديل للحديث عن نصيحة ترامب لمجرم الحرب الصهيوني بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد فجر السير في الحرب على إيران يوم 28 من فبراير الماضي؛ حيث وُضع في الحسبان أن اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران -السيد الشهيد علي الخامنئي- سوف يؤدي إلى انهيار النظام، وانفراط العقد، وتنازع القادة على مراكز النفوذ، ليفقد النظام أكثر من نصف وزنه، وتجرؤ الشارع على الخروج ودعم دعوة إسقاط النظام، وبين قنديل مؤامرات الحرب الصهيونية على إيران، والتخطيط وتوزيع المهام بين الجانبين، وطبيعة الحسابات لنتائج المواجهة خلال يومين إلى ثلاثة أيام، لتنتهي الحرب وتتحقق الأحلام وتصبح إيران حطاماً.

ونوه إلى شنّ 6 آلاف غارة في الأيام الثلاثة الأولى من العدوان على إيران، استهدفت 10 آلاف هدف، وأُلقيت خلالها مئات الأطنان من المتفجرات التي دمرت منشآت ضخمة، ومؤسسات عملاقة، ودوراً سكنية، ومستشفيات، ومدارس؛ وكانت "الافتتاحية" بمدرسة للبنات استشهدت فيها أكثر من 170 طالبة. وأشار إلى أن النتيجة كانت أن السيد الشهيد قد وضع قبل استشهاده خطة المواجهة التي فاجأت كل من كان يراقب؛ فبعد ساعتين فقط من المواجهة، كانت إيران تستجمع قواها، وتبدأ بإطلاق الصواريخ على كيان الاحتلال الصهيوني، وتستهدف القواعد الأمريكية بصواريخ دقيقة داخل كل دول المنطقة، وتستهدف الرادارات ونقاط الإنذار المبكر ومرابض تموضع الطائرات العملاقة في مطارات دول الخليج، وهذا ما لم يكن في الحسبان.

وأكد أن ما كان في الحسبان هو أن تقوم إيران بإرسال صواريخ تحذيرية، لا بعملية "تنظيف مبرمجة" لأكثر من 3 آلاف هدف أمريكي داخل دول الخليج، منها بنية تحتية يقول عنها خبراء عسكريون أمريكيون متقاعدون شاركوا في بنائها: "إنها بناءات سرية كلفت تريليونات الدولارات، وأُنشئت على مدى ثلاثة عقود، ومن المستحيل إعادة بنائها حال توقفت الحرب اليوم وتخصيص الموازنة لذلك؛ لأن دول الخليج لم تعد قادرة على التمويل، والموازنة الأمريكية تعاني من ثقل الديون"، كما انكشفت الحاجة التي كانت تحكم التفكير الخليجي في أيام بنائها على أساس الشراكة في العدوان على إيران، فتبين أن أمريكا لا تحمي، وقواعدها تتحول إلى عبء بدلاً من أن تكون مصدر حماية ودفاع.

وأضاف قنديل: "فشلت الخطة وسقطت، وبقي النظام الإيراني ثابتاً، وقدم مرشداً جديداً هو السيد مجتبى علي الخامنئي الذي بايعته كل أركان الدولة. وكان القادة يستشهدون ويأتي بدلاء عنهم أشد بأساً وأكثر تمسكاً، فتجاوزت إيران عنق الزجاجة ولم يسقط النظام، وليس في قاموسها مفردة اسمها الاستسلام".


وأردف قائلًا: "العدو يفكر الآن ما العمل؟ لقد باتت الحرب خارج الوصفة الجاهزة، فخرج ترامب مجدداً يهدد ثم يتراجع عن تهديده، وقال إنه سيعطي مهلة، وانتهت المهلة ولم ينفذ التهديد، فمدد ومدد حتى وصل إلى التمديد بلا سقوف؛ والسبب أن خيار التصعيد سيُقابل بتصعيد، وأن النزول في البر يقابله نزول في البر، وأن البر في الخليج -حيث القواعد الأمريكية- أهداف مشروعة للجيش الإيراني وحرس الثورة الإسلامية، وإن اشتد الأمر فستُفتح جبهات أخرى".

 


الحسابات الإيرانية لإغلاق هرمز

في السياق يقول قنديل  "كانت العلامة الثالثة التي أظهرتها إيران، هي العلامة الفارقة، والتي كان يعتقد الأمريكيون أن الإيرانيين يلوحون بها ويهولون باستخدامها، لكنهم لن يجرؤوا على فعل ذلك، وهي مضيق هرمز، وإقفاله، لأن منه لا تعبر فقط ناقلات النفط الذاهبة إلى دول الغرب، الصين هي المستفيد الأساسي من النفط الخارجي من المضيق، والصين حليف لإيران، وأن إيران لن تقدم على مثل هذه الخطوة، وتلحق الأذى بحليفتها الصين، ومع الصين، اليابان وكوريا الجنوبية، والهند، زبائن النفط الإيراني"، مبيناً أن الحسابات الأمريكية كانت تستبعد هذه الفرضية، لكن الحسابات الإيرانية كانت على صعيد  أن الاقتصاد العالمي لن يتحمل ضربة هرمز، وسوف يختنق، ويدخل في حرب أسعار، حين يبدأ سلم سعر برميل النفط بالصعود، ويشد خناق الشركات والمصارف وأسواق الأسهم والبورصات ، وستتحمل أمريكيا مسؤولية انهيار المنظومة المالية الحاكمة في العالم، التي تعتبر ترامب مجرد موظف صغير لديها ، وعندما تدخل المرحلة التي لا تستطيع فيها التحمل، ستأمره وينفذ".

وحول وسائل الضغط الإيرانية أشار قنديل إلى بدأ السباق بتساقط الصواريخ على كيان العدو الصهيوني، خاصة الصواريخ المبتكرة الجديدة والانشطارية، ومعها قواعد أمريكا وبناها التحتية في دول الخليج، التي تفككت واحدة تلو الأخرى، لافتاً إلى دك الصواريخ الانشطارية لعمق الكيان، في حيفاء المحتلة " تل أبيب" ونهاية عمل الرادارات التي تعطي العلم والإنذار المسبق للعدو بأن الصواريخ الإيرانية قادمة، حين جرى شطبها من المعادلة، وكيف قال مضيق هرمز كلمته الفاصلة، وأوصل برميل النفط إلى مئة وعشرين دولار.


وعن الجبهة اللبنانية ودورها يقول: "الجبهة اللبنانية كانت المقاومة التي اعتقدوا أنها أصبحت خارج المعادلة، وان قدراتها بددت ودمرت صواريخه، وبنتها عاجزة عن النهوض، فاذا بها تأتي كما قال خبراء العدو وقاداته السابقين، أقوى وأعظم مما كانت، لتخرج المظاهرات في المستوطنات الشمالية لتقول: كذبتم عليها، وتهديد الشمال عاد أشد مما كان".


 

رسالة هرمز لباب المندب.. ونموذج البوسفور التركي ومعالجات الملف النووي

في هذا السياق، يقول قنديل: "أعلن أنصار الله بلسان قائدهم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله): 'أننا جزء من هذه الحرب، وأننا جاهزون للدخول على خطها في الوقت المناسب'"، موضحاً أن "الوقت لم يحن بعد؛ لأن إيران مطمئنة إلى وضعها، ولأن الواقع في الأزمة هو أمريكا وحليفها العدو الإسرائيلي".

ويضيف: "ثم وصلنا إلى المرحلة التي اعتقد فيها ترامب أن استبدال الحرب العسكرية بالحرب الاقتصادية قد يؤتي أكله، فذهب إلى حصار الموانئ الإيرانية، لكن الإحصاءات والمعلومات والتقارير تقول إن إيران تجاوزت الحصار، وأن الناقلات التي تحمل النفط الإيراني خرجت في أيام الحصار بكميات أكبر من تلك التي كانت تخرج بها في الأيام العادية، فاستطاعت تجاوز الحصار وتحويله إلى ورقة قوة وخنق اقتصادي (للآخرين)، وكان بعض النفط يخرج من مضيق هرمز لحساب الأصدقاء ولحساب إيران".

وبين أنه مع الحصار الأمريكي اختنق الاقتصاد العالمي، وتضاءلت الكميات النفطية المطروحة في الأسواق، لافتاً إلى ما ذكرته وكالة دولية للطاقة بأن "مليار برميل فات الأسواق العالمية خلال فترة الحرب"، وعلى أثر ذلك اشتد الخناق أكثر فأكثر.

وأشار إلى قيام إيران بصياغة حركتها الدبلوماسية التي قامت على اشتراط وقف الحرب وإنهائها للجلوس على طاولة التفاوض، وألا تعود أمريكا -كما فعلت في مرات سابقة- للحرب أثناء التفاوض كخديعة. وإنهاء الحرب يعني عودة الحاملات والسفن والبوارج الحربية، ويعني إنهاء الحصار، وبالمقابل فتح مضيق هرمز للنقاش حول كيفية إدارته.

واستحضر الإعلامي قنديل النموذج التركي بقوله: "إيران هذه المرة فعلت كما فعلت تركيا في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما قالت تركيا إن مضيق البوسفور هو مضيق لعبور الملاحة التجارية، لكن عبور الملاحة التجارية شيء، وأن يكون المضيق مفتوحاً أمام الاستخدامات العسكرية شيء آخر، حينها نجحت تركيا بانتزاع تنظيم لمضيق البوسفور يسمح لها بالتحقق من عدم استخدامه عسكرياً، وأن تمارس سيادتها وتتقاضى رسوماً وبدائل عن الخدمات والحماية".

ولفت إلى التفاهم الإيراني العماني بخصوص الإدارة الثنائية للمضيق بعد إجراءات إنهاء الحرب وفك الحصار وفتح المضيق، مؤكداً أن هذا النقاش تخوضه إيران في مناخ من الهدوء، وقد حصلت على تفاهم مع عُمان حول كيفية إدارته.

وانتقل قنديل إلى الحديث عن معالجة الملف النووي وكيف تديره إيران بالشراكة مع روسيا، وأنه إذا كان لا بد من إخراج (اليورانيوم المخصب)، فسيخرج إلى روسيا كوديعة؛ فإذا عادت أمريكا إلى الحرب عاد فوراً إلى إيران. وتابع: "لكن بالمقابل، فإن روسيا التي رأت بأم العين الصمود الإيراني والبطولة والشجاعة -كما قال حرفياً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين- لن تترك إيران وحدها، فالحصار البحري على إيران، كما قالت المصادر الروسية، يمكن كسره عبر بحر قزوين؛ حيث تنقل إيران نفطها وبضائعها إلى روسيا، ومن هناك -عبر خطوط سكك الحديد الواصلة إلى الصين والهند وسواهما- ستكون التجارة الإيرانية بأمان، وستأتي مستورداتها عبر بحر قزوين بعد تحميلها على السكك الحديدية داخل روسيا، وهذه المعلومات وصلت لأمريكا".

واعتبر أن ترامب الآن مربك، متسائلاً: "ماذا يستطيع أن يفعل؟ هل يقبل عرضاً لا يحقق شيئاً من أهدافه ويرحل الملف النووي إلى المرحلة الأخيرة، بعدما يكون سيف الحصار وسيف الحرب قد رُفعا؟ إذا حدث هذا، فتلك هزيمة مدوية، فكيف يبررها؟ وكيف يخرجها؟ وإذا أصر على المضي في رفض هذه الورقة وسلك طريق تشديد الحصار -كما يضغط عليه المجرم نتنياهو مرة أخرى- فإن مضيق باب المندب سيكون بالانتظار، واليمنيون أعلنوا مراراً أنهم جاهزون لـ 'محاصرة الحصار'".

وقال قنديل : "الأمريكيون يقفون عند أبواب خليج عمان ومن هناك يفرضون الحصار، لكن اليمن من باب المندب يحاصر هذا الحصار، ويرفع نسبة الأزمة في الاختناق الاقتصادي العالمي من 30% إلى 50%، والنتيجة ستكون تسارع الضغوط، وهذا الأمر موجود في الحسابات ويعلمه الرئيس الأمريكي جيداً". ويكشف قنديل أن رسالة هرمز لباب المندب هي: "عندما تأتي الإشارة، نُقفل معاً، ونشد الخناق، ونمسك بالقرار، ونحسم الأمر حتى الانتصار".


فشل المعادلات الاصطناعية العسكرية لأمريكا

في هذا السياق يقول قنديل: "كيف سيصرف الأمريكي هذا؟ ليس مهماً، المهم أن المعادلات التي تفرض حضورها الآن ليست هي المعادلات الاصطناعية المتمثلة في أنواع الأسلحة والحشود"؛ مستشهداً بما ذكرته التقارير الأمريكية عنها: "بأن حاملات الطائرات تحولت إلى مجرد خرسانة حديدية عائمة غير قابلة للاستعمال؛ فإذا أردت الاستفادة منها عليك أن تقترب من الشواطئ فتقع في مرمى الصواريخ، وإذا أردت تحييدها عن الشواطئ ومرمى الصواريخ، فإنها تصبح خردة لا قيمة لها في الحرب؛ لأن الصواريخ التقنية عالية الدقة، القاتلة والمفجرة والمدمرة، كادت تنفد، وهي الآن تجاوزت الحدود التي كان بمستطاع الأمريكي الرهان عليها".

وأضاف: "أنفقت أمريكا -كما يقول خبراؤها- أكثر من نصف مخزونها الاستراتيجي من صواريخ الدفاع الجوي ومن صواريخ الاستهداف الدقيق، وبالتالي بات عليها عسكرياً أن تتوقف عن الحرب"؛ مشيراً إلى أن هذه هي نصيحة الجنرالات التي لم يأخذ بها دونالد ترامب فاستقالوا، متسائلاً: "أليس بائناً أن أكثر من عشرة جنرالات في مواقع حساسة ومهمة تركوا مهامهم وغادروا لأنهم لا يريدون مواصلة حرب خاسرة؟".

وتابع: "الآن ترامب في مأزق، وماذا عساه أن يفعل وهو محاصر بين الجغرافيا التي يمثلها مضيق هرمز، والجغرافيا التي يمثلها مضيق باب المندب؟ فالجغرافيا وأهل الأرض أقوى من أي قوة اصطناعية آتية من وراء المحيطات، وهذه معادلة جديدة. أما الترهيب بالقتل والتدمير والقول بأن عليك أن تخضع، فلماذا؟ خشية مما قد يُقدم عليه العدو المجرم الذي لا يعترف بالقوانين ولا بأخلاق الحروب ومعاهدات فيينا ولا سواها، ولا يقيم اعتباراً إلا لمعادلة واحدة هي معادلة الإرهاب. فهم يتحدثون عنه (الإرهاب) وهم أمه وأبوه؛ فالإرهاب هو أن تقتل الأبرياء، وتدمر المنشآت المدنية، وأن تخنق الناس جوعاً وعطشاً -كما فعلوا في غزة- حتى يرفعوا الراية البيضاء ويعلنوا الاستسلام".


 

كيف حطمت غزة ولبنان واليمن وإيران كبرياء أمريكا وأجبرت ترامب على التراجع؟

في هذا السياق يقول قنديل: "المعادلة التي لم يفهموها قالتها لهم غزة، وما قالته غزة بلسانها وبلسان لبنان والعراق واليمن وإيران هو: نحن قوم لا نستسلم، والاستسلام ليس على جدول أعمالنا، نموت واقفين ولا نركع. هذه كلمة مأثورة قديمة لقادة المقاومة الفلسطينية؛ فقد قدمت غزة مئة ألف شهيد ولم ترفع الراية البيضاء"، متسائلاً: "أتنتظرون من إيران أن ترفع الراية البيضاء؟".

وأجاب : "إيران ستمضي في طريقها، واليمن ماضٍ في طريقه، وإن احتجتم إلى سنوات من الانتظار فانتظروا، لكن الحقيقة هي أن الوقت مع أهل الأرض، لا مع من قال إن الوقت معه، فقد أخطأ كثيراً من ظن ذلك؛ أهل الأرض وقتهم معهم. بماذا تخيفهم؟ بنقص المؤن؟ الإيرانيون لا يُحاصرون؛ فلديهم اكتفاء ذاتي غذائي، والمدافعون عن القضايا يعيشون على 'الخبزة والزيتونة' كما يقال، وعلى شربة الماء، ولا يحتاجون إلى الرفاهية، لكن هل المواطن الأمريكي الذي يشتري الآن غالون البنزين بضعفي سعره السابق لديه قضية تستحق منه هذه التضحية؟ بالتأكيد لا".

وتابع: "لذلك خرج تسعة ملايين أمريكي في الشوارع يهتفون بسقوط ترامب، وليس فقط بوقف الحرب. وكل التقارير واستطلاعات الرأي الأمريكية تقول إن مؤيدي ترامب الآن أصبحوا أقل من 30%، وهو على أبواب انتخابات نصفية سوف يُعاد فيها تشكيل الأغلبية في الكونغرس وفي مجلس النواب، ولا أمل له ولحزبه في استعادة هذه الأغلبية؛ فكلما مضى في الحرب أياماً جديدة، تناقصت حظوظه في أن يعود بقوة واقتدار داخل الانتخابات".

وأكد بقوله: "في المحصلة، الأرض أقوى من كل بغي وعدوان، والمهم هو الإرادة، والمهم أن المعادلة التي يحاولون إعادة رسمها على مساحة المنطقة بالتوحش والقتل والإبادة -كي يقول الناس: علينا أن ننجو بأنفسنا ونخفف الخسائر- قد فشلت. وإذا كانت كلفة تخفيف الخسائر هي التفاوض من موقع ضعف كما يفعل الحاكمون في لبنان، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وعلينا أن نسلك هذا الطريق؛ وهو طريق سلكه آخرون من قبل في أوسلو، وسلكته سوريا في قيادتها الجديدة بعد (محاولات) إسقاط النظام، فماذا كانت النتيجة؟".

وأجاب على ذلك بقوله : "يستمر العدوان، ويستمر قضم الأرض، ويستمر إذلال الحاكم وإملاء الشروط عليه، حتى وصل الأمر بترامب إلى أن يتحدث بإحراج ما بعده إحراج، ومن دون تنسيق، ليقول للرئيس اللبناني: 'أنتظرك لتصافح نتنياهو هنا'، والمجرم نتنياهو هو الذي على يديه دماء عشرات الآلاف من اللبنانيين؛ أطفالاً ونساءً وشيوخاً ورجالاً وشباباً!".

وشدد على أن الحصيلة هي أن شعوب الأمة قد تعلمت، وأن قيادات هذه الأمة -التي يتصدرها الشهيد السيد علي الخامنئي، وسيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، والشهيد يحيى السنوار، وقادة آخرون كثر- قد وعوا الدرس: "عندما تتنازل عن الخطوة الأولى، ستتنازل عن الثانية والثالثة حتى تسقط. والأمة قررت ألا تسقط، وعلى ترامب إما أن يتراجع أو أن يغرق في المستنقع أكثر".


 

جغراسيا العالم: طهران موسكو وبكين

في الفقرة الثانية من حلقات برنامج "جغراسيا"، يتناول قنديل قضية الجغرافيا السياسية من زاوية عالمية؛ حيث تتحرك الجغرافيا لتصنع السياسة في كبريات قضايا العالم، مسلطاً الضوء في حلقة اليوم على موقف روسيا والصين من الحرب الأمريكية الصهيونية على الجمهورية الإسلامية في إيران، وكيف أن "البحر" هاجم "اليابسة" بكونه أسرع، مقابل أن اليابسة بطيئة لكنها في نهاية المطاف تحضر وتنتصر.

وفي هذه الزاوية، استعرض قنديل جغرافيا آسيا؛ حيث تقع الصين في أقصى الشرق، وروسيا في أقصى الشمال، وإيران في الوسط، مشيراً إلى أن هذا المثلث متماسك وحاضر في المعادلة أمام "معادلة البحر" التي يمثلها الغزو الأمريكي عبر المحيطات والبحار.

واستفهم عن حقيقة المواقف الصينية والروسية، وكيف تتبدى وتسهم في تغيير المعادلة، مستعرضاً تقريراً يؤكد أن التحولات بين موسكو وبكين وطهران لا تُقرأ بالبيانات بل بالخريطة، وأن ما يجري هو انتقال من "اختبار الحرب والحصار" إلى "فرض التفاوض عبر الجغرافيا"؛ حيث تتحول المواقع إلى أدوات ضغط تعادل الجيوش، وتبرز عوامل جديدة تؤكد تفوق "البر" على "البحر" في السياسة.

ولفت قنديل إلى أن خطاب بوتين الداعم لإيران يلتقي مع تحذيرات الخارجية الصينية بشأن العقوبات على شركات صينية بسبب شراء النفط الإيراني، مفسراً هذا التلاقي بأنه تضامن وإعلان بأن كلفة الحصار لم تعد تقع على إيران وحدها، بل تمتد إلى قوى كبرى مستعدة للمواجهة الاقتصادية.

وتابع تقرير في السياق : "هنا، يبدأ ميزان القوى بالتحول من حصار أحادي إلى نزيف متبادل، لكن العامل الحاسم سياسي وجغرافي؛ فإيران تقع في قلب شبكة تربط آسيا الوسطى بالخليج وبحر العرب، مما يجعلها عقدة عبور لا يمكن عزلها بسهولة. وفي قلب هذه العقدة، يبرز مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية؛ فالتلويح بتهديده كافٍ لرفع الأسعار وإرباك الأسواق".

وقال: "وعندما يُضاف إليه باب المندب، يصبح شريان الطاقة العالمي محكوماً بمعادلة ضغط مزدوجة: الخروج من الخليج والوصول إلى المتوسط. هنا تظهر المفارقة الحاسمة؛ فأمريكا قوة بحرية تبني استراتيجيتها على الأساطيل والقواعد، بينما يعيد خصومها الاعتبار للبر؛ فالصين عبر 'الحزام والطريق'، وروسيا عبر ممرات 'الشمال-الجنوب'، وإيران عبر موقعها الوسيط، جميعها تعمل على تحويل اليابسة إلى بديل استراتيجي للبحر. فما يُحاصر في المضائق يمكن نقله عبر السكك والأنابيب، وما يُهدد في الممرات البحرية يجد طريقه عبر القارة. وهذا لا يعني إلغاء دور البحر، بل كسر احتكاره".

وأردف: "فعندما يصبح لدى الخصوم خيار بري، تفقد السيطرة البحرية قدرتها على الخنق الكامل. وهنا يتجلى تفوق البر بقدرته على توفير بدائل تقلص فعالية الحصار البحري. والنتيجة أن الحصار يفقد فاعليته كلما تحولت طرق الالتفاف إلى واقع، وكلما ارتفعت كلفة تعطيل الممرات البحرية على الاقتصاد العالمي. لم تعد المسألة تتعلق بالقدرة على منع إيران من بيع النفط، بل بقدرة العالم على تحمل تبعات محاولة المنع".

وأكد التقرير أنه في هذه اللحظة، تضع موسكو وبكين نهاية للصراع وحداً لإمكانية الحسم الأحادي، وأن الجغرافيا تقول كلمتها: "إما تسوية تضمن انسياب الممرات واستقرار الأسواق، أو مواجهة مفتوحة ترتد على الجميع". وبين الخيارين، يبدو أن العالم يُدفع نحو الطاولة؛ حيث يصبح البر شريكاً في القوة لا تابعاً للبحر.

وفي هذا الصدد يقول قنديل: "منذ بداية العدوان الإجرامي الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران، كان الانطباع السائد لدى الكثير من المتابعين أن روسيا والصين لا تتصرفان كحليفين، وأن حجم رد الفعل ومستوى نبرة الخطاب يفتقران للحرارة المتوقعة، وأن هذا يعني أن التحركات الميدانية ستكون أشد برودة من الكلمات التي تُقال تعقيباً على مشهدية حرب هزت العالم وتحولت إلى الحدث الأول في الاهتمامات الشعبية والسياسية والإعلامية".

وأضاف: "ومرت الأيام والعدوان يزداد ضراوة، وإيران تنزف وتتحمل وتصمد وترد الصاع صاعين وتضرب؛ فدمرت المنشآت الأمريكية في الخليج، وأصابت عمق الكيان، ودمرت الطائرات على المدرجات سواء في دول الخليج أو في كيان الاحتلال. كما دمرت الطائرات النوعية، وطائرات التجسس، وطائرات غرف العمليات، وطائرات التزود بالوقود التي بدونها تتحول أسراب الطائرات إلى أسراب عمياء، فنجحت إيران في أن تصد وترد وتواجه وتثبت الحضور؛ سواء عبر ما فعلته في مضيق هرمز، أو بالقواعد الأمريكية والبنى التحتية التجسسية التي تدير شبكات التنصت على مساحة العالم، أو بضرباتها التي استهدفت كيان الاحتلال حتى بدأ الصراخ والحديث عن نفاد الدفاعات الجوية وتناقص الذخائر، ثم دخلت المقاومة اللبنانية وفعلت ما فعلت، وهزت الكيان سياسياً، وأعادت إظهار أن خطر ورعب 'ريح الشمال' يزداد تعاظماً وقوة".


 

أين روسيا والصين؟ وكيف انتصرت لهما إيران؟

في هذا السياق تساءل قنديل: "لكن أين روسيا والصين؟ لماذا لا تتحدثان؟ أين هي الخطابات القوية التي تقول إن هذا عدوان إجرامي لا يمكن أن يتقبله العالم؟ وأن هذا عدوان خارج القوانين الدولية؟ هذه حرب تحت عناوين تتصل بالعالم، فأين هو العالم؟ وهل سألتم مجلس الأمن الدولي؟ وأين هي المعادلات القانونية؟ الحقيقة أنه كان هناك صمت وبضع كلمات أقرب إلى رفع العتب، لكن إيران لم تعاتب روسيا والصين، بل صمدت وثبتت وقاتلت وأثبتت المعادلات".

وأضاف: "بدأ الحديث يتحرك باتجاه الموقفين الصيني والروسي عن إسناد إيران وتقديم الدعم التقني وبعض المعدات النوعية، ومساعدة إيران في إعادة ترميم وبناء دفاعاتها الجوية. والسبب واضح؛ وهو أن إيران عندما صمدت برهنت للحلفاء أنها ستنتصر، وأن يكونوا على ضفة حليف منتصر خير لهم من أن ينظروا فقط إلى نزيفه".

وأشار إلى بدء تصاعد النبرة الصينية والروسية وتحسن المناخ؛ حيث بدأت إيران تظهر اقتداراً أعلى، وأسقطت الدفاعات الجوية الإيرانية طائرات أمريكية، وبدأت تعمل بفاعلية في أكثر من مكان.

وذكر قنديل بقضية الطائرات التي أُسقطت والطيارين الذين ذهبوا للبحث عنهم، وكيف جاء الأمريكيون في "غزوة أصفهان" أملاً في الوصول إلى اليورانيوم المخصب، فكانت المقتلة التي لا يعترف الأمريكيون حتى الآن بحجم خسائرهم فيها، لكنهم تركوا طائرتي نقل في أرض الإنزال، وهو ما لا يمكن أن يقنع أحداً بأنه مجرد بحث عن طيار سقط في المنطقة الجنوبية، مع وجود مسافة تزيد على مئتي كيلومتر بين المنطقتين.

واعتبر أن الثبات الإيراني هو ثبات "الخندق المتقدم" في الدفاع عن آسيا؛ فإذا وصلت أمريكا ووضعت يدها على القرار الإيراني -سواء بإسقاط النظام أو بتفكيك الجغرافيا الإيرانية وبناء مرتكزات انفصالية أو بأي طريقة أخرى- فإن الوجود على البر الآسيوي سيشكل تهديداً مباشراً لأمن الصين وروسيا؛ لذا فإن النجاح الإيراني هو نجاح لروسيا وللصين أيضاً.

 

استعداد للوقوف مع إيران

وقال قنديل: "يبدو أن اليابسة الباردة والبطيئة، عبر هذا التواصل البري (الروسي-الصيني-الإيراني)، بدأت تصبح حارة؛ فالصين أعلنت قبل أيام -رداً على عقوبات فرضتها أمريكا على مصفاة صينية مستقلة استقبلت ناقلة نفط إيرانية- أنها لن تصمت، وأنها سوف تتخذ إجراءات عقابية بديلة، وتعرف كيف تدافع عن مصالحها. ثم جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى روسيا، ونسمع كلاماً قوياً من الرئيس الروسي؛ حيث تحدثت الصحافة الأمريكية عن رسائل روسية وصلت إلى أمريكا، منها رسالة من الرئيس بوتين للرئيس ترامب ينصحه فيها بالإسراع في إيجاد حل للحرب مع إيران، لأن الوضع العالمي لم يعد يحتمل، وأن روسيا مستعدة للمساعدة في الوصول إلى حل، لكن الحرب يجب أن تتوقف".

وأشار إلى أن الكلام الروسي في هذا السياق كان لافتاً، ومفاده: "نحن مستعدون لفعل كل شيء من أجل الوقوف إلى جانب إيران، وتقديم كل ما قد تحتاجه". وأردف قائلاً: "السؤال هنا هو: عندما يتحرك الموقفان الروسي والصيني، وتتبدل معادلات مواقفهما باتجاه الإقدام لتحمل المسؤولية وإيصال الرسائل، فهل تستطيع أمريكا خوض معركتها على كل هذه الجبهات؟ إن المغزى العميق في هذا التحرك هو انتصار اليابسة لليابسة".


غالبية شعوب الكرة الأرضية تكره أمريكا

تابع قنديل: "نحن هنا أمام معادلات البر التي قال الأمريكيون إنهم لن يعودوا إليها؛ فبعد حربي العراق وأفغانستان، خرجت تقارير البنتاغون عن الاستراتيجيات العسكرية تقول: (حروب البحر هي خيارنا ولن نتورط في حروب البر)، لكن في حروب البحر والممرات المائية الآن، نجد أن كل الكرة الأرضية تكره أمريكا؛ فالبر لا يقبلها، والبحر لا يقبلها، والممرات المائية لا تقبلها، وهذا يعني أن على أمريكا العودة إلى أراضيها، وهناك أيضاً هي محاطة بعداوات صنعتها على اليابسة"؛ لافتاً إلى أنها استعدت كندا عندما هددت بضمها، واستعدت "غرينلاند" ومن ورائها أوروبا عندما أرادت السيطرة والاستيلاء عليها، واستعدت أمريكا اللاتينية بغزوها لفنزويلا، بل إن هناك تقارير حديثة تقول إن "كاليفورنيا وتكساس" تتحدثان عن الانفصال أصلاً.

ولمح إلى حروب أمريكا ضد عدد من الولايات وكيف ضمتها إليها بالحرب، كما هو الحال مع المكسيك، وأن أهلها يتوقون للاستقلال، وأن انفصال تكساس وكاليفورنيا يعني خسارة أمريكا لـ 70% من اقتصادها الذي تعتمد عليه.

وزاد قنديل: "في الواقع، وقعت أمريكا في الحفرة التي حفرتها لغيرها بين اليابسة والبحار، وباتت تلفظها البحار واليابسة معاً"؛ مشيراً إلى أن الحراك الصيني الروسي هو أولى إشارات تحرك اليابسة التي تنتصر لإيران، وأن آسيا ستكون كتلة موحدة من خلال هذا المثلث. وسيتغير المنهج الروسي والصيني لأن المثال الذي قدمته إيران مبهر، ويؤكد أن أمريكا ليست قدراً، وأن القوة النارية لأمريكا تستطيع أن تدمر وتقتل لكنها لا تستطيع أن تربح حرباً، ومن يملك الجغرافيا -من هرمز إلى باب المندب إلى البحر المتوسط- وغزة التي صمدت، يمثلون المثال الحي في القدرة على تغيير السياسة بإرادة التضحية والبقاء، فإذا أرادت روسيا والصين لعب دور بارز ومحوري في صناعة النظام العالمي الجديد، فعليهما مغادرة هذا البرود لصالح الالتزام بحرارة القضايا، التي تقع قضية فلسطين في مقدمتها.


وجدد التذكير بأن "إسرائيل" ليست دولة شرعية في المنطقة، ولا يمكن بناء استقرار مع تمسك صيني روسي بالتعامل مع كيان الاحتلال كأمر واقع يجب الاعتراف به. ولعل هذه القضية هي التي تشكل نقطة "الوصل والفصل"؛ النقطة التي بسببها ربما يخشى بعض الساسة الروس والصينيين من الانتصار لصالح إيران وقوى المقاومة، لأن ذلك يحرجهم في ضرورة الانتصار للقضية الفلسطينية تحت عنوان: "فلسطين حرة من بحرها إلى نهرها".

وفي رسالة وجهها قنديل للباحثين والمفكرين في روسيا والصين، قال مستهجناً: "أليس واجباً أن يقرأ المفكرون والباحثون في الصين وروسيا معنى أن الرأي العام الغربي، والنخب الغربية، والمثقفين والنواب والشخصيات الحرة في أوروبا وأمريكا، صار هتافهم في التظاهرات: (فلسطين حرة من بحرها إلى نهرها)؟". موضحاً كيف تخشى مراكز صناعة القرار في روسيا والصين من أن يؤدي انتصار إيران ومحور المقاومة إلى تهديد كيان الاحتلال بالزوال.

وأكد أن الجغرافيا اليابسة وفية لليابسة، والبر وفي للبر في هذه المعركة، وأن محور الجهاد والمقاومة يلتقط بإيجابية وحرارة هذا التبدل في الموقف الروسي والصيني إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران، على أمل أن يفهم ترامب الرسالة، ويدرك أن الوقت قد حان لتنتهي هذه الحرب.

 

جغراسيات المناطق العازلة

في الفقرة الثالثة والأخيرة من برنامج "جغراسيا"، سلط قنديل الضوء على موضوعات تتصل بالجغرافيا السياسية من جهة، وبالأحداث الكبرى التي تشغل شعوب المنطقة من جهة أخرى، موضحاً ما تناوله خطاب مجرم الحرب نتنياهو حول استراتيجية المرحلة القادمة، المتمثلة في إنشاء "المناطق العازلة". حيث يرى قنديل أن إنشاء "المنطقة الصفراء" في غزة ليس استثناءً، بل هو القانون العام الذي يريد العدو سريانه على لبنان وسوريا؛ إذ إن رؤيته الجديدة للأمن القومي تتمثل في التواجد في جبل الشيخ وما حوله والجولان المحتلة، بحيث تكون أرضاً بلا سكان يسيطر عليها الكيان الصهيوني، لتشكل خط دفاع متقدم لحماية الكيان الغاصب.

وأضاف : "العدو يريد إقامة سواتر ترابية في المناطق العازلة لمنع صواريخ الدفاع الأرضي من استهداف دباباته ومدرعاته ومواقع الاستيطان في جنوب لبنان وسوريا وغلاف غزة".

وعن غزة، أشار إلى أنه يكفي الغزاويين فخراً أنهم صمدوا وثبتوا ولم يستسلموا، وأن المقاومة هناك لا تزال متمسكة بسلاحها، معتبراً أنه من الظلم مطالبتهم وحدَهم بإسقاط المنطقة العازلة. أما في سوريا فيقول: "بكل أسف، السلطة الجديدة التي انبثقت عن مرحلة ما بعد إسقاط النظام وقعت في الحضن الأمريكي برعاية سعودية تركية فرنسية، وأقصى ما فعلته أنها لم توقع بعد (على اتفاقات)، لكنها قطعت خط إمداد المقاومة وتجاهلت الجولان، وطلبت مجرد حفظ ماء وجهها ولم تحصل عليه".

وأكد أن العبء الأكبر يقع على عاتق لبنان، حيث أخذت المقاومة اللبنانية على عاتقها إسقاط معادلة المناطق العازلة؛ فالتاريخ يثبت أن الكيان الإسرائيلي عندما يضع نموذجاً ويُكسر في حلقة واحدة، فإنه يسقط في باقي الحلقات. مشيراً إلى ادعاء العدو سابقاً بأنه لن يعود إلى الأراضي المحتلة عام 1967م، كما فعل مع مصر (في سيناء) لكنه احتفظ بغزة، ومع الأردن لكنه احتفظ بالضفة الغربية والقدس، وفعل ذلك مع سوريا؛ ولذلك لم يصل العدو إلى سلام مع النظام السابق.

وأوضح قنديل أن كيان العدو الصهيوني يريد من نموذج المناطق العازلة أن يكون نموذجاً عاماً، لكنه إذا اختُرق من لبنان فلا قيمة له في سوريا وغزة؛ لأن المستوطنات الواقعة في محيط غزة تشبه تلك الموجودة في جنوب لبنان، ولأن التهديد الأقصى والأشد قوة للعدو هو الآتي من لبنان، مؤكداً أن قوة المقاومة التي تملك "البأس الأعلى" موجودة في لبنان.

ووفقاً لتقييم الاجتماع الأخير لما يسمى بـ "المجلس الوزاري المصغر" (الكابينت) الذي ترأسه نتنياهو، يقول قنديل: "إن عليه تخفيض العديد في المنطقة الصفراء؛ لأن الجنود والضباط هناك أمام المقاومة كأنهم 'حقل بط' أمام صيادي حزب الله، خاصة مع استخدام الصواريخ المضادة للدروع والمحلّقات الانقضاضية المصنعة من الألياف الزجاجية، والتي لا تعمل بالإشارات اللاسلكية بل بالألياف الضوئية، فلا تراها الرادارات ولا يمكن التقاطها، ولا يشعرون بها إلا وقد سقطت على الآليات والجنود وتجمعاتهم وطائرات الهليكوبتر".


ولفت إلى أن هذا ما يحدث فعلياً خلال الأيام الماضية بشكل شبه يومي، حيث يحقق ما بين 40 إلى 50 إصابة في صفوف العدو وفقاً لبياناته، وحوالي 100 إصابة وفق بيانات المقاومة اللبنانية. وأكد أن جيش الكيان الغاصب لم يعد يحتمل مواجهة حرب في هذه الظروف، ورغم قيامه بغارات يقتل ويدمر فيها، إلا أن هذا لا يربحه الحرب؛ لأن ما يربح الحروب هو الثبات في الجغرافيا.

وتساءل قنديل: "هل يستطيع جيش الكيان المؤقت الثبات في الجغرافيا التي أسماها بالمناطق العازلة؟". مشيراً إلى أن المقاومة في آخر بياناتها قالت إن "يوم التحرير بات قريباً"، وأنها أخذت على عاتقها طرد المحتل كما طردته عام 2000م، وأن الاستشهاديين الآن هم "الضلع الثالث" للمعادلة التي ترسمها المحلقات الانقضاضية والصواريخ المضادة للدروع المطورة.

وشدد على أن هذه الأسلحة هي "صناعة المقاومة" في مصانعها رغم كل الضغوط والحصار، منوهاً إلى أن المقاومة لن تلتفت ولن تسمع لما يجري في أروقة "أهل الحكم"، فهي من تصنع تاريخ لبنان الجديد، وبعدها سيتحدد ما سيجري في الداخل اللبناني. وأكد ختاماً أن المشهد في جنوب لبنان هو الذي سيرسم المشهد في غزة وسوريا؛ فعندما تسقط المناطق العازلة والمناطق الصفراء في لبنان، ستسقط في كل مكان.

العميد شمسان: اجتثاث الهيمنة من البحر الأحمر إلى هرمز يرسم نهاية النفوذ الأمريكي عالمياً
المسيرة نت | خاص: في تحول استراتيجي غير مسبوق، تبدو الولايات المتحدة أمام واحدة من أكثر لحظات التراجع حساسية في تاريخ هيمنتها البحرية، بعد أن تحولت الممرات التي طالما اعتبرتها واشنطن ساحات نفوذ مطلق إلى نقاط استنزاف واشتباك مفتوحة تكشف حدود القوة الأمريكية وعجزها عن فرض معادلاتها السابقة.
سياسيون للمسيرة: البحرين تدخل مرحلة "الإبادة الديمغرافية" واستهداف الهوية خدمةً للمشروع الصهيوأمريكي
المسيرة نت | خاص: تعيش البحرين على وقع قمع سياسي وأمني متسارع يمارسه النظام الخليفي، مما يعيد إلى الواجهة حقيقة عكوف أمريكا وكيان العدو على دفع الأنظمة التابعة نحو التدجين وإسكات أصوات التحرر والوقوف في وجه الأصوات الداعية لمواجهة الاستكبار الصهيوأمريكي، بالتزامن مع تنامي المخاوف من اتساع دائرة الاستهداف على خلفيات مذهبية وسياسية، وذلك بعد أن قامت سلطات نظام آل خليفة بسحب جنسيات عدد من الأشخاص بسبب مواقفهم المناهضة للأعداء.
خبراء يعتبرونها "انتحاراً اقتصادياً".. مغامرات ترامب تُسقط هيمنة واشنطن المالية وتُكبّدها أزمات مركّبة
المسيرة نت | خاص: في الوقت الذي كانت الإدارة الأمريكية تراهن فيه على توظيف الحرب والضغوط العسكرية لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، جاءت التطورات المتسارعة في مضيق هرمز لتكشف حجم الهشاشة التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي، بعدما تحولت تداعيات المواجهة إلى ارتدادات عميقة أصابت الأسواق والمؤسسات المالية وسلاسل الإمداد وحالة الثقة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
الأخبار العاجلة
  • 01:32
    مصادر فلسطينية: قوات العدو تقتحم بلدة سعير شمال الخليل ومخيم بلاطة شرق نابلس وتعتقل عددًا من الشبان خلال عمليات دهم للمنازل
  • 01:32
    مصادر فلسطينية: شهيد ومصابون جراء استهداف مسيرة للعدو الإسرائيلي مجموعة من المواطنين في مخيم المغازي وسط قطاع غزة
  • 01:21
    مصادر فلسطينية: مصابون في قصف من مسيرة للعدو الإسرائيلي قرب دوار مكي في مخيم المغازي وسط قطاع غزة
  • 01:04
    وزارة الصحة اللبنانية: شهيد و13 جريحاً من بينهم 6 أطفال وسيدتان في العداون الإسرائيلي على بلدة بدياس قضاء صور
  • 00:39
    مصادر فلسطينية: قوات العدو تقتحم عدة بلدات في الضفة الغربية، شملت تقوع جنوب شرق بيت لحم، الظاهرية جنوب الخليل، وعتيل شمال مدينة طولكرم
  • 00:23
    هيئة البث الصهيونية عن مسؤول في جيش العدو: نواصل البحث عن أي وسائل للتعامل مع مسيّرات حزب الله في جنوب لبنان