استقالة جو كينت من مكافحة الإرهاب الأمريكي.. صدع في الأمن القومي أم اعتراض وجداني؟
آخر تحديث 24-03-2026 17:44

المسيرة نت| د. محمد رضا صادقي*: في تطور غير مسبوق في تاريخ الأمن القومي للولايات المتحدة، قدم جو كينت، رئيس المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب (NCTC)، استقالته من منصبه في 17 مارس 2026.

وأعلن كينت في بيان صريح نشره على حسابه الرسمي في منصة التواصل الاجتماعي "إكس" أن الحرب الأخيرة التي شنتها أمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران كانت سبب هذا القرار.

 وأكد كينت أن "إيران لم تشكل أي تهديد وشيك لبلدنا"، قائلاً بصراحة: "من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب تحت ضغط إسرائيل ولوبيها القوي في أمريكا".

و تأتي هذه الاستقالة في وقت قال فيه مسؤولون سابقون في البنتاغون إن التغييرات رفيعة المستوى في وزارة الدفاع خلال فترة انتقال السلطة "تعرّض البلاد لتهديدات فريدة من نوعها"، والآن امتد هذا القلق ليشمل أهم مؤسسة لمكافحة الإرهاب في أمريكا.

 خلفية عن جو كينت 

و جو كينت، البالغ من العمر 45 عامًا، وهو جندي مخضرم قضى 20 عامًا في قوات النخبة بالجيش الأمريكي (القبعات الخضر) وشارك في 11 مهمة قتالية في العراق وأفغانستان، و بعد تقاعده من الجيش، عمل كضابط حرب عصابات في وكالة المخابرات المركزية (CIA) وترشح كينت للكونغرس مرتين خلال حملتي 2022 و2024 الانتخابيتين، لكنه لم يحقق النجاح، و ما يضفي وزناً أخلاقياً مضاعفاً على استقالته هو مصير زوجته شانون كينت، فنية فك الشفرات في البحرية الأمريكية، والتي قُتلت في يناير 2019 خلال هجوم انتحاري لتنظيم داعش في منبج بسوريا.

وكتب كينت في رسالته إلى ترامب: "بصفتي جندياً مخضرماً شاركت في 11 مهمة قتالية، وكزوج لبطلة قتيلة فقدت زوجتي الحبيبة شانون في حرب صنعتها "إسرائيل"، لا أستطيع دعم إرسال الجيل التالي للقتال والموت في حرب لا تعود بأي نفع على الشعب الأمريكي.

أسباب الاستقالة: صراع الضمير مع السياسة الرسمية 

ويجب تحليل استقالة جو كينت على عدة مستويات:

أولاً، المستوى الفردي والوجداني: تصريحاته تشير إلى وجود هوة عميقة بين ما يعرفه المسؤولون الأمنيون الأمريكيون خلف الكواليس وما يقدم للرأي العام، فعبارة "لا أستطيع بضمير مرتاح دعم الحرب على إيران" تظهر أن حتى في أعلى المستويات الأمنية الأمريكية، فشلت محاولات التبرير والإقناع لهذه الحرب.

 ويصف جاويد علي، المدير السابق لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي خلال عهد ترامب، هذه الاستقالة بأنها "شبه غير مسبوقة"، مؤكداً "إنه يستقيل بناءً على المبادئ، وليس لأنه أجبر على ترك العمل.

ثانياً، المستوى المهني: بصفته الشخص المسؤول عن تقييم التهديدات الإرهابية ضد أمريكا، فإن تأكيده على "عدم وجود تهديد وشيك" من جانب إيران يضع مصداقية السيناريوهات الأمنية المقدمة لتبرير الحرب موضع شك، حيث حذر كينت في رسالته من أنه تم خلق "غرفة صدى" لخداع ترامب وجعله يعتقد أن إيران تمثل تهديداً وشيكاً وأن هناك طريقاً لتحقيق نصر سريع: "كانت هذه كذبة، وهي نفس التكتيك الذي استخدمه "الإسرائيليون" لجرنا إلى حرب العراق الكارثية.

الأبعاد التحليلية للاستقالة

١. البعد الأخلاقي والمهني: أزمة شرعية داخل المؤسسات الأمنية، فاستقالة مسؤول رفيع المستوى في مكافحة الإرهاب، هي علامة على صدع جيلي وقيمي داخل هيكل الأمن القومي الأمريكي، و هذا الحدث يذكرنا بموجة الاستقالات في عام ٢٠٢٠ بعد إقالة ترامب لمارك إسبر، وزير الدفاع آنذاك، حيث تنحى عدد من كبار مسؤولي البنتاغون عن مناصبهم احتجاجاً على الإجراءات غير المهنية.

و في ذلك الوقت أيضاً، حذر خبراء من أن "تغيير قادة الأمن القومي خلال الفترة الانتقالية يجعل الأعداء أكثر جرأة ويعرض البلاد لخطر أكبر.

وأشار كينت في رسالته بصراحة إلى هذه الأزمة الشرعية: "حتى يونيو ٢٠٢٥، كنتم تدركون أن حروب "الشرق الأوسط" هي فخ يسرق أرواح أحبائنا الوطنيين ويستنزف ثروة ورفاهية أمتنا.

٢. البعد السياسي: الانقسام بين تيارات النخبة الأمنية: حيث تظهر هذه الاستقالة خلافاً استراتيجياً عميقاً بين تيارين داخل الحكم في أمريكا:

التيار المحافظ المتشدد للحرب الذي يدعو إلى المواجهة المباشرة مع إنسان والاندماج الكامل مع استراتيجيات الكيان الصهيوني،  فرد فعل ترامب الحاد على هذه الاستقالة، حيث وصف كينت بأنه "شخص ضعيف جداً في الأمور الأمنية"، يشير إلى انتماء ترامب لهذا التيار، التيار الواقعي والمهني الذي يؤمن بالتقييم المستقل للتهديدات وتجنب المغامرات العسكرية غير المجدية.

ومن المثير للاهتمام أن تولسي جابارد، مديرة الاستخبارات القومية الأمريكية والتي يعتبر كينت من المقربين لها، هي نفسها من أشد المنتقدين للتدخل العسكري، وتشير التقارير إلى أنها في الأشهر الأخيرة "تم استبعادها بشكل شبه كامل من النقاشات العملياتية الحساسة بشأن جبهة إيران".

 تصريحات كينت الصريحة حول أن "نحن من بدأنا الحرب" تتحدى في الواقع الرواية الرسمية للبيت الأبيض حول الطابع الدفاعي للحرب، فمارك وارنر، السيناتور الديمقراطي البارز في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، على الرغم من معارضته للعديد من مواقف كينت، إلا أنه وافقه الرأي في هذه النقطة: "في هذه النقطة، هو على حق: لم تكن هناك أي أدلة موثوقة على وجود تهديد وشيك من إيران يبرر الاندفاع نحو حرب أخرى في الشرق الأوسط.

٣. البعد العملي: من يقوم بتقييم التهديدات؟

أحد أهم أبعاد هذه الاستقالة هو التساؤل حول مصداقية واستقلالية مؤسسات تقييم التهديد، فالمركز الوطني لمكافحة الإرهاب مكلف بتقديم صورة دقيقة ومحايدة للتهديدات ضد أمريكا.

وعندما يعلن رئيس هذا المركز أنه لم يكن هناك تهديد ولكن الحرب بدأت، فهذا يعني أن عملية صنع القرار الأمني الأمريكي تعاني من تشويه معلوماتي أو فرض لآراء المسؤولين السياسيين على التقييمات المهنية.

ادعت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، رداً على هذه الاستقالة، أن ترامب كان بحوزته "أدلة قوية ومقنعة" على نية إيران مهاجمة أمريكا، ومع ذلك، فإن عدم تقديم هذه الأدلة واستقالة أعلى مسؤول عن تقييم التهديدات الإرهابية، يوسع الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع على الأرض.

٤. البعد الإعلامي والرأي العام: دور لوبي "إسرائيل"

أشار كينت في رسالته بصراحة إلى "كبار المسؤولين الإسرائيليين والأعضاء المؤثرين في وسائل الإعلام الأمريكية" الذين "شنوا حملة تضليل معلوماتي قوضت بشكل كامل منصة 'أمريكا أولاً' وغذت المشاعر المؤيدة للحرب على إيران".

 هذه التصريحات، رغم أنها واجهت فوراً اتهامات بـ "معاداة السامية" من قبل بعض وسائل الإعلام، إلا أنها تكشف حقيقة كانت تناقش سراً على مستوى النخبة من قبل: تأثير اللوبيات الأجنبية في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية.

 تضامن بيرني ساندرز مع كينت

في حين أن جو كينت يعتبر شخصاً سبق له التصويت لصالح بيرني ساندرز ولكنه تقارب لاحقاً مع التيار الجمهوري، إلا أن السيناتور ساندرز، بصفته أحد أشد المنتقدين للحرب، صرح علناً بتضامنه مع تقييم كينت.

وكتب ساندرز على منصة التواصل الاجتماعي "إكس": "جوزيف كينت، وهو مسؤول كبير في مكافحة الإرهاب بإدارة ترامب، استقال للتو. كينت وأنا لا نتفق في العديد من الأمور، لكنه على حق في هذه النقطة: 'إيران لم تشكل أي تهديد وشيك لبلدنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب تحت ضغط "إسرائيل" ولوبيها القوي في أمريكا'". ساندرز، الذي ظل يحذر لسنوات من تكرار خطأ فيتنام والعراق، وصف الحرب الحالية بأنها "غير قانونية، ومخطط لها مسبقاً، ومخالفة للدستور" وأكد أن "الشعب الأمريكي يتعرض للكذب مرة أخرى". وأشار إلى أعداد الضحايا التي بلغت حتى ١٧ مارس أكثر من ١٢٠٠ مدني إيراني و ١٣ عسكرياً أمريكياً، داعياً إلى وقف فوري للحرب وقطع مبيعات الأسلحة لإسرائيل.

                                                                                     الاستنتاج والسيناريوهات المحتملة

 يمكن تفسير استقالة جو كينت، رئيس المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، بأنها "تحذير وجداني" ينبع من داخل النظام الأمني لهذا البلد.

ويُظهر هذا الحدث أن الحرب الأخيرة على إيران تواجه حتى داخل هيكل السلطة الأمريكي شكوكاً جدية، ولا يمكنها التمتع بدعم كامل من المؤسسات الأمنية والمهنية، وأن مثل هذه الانقسامات يمكن أن تؤثر على المدى الطويل على فعالية التحالف الحربي وتضر بالتماسك الداخلي للجهاز الأمني الأمريكي.

 لقد أظهرت التجربة أنه عندما تبتعد المؤسسات الأمنية المهنية عن سياسات الحرب العدوانية، تزداد التكاليف البشرية والمالية والاستراتيجية للحرب على الطرف المعتدي.

و تحمل هذه الاستقالة أيضاً رسالة واضحة للرأي العام العالمي: حتى داخل حكومة أمريكا، هناك من يفضلون الصدق المهني والمسؤولية الأخلاقية على اتباع السياسات الرسمية،  فرد فعل ترامب الحاد واستبعاد كينت غير المسبوق من دائرة الموالين، يُظهر أن ثمن هذه الصراحة في النظام السياسي الأمريكي الحالي هو النبذ.

 ومع ذلك، أكد السيناتور وارنر، ممثلاً عن التيار الناقد، أن هذه الاستقالة "أثارت مخاوف عميقة بشأن تبرير الحرب".

في النهاية، يجب أن ننتظر ونرى ما إذا كانت هذه الاستقالة ستكون بداية لموجة أوسع من تنحي المسؤولين الأمنيين المحترفين، أم أنها ستُسجل كحالة استثنائية في تاريخ حروب أمريكا.

 ما هو مؤكد، أن السؤال الذي طرحه كينت في رسالة استقالته سيظل بلا إجابة: "هل يمكننا ألا نكرر هذا الخطأ مرة أخرى؟

* خبير ايراني في الشؤون الدولية


العلامة مفتاح يطلّع على الانضباط الوظيفي بوزارتي الخدمة المدنية والعدل ومؤسسة المياه بالأمانة ومكتب الرئاسة
المسيرة نت| صنعاء: تفقد القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء العلامة محمد مفتاح، مستوى الانضباط الوظيفي في وزارتي الخدمة المدنية والتطوير الإداري والعدل وحقوق الإنسان في أول يوم الدوام الرسمي عقب إجازة عيد الفطر المبارك 1447هـ.
ملحمة "القوزح": انكسار العدوّ عند أسوار النسق الأول وسط صدمة المُحلّقات الانقضاضية
المسيرة نت| خاص: تتجاوز معركة بلدة "القوزح" على الحدود اللبنانية الفلسطينية المحتلة، في يومها الـ 22 من العدوان الصهيوني الواسع على لبنان، سياق المناوشات الحدودية المعتادة، لتتحول إلى محطةٍ فارقة في صراع الإرادات واختبار القوة البرية.
انكفاء غربي عن دعم العدوان الأمريكي الصهيوني.. الردع الإيراني يعيد ترتيب خارطة المواقف الأوروبية
المسيرة نت | نوح جلّاس: أسهمت قوة الردع الإيرانية في إجبار عدد من الدول الأوروبية على التراجع عن مواقفها السابقة التي كانت تدعم العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية.
الأخبار العاجلة
  • 18:32
    المقاومة الإسلامية في العراق: نفذنا بالصواريخ والمسيّرات 23 عملية على قواعد للعدو بالعراق والمنطقة خلال الـ24 ساعة الماضية
  • 18:32
    مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي: استهداف قيادة الحشد الشعبي في الأنبار ومكتب الحشد بالموصل يعد اعتداءً على مؤسسات أمنية رسمية
  • 18:32
    مراسلتنا في العراق: عدوان صهيوأمريكي على منطقة بيجي بمحافظة صلاح الدين
  • 18:31
    حزب الله: استهدفنا قوة للعدو بعد رصدها داخل أحد المنازل في بلدة القوزح بصاروخ موجه وحققنا إصابة مباشرة
  • 18:31
    الصحة اللبنانية: شهيد عقب توغل قوة للعدو الإسرائيلي في بلدة حلتا جنوبي البلاد
  • 17:24
    حزب الله: استهدفنا بنى تحتيّة تتبع للعدو الإسرائيلي في مغتصبة "كرميئيل" بصلية صاروخيّة
الأكثر متابعة