انتحار جيوسياسي: كيف يقود التطبيع "أرض الصومال" إلى التفكك القبلي والحصار الإقليمي؟
آخر تحديث 14-06-2026 23:47

المسيرة نت | إبراهيم العنسي: في الوقت الذي تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي إعادة تشكيل للتحالفات الجيوسياسية، يستميت العدو الإسرائيلي في إشهار حضوره الأمني والدبلوماسي في هذه البقعة الاستراتيجية المطلة على مضيق باب المندب وخليج عدن. حيث يبدو أنه قد وجد فرصة سانحة للتغلغل واختراق الأمن القومي للمنطقة عبر هرجيسا، امتداداً لخطوط تحالفاته وبناء نفوذه عبر أديس أبابا وبعض العواصم الأفريقية الأخرى.

في هذا السياق، تأتي زيارة رئيس الإقليم الانفصالي إلى كيان العدو لتشكل استفزازاً صارخاً للشارع العربي والإسلامي على حد سواء؛ فهذا الرجل لا يتحرك في إطار زيارة بروتوكولية مجردة أو لتسجيل موقف سياسي عابر، بل يتوجه مدفوعاً ببراغماتية يائسة لافتتاح سفارة لإقليمه الانفصالي في قلب مدينة القدس المحتلة، عاصمة الإسلام الثالثة. هذه الخطوة التي يقودها رئيس هرجيسا (عبد الرحمن عرو) لا يمكن تصنيفها إلا كنوع من الانتحار السياسي؛ إذ تعكس جهلاً تاماً بديناميكيات الداخل الصومالي، وتصادماً مباشراً مع طبيعة المجتمع في إقليم صوماليلاند.

الوجدان الشعبي في مواجهة "صفقة هرجيسا"

في هذا المجتمع، لا تُصنف القضية الفلسطينية كملف سياسي خارجي خاضع للمناورات الدبلوماسية. فلسطين بالنسبة للصومال جزء لا يتجزأ من العقيدة والولاء الإسلامي. تاريخياً، ارتبط الوعي القومي الصومالي بمعاداة الاستعمار وحلفائه، وهذا جعل الشارع الصومالي ينظر إلى أي تقارب مع الكيان الإسرائيلي ليس مجرد "خيار سياسي خاطئ"، بل "خيانة".

عندما جرى الإعلان لأول مرة عن النوايا الحكومية للإقليم الانفصالي بالتقارب مع العدو الإسرائيلي، وتلا ذلك تسريبات مؤكدة عن زيارة وفود استخباراتية وأمنية صهيونية إلى العاصمة هرجيسا لبحث ترتيبات أمنية في خليج عدن، تلقى الشارع الصومالي الخبر بصدمة فجرت بركان غضب حاولت سلطات هرجيسا التكتم عليه والتعامل معه بعنف. ومع حساسية الحدث انتفض الشارع المحافظ فوراً وخرجت مظاهرات عفوية رُفعت الأعلام الفلسطينية في قلب هرجيسا وبورما عاصمة إقليم الغرب.

في المقابل شنّت أجهزة هرجيسا الأمنية حملة اعتقالات شرسة لإخماد الصوت الديني والشعبي؛ فشهد الإقليم اعتقال قامات دينية كبرى مثل الشيخ عبد اللطيف شيخ ألو والشيخ آدم سني، والسياسي محمد عبدي طيب، تزامناً مع تكميم أفواه الصحافة المستقلة واعتقال مراسلي شبكات إعلامية محلية كانت تغطي الأحداث في مدينتي هرجيسا وبورما، ووصل الأمر إلى فرض حظر صارم على الأئمة لمنع الدعاء لغزة أو فلسطين.

وقد بدأ هذا العام بمحاولة رئيس الإقليم انتزاع فتوى دينية بجواز التقارب مع كيان العدو. وقتها التقى بعلماء الدين في أرض الصومال من مختلف التيارات الإسلامية واستشارهم في الاتفاقية التي توصل إليها مع "إسرائيل"، وكان ردهم صارماً؛ أن ما يقوم به يتنافى مع الشريعة الإسلامية ويندرج ضمن المُحرم شرعًا، لكنه ضرب بالفتوى الشرعية عرض الحائط دون أن يدرك تبعاتها المستقبلية.

ارتدادات التطبيع.. تفكك خارطة القبيلة

خطوة (عرو) بزيارة الكيان الصهيوني للتوقيع على فتح سفارة لإقليم صوماليلاند غير المعترف به في القدس المحتلة، هي قفزة انتحارية للنخبة الحاكمة في الإقليم. فبينما السلطة في هرجيسا تعتقد واهمة أن تقديم "القدس الإسلامية" على طبق من ذهب للكيان هو "الثمن" للحصول على اعتراف دولي يكسر عزلتها الممتدة منذ ثلاثة عقود، إلا أن هذه الزيارة ستعزز في الوعي الجمعي الداخلي قطيعة بين خيارات النخبة السياسية وعقيدة العشائر والجماعات القبلية؛ حيث يتحول الغضب من مجرد احتجاجات شعبية إلى "أزمة شرعية" تضرب أساس وجود الكيان الانفصالي.

هذا التماهي مع الكيان أحدث ارتدادات جيوسياسية خطيرة داخل الخارطة القبلية للإقليم. ما حدث في الشرق كان درساً بليغاً؛ حيث انتفضت قبائل الدوْلباهانتي والورسنجلي ودخلت في مواجهات دامية لطرد قوات هرجيسا، وأسست "إدارة خاتمة" ضمن إقليم سول معلنة العودة لسيادة الصومال الكبير والحكومة الفيدرالية في مقديشو. هذه القبائل استغلت ملف التطبيع فوراً لتأكيد سرديتها بأن سلطة هرجيسا مستعدة للتحالف مع العدو الصهيوني وتفتيت الأمة مقابل وهم الانفصال، وهذا أكسب حراكها الوحدوي شرعية دينية وقومية كبرى.

وفي الغرب حيث قبائل القدبيرسي أو السمرون وقبائل العيسى المحافظة_ وفي ظل إقحام الكيان الإسرائيلي وجلب نفوذه إلى الموانئ الغربية هناك في زيلع ومحيطها وما يعني تحويل سواحلها إلى ساحة صراع دولي وإقليمي مع قوى البحر الأحمر واليمن_ فإن هذه القبائل تراقب المشهد بعين الحذر والتحفز حيث تميل في ظل التهميش السياسي الاقتصادي إلى محاكاة ما فعلته قبائل الشرق خاصة بعد خطوة "عرو" بالتطبيع التي تعطيها المبرر الأخلاقي والديني الكامل للانتفاض والانسلاخ عن هرجيسا.

والواقع يقول إن نجاح قبائل الشرق في العودة إلى مقديشو يمثّل اليوم نموذجًا قابلاً للتكرار في الغرب الصومالي؛ حيث يتصاعد الحراك السياسي والعشائري في بورما وزيلع للمطالبة بقطع الصلة مع سلطة هرجيسا "المطبعة"، والتوجه نحو الحكومة الفيدرالية في مقديشو لحفظ سيادة الأرض وحماية العقيدة، وهذا ما يهدد بمحاصرة مشروع الانفصال جغرافياً وقبلياً، وحصره في حدود النواة الصلبة لقبيلة إسحاق في الوسط فقط.

من "استراتيجية المحيط" إلى وساطة أبراهام

بالنسبة للسلطة الحاكمة لإقليم صوماليلاند الانفصالي، كان أول اتصال "رسمي" غير مباشر للعدو الإسرائيلي مع الإقليم عند استقلاله عن بريطانيا في 26 يونيو 1960، وقبل وحدته مع الصومال المتحرر من الاستعمار "الإيطالي". وبعد اندماج الشطرين الشمالي والجنوبي لـ "جمهورية الصومال"، تبنت الدولة الجديدة سياسة معادية للكيان الإسرائيلي وانضمت للجامعة العربية. ومع ذلك حافظ كيان العدو على قنوات اتصال سرية مع "صوماليلاند" وبعض نخبه، ضمن ما عرف بـ "استراتيجية المحيط" التي تبناها المجرم الإسرائيلي "ديفيد بن غوريون"، والتي هدفت لبناء تحالفات مع الدول والجماعات غير العربية في محيط الشرق الأوسط مثل إثيوبيا وكردستان وجنوب السودان.

في العام 2010 صرح المتحدث باسم خارجية العدو الإسرائيلي آنذاك أن الكيان مستعد للاعتراف بأرض الصومال "مرة أخرى"، لكنه لا يريد أن يكون أول من يفعل ذلك تجنبًا للصدام مع الاتحاد الأفريقي. وفي نفس العام خرج وزير خارجية صوماليلاند آنذاك (إيدل كايه) بتصريح للصحيفة العبرية "هآرتس" قال فيه بأن بلاده ليس لديها مشكلة في الاعتراف بكيان الاحتلال، وأنهم مستعدون لتطوير علاقات قوية معه.

بعد توقيع ما عُرف بـ"اتفاقيات أبراهام" الصهيونية عام 2020، لعبت الإمارات دور "الجسر" أو الوسيط المقرب بين الكيان وحكومة هرجيسا. وبما أن الإمارات تمتلك استثمارات ضخمة في ميناء "بربرة"، فقد سهلت قنوات تواصل أكثر مباشرة بين مسؤولي العدو الإسرائيلي وصوماليلاند ضمن محاولات دمج المنطقة في المنظومة الأمنية الصهيو-أمريكية.

حتمية الفشل ومحور "مقديشو" المناهض

لكن هذا التحرك الصهيوني والمجاهرة بالعلاقة من حكومة أرض الصومال مع عدو الأمة اللدود، غير كافٍ كي تفكر هرجيسا بحصد ثمار "الخيانة" بالنظر إلى البيئة المحيطة بالإقليم الصومالي الانفصالي، فالدولة الأم لن تسمح بتطور هذه العلاقات الذي تفرض في الأساس تداعياتها السلبية على استقرار القرن الأفريقي الذي عاش حربا طويلة ومضنية. والمعلوم أنه حيث يتواجد العدو الإسرائيلي تحل الفوضى والخراب، مع إدراك أن تواجده في هذه الجغرافيا هدفه عسكري بحت. والحكومة الفيدرالية في مقديشو، تعتبر وجود هذا العدو في "أرض الصومال" اعتداءً مباشراً على سيادتها.

لقد شهدت مقديشو ومدن صومالية أخرى مثل مدينة جالكعيو وبلد وين، موجات من الاحتجاجات الغاضبة منذ الاعتراف الصهيوني باستقلال الإقليم، حيث يرفض الشارع الصومالي "التطبيع" أو تواجد كيان العدو الذي استباح غزة وفلسطين والمنطقة العربية.

ويمكن القول إن سلطات هذا الإقليم تحاول استغلال أوضاع المنطقة اليوم، ضاربة عرض الحائط باعتبارات تحالفها مع عدو الأمة التاريخي، خاصة أن هذا يحدث في مرحلة مفصلية في مواجهة العدو الإسرائيلي والأمريكي، حيث ترى "هرجيسا" حاجة العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة إلى "نقطة مراقبة وانطلاق" ثابتة وقريبة جداً من السواحل اليمنية. وميناء "بربرة" يوفر هذا الموقع المثالي. وهذا يعني إنشاء محور "بربرة" الصهيو أمريكي مقابل "محور مقديشو" المناهض.

وضمن محور "مقديشو" ترى دول كمصر وتركيا واليمن والسعودية في التواجد الصهيوني خطرًا على هذه الجغرافية الاستراتيجية. والواقع أن هذه الدول، رغم اختلاف أجنداتها، تلتقي عند نقطة "رفض تقسيم الصومال" ورفض أي دور صهيو أمريكي في هذه الجغرافية الحساسة. فمقديشو ما تزال تعطي الإقليم الانفصالي هامش تحرك سياسي اقتصادي، لكنها في لحظةٍ وبشكل رسمي قانوني وسيادي ستكون قادرة على حصار هرجيسا وأجوائها واقتصادها بحكم سيادتها الدولية على إقليم غير معترف به. 

حسابات القوى.. خطوط حمراء ونيران مباشرة

ومصر التي ترتبط مع الصومال بعلاقات عسكرية متقدمة تعتبر أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي امتداداً لأمنها القومي بما فيه أمن "قناة السويس". والتحرك المصري الأخير كان حاسماً عبر توقيع اتفاقية دفاعية مع "مقديشو" وإرسال مساعدات عسكرية، وكان هذا بمثابة رسالة مباشرة بأن أي عبث بسيادة الصومال أو تموضع إسرائيلي-إثيوبي هناك سيواجه برد مصري.

أما تركيا التي تمتلك أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في مقديشو "قاعدة تركصوم"، فهي تتواجد بشكل كبير في الصومال من خلال تدريبها للقوات الخاصة التابعة للحكومة الفيدرالية، وقيامها اليوم بالتنقيب عن النفط في السواحل الصومالية، يعني تأمين وجودها في مواجهة السعي الصهيوني للتمدد شمال غرب الصومال. وأنقرة بهذا الحضور قد تلعب دور "الضامن" لوحدة الصومال حيث تستثمر في الموانئ والمطارات الصومالية، وهي لن تسمح بخسارة نفوذها لصالح "محور بربرة".

وبالنسبة لليمن، فسيكون تأثيرها مباشرًا في ضرب استقرار الإقليم المتماهي مع كيان العدو، حيث وضعت صنعاء خطوطاً حمراء واضحة حيال أي تموضع للعدو الإسرائيلي قبالة السواحل اليمنية، فأي تواجد عسكري أو أمني للعدو في أرض الصومال سيكون هدفاً عسكرياً مباشراً للقوات المسلحة اليمنية، وترسانتها الصاروخية وسلاح الجو المسير التي أثبتت تأثيرها الملفت في معركة إسناد غزة على نحو خاص.

وفي الخليج تجد السعودية نفسها أمام تحدٍ كبير فتجارتها النفطية التي تعتمد على موانئ البحر الأحمر "ينبع" لتصدير النفط، وهي مع نشاطها مع المحور الصهيو أمريكي، تخشى كثيرا من التحرك الصهيو إماراتي تحديدا والذي سيستهدف مصالحها وأمنها القومي في البحر الأحمر، إذا ما فرض العدو الإسرائيلي تأثيرا على مضيق باب المندب عبر سواحل أرض الصومال. وهي تخشى من أن يؤدي التدويل المفرط للقرن الأفريقي إلى جلب صراعات كبرى لمحيطها المباشر.

الخارجية تُدين زيارة رئيس "أرض الصومال" للكيان الصهيوني وتؤكد وقوفها مع الصومال الفيدرالية
المسيرة نت| متابعات: أدانت وزارة الخارجية والمغتربين زيارة رئيس إقليم ما يسمى "أرض الصومال" الانفصالي لكيان العدو الصهيوني، مؤكدة أن مصافحة مجرمي الحرب الصهاينة تمثل عاراً لن يمحوه التاريخ، وطعنة غادرة في ظهر الأمة وقضيتها المركزية.
طهران تلوّح بضربة قادمة على العدو الصهيوني رداً على قصف بيروت
المسيرة نت | متابعة خاصة: لوّحت الجمهورية الإسلامية في إيران بعملية عسكرية قادمة ضد العدو الصهيوني، وذلك رداً على جريمة قصف العاصمة اللبنانية بيروت ما أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء والجرحى.
التوصل لتفاهم إيراني أمريكي بكامل شروط طهران وآبادي يؤكد: القوة العسكرية صاغت المذكرة النهائية
المسيرة نت | متابعة خاصة: أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني غريب آبادي عن "الانتهاء من نص مذكرة تفاهم إسلام آباد"، موضحاً أنه "سيجري توقيعها يوم الجمعة في جنيف".
الأخبار العاجلة
  • 02:03
    المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: تعرب الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تقديرها لجهود جمهورية باكستان الإسلامية ودولة قطر
  • 02:02
    المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: سيتم التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم يوم الجمعة المقبل
  • 02:02
    المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: اعتبارًا من هذه الليلة يُرفع الحصار البحري المفروض على إيران فورًا وبشكل كامل
  • 02:01
    المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: اعتبارًا من هذه الليلة تم إنهاء الحرب والعمليات العسكرية بشكل فوري ودائم في جميع الجبهات بما في ذلك لبنان
  • 01:59
    المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: أنهينا نص مذكرة التفاهم الخاصة بمفاوضات إنهاء الحرب
  • 01:29
    قيادة مقر خاتم الأنبياء: شعبنا وقواته المسلحة وجبهة المقاومة فرضت بفضل الله على الأعداء الأمريكيين والصهاينة الأذلاء القبول بالهزيمة والاستسلام
الأكثر متابعة