معركة "قلعة الشقيف" وصمود الميدان: المقاومة اللبنانية في مواجهة حرب صهيونية وحرب داخلية
المسيرة نت | خاص: تواجه المقاومة الإسلامية في لبنان حربًّا مركبةً تُدار على جبهتين متلازمتين: جبهة الميدان الجنوبي حيث السعي لكسر جبروت العدو الإسرائيلي وضرب عقيدته في الحرب الخاطفة، وجبهة السياسة الداخلية اللبنانية حيث يسعى "الخصم اللبناني" بعد أن تحول إلى عدوٍّ داخليٍّ لاستثمار واقع المعركة وتقديم أوراق اعتمادٍ مجانيةٍ للمشروع الصهيوأمريكي.
عسكريًّا، يقدم المشهد في "قلعة الشقيف" جنوب لبنان، نموذجًّا صارخًّا لـ "بروباغندا الصورة" التي يعيش عليها كيان الاحتلال؛ فتمكُّن جنود مشاةٍ من "لواء غولاني" لجيش الاحتلال من الوصول إلى محيط القلعة عبر الالتفاف من ثغرة "دير ميماس" غير المحصنة، لا يعني بأي حالٍ من الأحوال سيطرةً عسكريةً ثابتةً للعدو، في ظل بقاء آلياته محاصَرةً في محيط "يحمر شقيف"، تحت رحمة ضربات المقاومة، وعجزه عن سحبها خوفًّا من استهدافها.
وللأهمية فإن خطة جيش الاحتلال للوصول إلى قلعة الشقيف كانت مجهزةً منذ عام 2024، إلا أنه عجز عن بلوغ محيط هذه القلعة إلا بعد أربعة أشهرٍ من القتال الشرس، مستغلاً ثغرةً جغرافيةً في بلدة "دير ميماس" ذات الطابع الديمغرافي المسيحي، والتي لم تكن المقاومة تتواجد فيها عسكريًّا.
والحقيقة المزعجة للعدو أن استمرار نخبة الجيش المدرعة في خوض مناوراتٍ حذرةٍ بين صعودٍ ونزولٍ لعدة أشهرٍ في قرى الحافة الأمامية بجنوب لبنان هو إعلانٌ رسميٌ عن موت "الحرب الخاطفة"، وتحول المعركة إلى حرب استنزافٍ بطيئةٍ ومكلفةٍ تتناقض كليًّا مع العقيدة العسكرية التاريخية لكيان العدو والقائمة على القتال في أرض العدو وتحقيق نصرٍ حاسمٍ وسريعٍ بأقل خسائر بشرية.
ولا يمكن قراءة المشهد العسكري الراهن في جنوب لبنان بمعزلٍ عن القواعد الحاكمة لحرب الجيل الخامس، والتي تتداخل فيها الجغرافيا الديمغرافية مع الأبعاد النفسية للاستراتيجيات القتالية. وفي هذا السياق، يقدّم الخبير العسكري العميد عمر معربوني، في حديثه على قناة "المسيرة"، قراءةً موضوعيةً تفكك أوهام سيطرة جيش الاحتلال، فيشير إلى أهمية التركيز على حجم التهويل والتضليل الذي واكب العمليات العسكرية، خصوصًّا من مواقع وفضائيات عربية "متصهينة"؛ حيث يرى أن ترويج هذه المنصات لسيناريوهاتٍ سوداويةٍ حول سقوطٍ حتميٍّ لمدنٍ لبنانيةٍ كالنبطية وصيدا كان جزءًّا أساسيًّا من معركة "إدارة الإدراك"، وهي معركة إعلامية نفسية تهدف إلى انتزاع نصرٍ معنويٍّ عجز العدو عن تحقيقه بالنار.
ميدانيًّا، يدحض معربوني السردية القائلة بأن انكفاء المقاومة العلني من بعض نقاط جنوب الليطاني قد أضعف قدراتها، مؤكدًّا أن المقاومة "تنعم في ملعبها" من حيث المبدأ. ويشرح هذا التحول الاستراتيجي حيث تقاتل المقاومة بنمط الإيقاعات القتالية، وبما يُسمى "القوة المتقدمة من حرب العصابات". هذا النمط الدفاعي الحديث لا يتحرك عشوائيًّا، بل يرتكز على مثلث قوةٍ صلبٍ حدده العميد معربوني بـ "المقاتل الخبير، والأسلحة النوعية التي أُضيفت لساحة المعركة"، بالإضافة إلى مرونة الحركة الجغرافية.
ورغم التوغل الصهيوني الأخير، يطمئن الخبير العسكري أنه "ليس هناك ما يخيف في ناتج العمليات وحتى في البعد الاستراتيجي"، ويوضح أن المُسَيَّرة الاستراتيجية اليوم لا تدمر دبابةً فحسب، بل تضرب نمط العقيدة الإسرائيلية القائمة على المعركة السريعة والحركة الخاطفة، وهو ما حوّل التخبط الصهيوني والمراوحة في رقعةٍ ضيقةٍ لمدة شهرٍ كاملٍ إلى سلاحٍ ارتد على معنويات الغزاة، مخلفًّا شعورًّا بالرعب والخوف لدى قادة المدرعات الصهيونية الذين صُدموا رغم أن جيشهم يمتلك قدراتٍ هائلةً في الحركة لكنه يراوح مكانه لشهرٍ كاملٍ، مما يثبت أن المقاومة أعدت العدة جيدًّا لهذا القتال الاستنزافي. وهو ما يترجمه الواقع العملي والمستمر لضربات المقاومة الإسلامية؛ عبر استهداف منزلٍ، مساء اليوم، تموضعت فيه قوةٌ للعدو بمحيط قلعة الشقيف بمحلّقةٍ انقضاضيةٍ، بالتوازي مع استهداف رادارٍ صهيونيٍّ مخصصٍ للتشويش على المسيّرات في المحيط ذاته، فضلاً عن تدمير آليةٍ عسكريةٍ وسط تجمعٍ للجنود في بلدة دبين بصاروخٍ موجَّهٍ وتحقيق إصاباتٍ مؤكدةٍ في كافة تلك العمليات، ما يقطع الشك باليقين حول عجز العدو عن التثبيت أو حماية تحصيناته الفوقية والتكنولوجية.
جبهة الداخل.. كواليس السلطة والأدوات الأمريكية
وضمن هذه الحرب المركبة، يرى المحلل السياسي فراس فرحات أن المقاومة تواجه بالتوازي حربًّا لا تقل خطورةً في كواليس السلطة الحاكمة في لبنان، يقودها خصم سياسي تحول بفعل سلوكه إلى "عدوٍّ داخليٍّ" يشن حربًّا متعددة الأبعاد للنيل من إنجازات الميدان، محاولاً فرض واقعٍ سياسيٍّ عجز العدو عن فرضه بالنار. ويؤكد فرحات أن هناك أطرافًّا في الداخل اللبناني تسعى جاهدةً لانتزاع الملف اللبناني بالكامل وتجريد لبنان من أوراق قوته، لتسليم القرار السياسي إلى واشنطن والعدو الإسرائيلي عبر اتفاقياتٍ مذلةٍ تُصاغ خلف الكواليس لتغطية التمدد الصهيوني جنوبًّا ومنحه مكاسب مجانية.
ويرى فرحات أن بعض القوى الممسكة بمفاصل السلطة تقع في فخ التطبيع غير المباشر مع المطالب الإسرائيلية، حيث يترجم هذا السلوك السياسي اندفاعة آلة القتل الصهيونية والغطاء الأمريكي لها على أنها "أمر واقع" يجب الخضوع له، وبذلك يقدم هؤلاء المسؤولون في رئاسة لبنان وحكومتها "شرعيةً سياسيةً للتوغلات الصهيونية"، ويتبنون سردية العدو الواهية التي يُسقطها عجز الاحتلال عن التثبيت في الأرض.
والمعضلة الكبيرة، كما يشير فرحات، هي تعمد إخراج المقاومة من مسألة المشاورات السياسية، حيث توجد إدارة وأدوات تُدار اليوم من السفارة الأمريكية عبر الحكومة اللبنانية، أخذت على عاتقها محاولة السيطرة على الواقع السياسي تحت مظلة خياراتٍ انهزاميةٍ يعتبرها فرحات "سخافاتٍ" مثل الاستسلام الطوعي لإدارة ترامب و"مشروع السلام مع العدو".
ولم يكتفِ الخصم الداخلي بالتحريض الإعلامي، بل يحارب المقاومة باستخدام أدوات الدولة وتسطير أحكامٍ جائرةٍ بحقها وبحق بيئتها، وبصياغة نصوصٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ مشبوهةٍ تهدف إلى تجريم تضحياتها، مما يجعل هذا السلوك "الطعنة الأقسى" في وقتٍ تُترك فيه المقاومة تقاتل بمفردها.
وفي مواجهة هذا السقوط الداخلي، تبرز أهمية التمسك بالورقة الإيرانية على طاولة المفاوضات؛ حيث تصر طهران على ربط أي حلٍّ بإنهاء المعركة على كامل الجبهات كحزمةٍ واحدةٍ، وهو الموقف الاستراتيجي الذي يحبط مساعي السلطة اللبنانية لـ "فصل الجبهات"، والذي يمثل في الأصل "مطلبًا إسرائيليًّا بحتًا" يراهن عليه الاحتلال ويسوق له أدواته في الحكومة، مما يفرض حتمية استثمار انتصارات الميدان لقطع الطريق على مشروع الاستسلام.
ويتفق طرح النائب اللبناني علي فياض مع قراءة فرحات السياسية؛ ليؤكد تفاهة وفشل الرهان على المسار التفاوضي الأمني المباشر الذي زجّت السلطة بالجيش اللبناني فيه دون تحقيق أدنى المطالب اللبنانية وعلى رأسها الوقف الشامل لإطلاق النار. ويرى فياض أن استمرار الاستجداء السياسي تحت سوط الإبادة التدميرية والمجازر الصهيونية بحق المدنيين لا يعدو كونه غطاءً غير مباشر للممارسات الإسرائيلية العدوانية. وينظر إلى أنه بموازاة سقوط خيارات التنازل والرضوخ، تبرز الحاجة الملحة لتغيير هذا السلوك الانهزامي لإنتاج استراتيجية مواجهة بديلة تلمّ شمل اللبنانيين حول خيار وطني جامع قادر على مجابهة التوحش الصهيوني الذي لم يعد يستهدف جغرافيا أو ديمغرافيا بعينها، بل يستهدف ضرب وتصفية الكيانية اللبنانية برمتها.
حصاد الميدان.. وتدويل العدوان الصهيوني
إن الصمود الأسطوري للمقاومة على جبهة الحافة الأمامية وإفشالها لخطط التثبيت العسكري، لم يقتصر أثره على إحباط مناورات الداخل اللبناني فحسب، بل بدأت شظاياه تتطاير لتصيب العمق الدبلوماسي لداعمي الكيان وحلفائه الدوليين.
ففي موقفٍ سياسيٍّ بارزٍ يعكس حجم المأزق الذي يعيشه جيش الاحتلال العاجز عن حسم المعركة، جاء التحرك الفرنسي الأخير ليثبت أن استراتيجية الاستنزاف التي تمارسها المقاومة قد آتت أكلها؛ حيث فرضت المجريات الميدانية المتفجرة دفع وزير الخارجية الفرنسي إلى الدعوة العاجلة لانعقاد مجلس الأمن الدولي بهدف الضغط من أجل انسحاب العدو الإسرائيلي الفوري والكامل من الأراضي اللبنانية.
ويتسع هذا المأزق الميداني ليفرز تداعياتٍ سياسيةً حادةً تعكس تنامي التخوف الأوروبي الجدي من أن استمرار همجية المجرم نتنياهو وإصراره على المضي قدماً في الحرب على لبنان، سيقودان حتمًّا إلى حربٍ إقليميةٍ شاملةٍ وفوضى عالميةٍ لا يمكن السيطرة عليها، خاصةً في ظل إصرار طهران واشتراطها الحاسم بربط جبهات المواجهة وعدم تمرير أي اتفاقٍ سياسيٍّ إلا بوقفٍ شاملٍ ومتزامنٍ للعدوان على لبنان وغزة معًّا كحزمةٍ واحدةٍ. هذا التخوف والمأزق التقط أبعاده السياسية زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون، عارضاً موقفاً منمق الكلمات يحمل في طياته أثراً عاطفياً بليغاً، حينما اعتبر المحاولات الإسرائيلية لغزو وضم كامل الجنوب واعتلاء نتنياهو لأسوار قلعة "بوفور" (الاسم الفرنسي التاريخي لقلعة الشقيف) بمثابة طعنةٍ للروابط الروحية والتاريخية الممتدة لألف عامٍ بين فرنسا ولبنان؛ حيث صاغ ميلانشون تضامنه الوجداني بعباراتٍ حركت الرأي العام واصفاً جنود الاحتلال بـ«الهمج الإباديين» الذين باتوا يشكلون بتهديداتهم المتغطرسة خطراً في نظر الفرنسيين، مطالباً بلاده بتبني خيار القوة عبر إرسال حاملة طائراتٍ إلى البحر المتوسط كرمزٍ رادعٍ لحماية الأصدقاء، وداعياً مجلس الأمن الدولي لإدانة هذا التوحش والتحرك الفوري لتنظيم انسحابٍ قسريٍّ لجيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية المغتصبة.
هذه الدعوة الفرنسية الرسمية في أروقة الأمم المتحدة تمثل دليلًّا قاطعًّا على أن المجتمع الدولي بات يدرك عقم الخيارات العسكرية الإسرائيلية في مستنقع الجنوب اللبناني، وأن استمرار آلة القتل الصهيونية دون أفقٍ للسيطرة بات يشكل عبئًّا سياسيًّا كبيرًّا لا يمكن تحمله؛ الأمر الذي يعزز من أوراق القوة بيد المقاومة ويؤكد حتمية استثمار الميدان لفرض السيادة الكاملة وإحباط كافة مشاريع الاستسلام الطوعي والمناورات السياسية الداخلية.
وزارة الخارجية تستنكر قرار مجلس الاتحاد الأوروبي بتوسيع العقوبات على حركتي حماس والجهاد الإسلامي
المسيرة نت| صنعاء: استهجنت وزارة الخارجية والمغتربين، قرار مجلس الاتحاد الأوروبي توسيع ما يسمى بالعقوبات المفروضة على حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
قوات النخبة الصهيونية في مصيدة حزب الله.. عمليات نوعية للمقاومة الإسلامية جنوب لبنان
المسيرة نت| خاص: تشتعل المعارك العسكرية في جنوب لبنان في ظل محاولات العدو الإسرائيلي المستميتة للتوغل والسيطرة على القرى والمناطق الحدودية.
إصابة 4 صهاينة بعملية دهس في بيت لحم.. الاحتلال يواصل القتل والاعتقالات في القدس وغزة
المسيرة نت | متابعات: أُصيب أربعة مغتصبون، مساء الأحد، في عملية دهس استهدفت تجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني المقام على أراضي المواطنين جنوب مدينة بيت لحم.
أحدث الأخبار
الأخبار العاجلة
-
22:55مصادر سورية: جيش الاحتلال يواصل تجريف الأراضي الزراعية المحيطة بتل عكاشة بريف القنيطرة الأوسط
-
22:53متحدث لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي: ليست لدينا أي التزامات في الملف النووي تجاه الطرف الأمريكي
-
14:18إعلام العدو: صفارات الإنذار تدوي في حانيتا بالجليل الغربي خشية اختراق طائرات مسيّرة.
-
14:18الوكالة الوطنية اللبنانية: تعرضت بلدة تفاحتا لغارة عنيفة من الطيران الحربي الصهيوني
-
14:02مصادر لبنانية: سلسلة غارات للعدو الصهيوني على بلدات الغسانية والبيسارية، وقاقعية الصنوبر
-
14:02المقاومة الإسلامية في لبنان: استهداف قوّة صهيونية عند الأطراف الشرقية لبلدة يحمر الشقيف بمحلّقة أبابيل الانقضاضيّة.
الأكثر متابعة