الحج.. ميثاق الوَحدة ومعراج الروح من مكة إلى الأقصى
آخر تحديث 18-04-2026 15:51

الحمد لله الذي جعل البيت مثابة للناس وأمنًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي علمنا أن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

إن الإنسان في هذا العصر، وسط ضجيج الماديات وصراع المصالح، يجد نفسه في عطش دائم لغذاء روحي ينتشله من اليأس والوحشة.

ومن أعظم أبواب هذا الغذاء فريضة الحج، التي ندخل ظلالها مع أواخر شهر شوال، مستعدين لرحلة لا تُطهر الأفراد فحسب، بل تعيد بناء كيان الأُمَّــة بأكمله.

فالمجتمع الإنساني بحاجة ماسة إلى قوة روحية ترفع النفوس إلى المثل العليا، وتحرّره من عبودية المادة والمصالح الشخصية التي إذَا استبدت بأهل الأرض أفسدتها وأهلكت الحرث والنسل.

فالإنسان حين تنقطع صلته بخالقه تسود وحشة قلبه فيسبح في ضلاله ويتبع هواه، وقد جعل الله من العبادة ما يكفر الذنوب لمن أقلع وأناب، ومن أعظمها حج البيت العتيق، خالصًا لله الملك العزيز، فمن حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

والحج — وهو ركن الإسلام ومجتمع الإخوان — أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد، كما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".

فيه يجتمع الحجيج على توحيد الله وعبادته، وعلى الهدى والرشاد، وهو رمز لوحدة المسلمين وسعيهم لطاعة الله، ومؤتمر عام لتوحيد غايات الأُمَّــة وتوجيهها إلى مصادر الخير في الدنيا والآخرة.

والعمل على الخروج من هذا المؤتمر الإسلامي الكبير بما يصلح شؤون العباد والبلاد.

إن الحج ليس مُجَـرّد رحلة للآخرة، بل هو استراتيجية لبناء الدنيا أَيْـضًا؛ فـ "المنافع" التي أقرها القرآن تقتضي تحويل هذا التجمع المليوني إلى:

تكامل اقتصادي إسلامي: البدء بتأسيس "سوق إسلامية مشتركة" تنطلق من روح التعاون في الحج، لتبادل الثروات والخبرات بين أقطارنا، وتحقيق الاكتفاء الذاتي الذي يكسر قيد التبعية للخارج.

أَيَا خَيْرَ خَلْقِ اللهِ هَذِي بِلادُنَا

تَرِيدُ خَلَاصًا مِنْ يَدِ الأَزَمَاتِ

سرت لُغَةُ الكفار في كُـلّ مَحْفِلٍ

وَنَحْنُ غَرِيقُو النَّوْمِ وَالزَّفَرَاتِ

شَرِبْنَا كُؤُوسَ الظلم حَتَّى كَأَنَّنَا

بَقَايَا رُفَاتٍ في طَوَى النَّكَبَاتِ

فَيَا نَفْحَةَ الإِيمَانِ كُونِي شِفَاءَنَا

من الظلم والتقتير والهفوات

إليك إله العالمين مفازنا

فأنت مجيب السؤل والدعوات

بركة البيت العتيق.. هدىً للعالمين

لقد اختص الله سبحانه وتعالى "بكة" ببركة لا تنضب، فهي القبلة التي تتجه إليها الأجساد والقلوب، وهي المركز الذي يتلاشى فيه الفارق بين الغني والفقير، والأبيض والأسود.

{إِنَّ أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ}

تزكية النفوس: إن "الحج المبرور" هو عملية إعادة تأهيل شاملة للنفس البشرية، حَيثُ يترك المسلم الرفث والفسوق والجدال، ويتوب عما اقترفه من ذنب ليعود بنقاء الفطرة "كيوم ولدته أمه".

تحقيق الاتصال بالخالق: في تلك البقاع، تنقطع العلائق المادية وتتصل الروح بخالقها، فتزول الهموم والاكتئاب، ويحل محلها الرضا والقناعة والسكينة.

فكفى المسلمين تفرقًا وشتاتًا، وقتالًا واختلافًا.

أَفِقْ يَا شَبَابَ الشَّرْقِ فَالكَونُ سَاحَةٌ ** لِكُلِّ طَمُوحٍ صَادِقِ الوَثَبَاتِ

فَمَا المَجْدُ إِلَّا أَنْ نَشِيدَ حَضَارَةً ** تُعِيدُ لَنَا مَا غَابَ مِنْ مَكْرُمَاتِ

إِلهِي فَأَيْقِظْ في القُلُوبِ عَزِيمَةً ** تَهُزُّ الرَّوَاسِيَ مِنْ لَظَى العَثَرَاتِ

وَأَنْزِلْ عَلَى أَرْضِ الحِجَازِ سَحَابَةً ** تُطَهِّرُ دُنْيَانَا مِنَ الظُّلُمَاتِ

وحدة الأُمَّــة في الزمن والبلد الآمن

الحج ليس مُجَـرّد طقوس تعبدية فردية، بل هو مؤتمر عالمي سنوي يجسد مفهوم "الأمة الواحدة".

الاتّحاد تحت شعار التوحيد: اجتماع الحجيج بلباس واحد، وهتاف واحد (لبيك اللهم لبيك)، يرسخ في وجدان الأُمَّــة أن قوتها في توحد غاياتها ومصادر خيرها.

تكامل الدين والدنيا: فإن "المنافع" التي ذكرها القرآن تشمل المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

الحج هو الميدان الأكبر لتبادل الخبرات وتوثيق عرى التعاون بين أبناء الأُمَّــة من شتى بقاع الأرض.

والابتعاد عن محاصرة بعضنا بعضا؛ حتى لا يكون في ذلك شيء من الصد عن سبيل الله، وإغلاق المطارات في وجوه حجاج بيت الله.

لا يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

• فالحج يجب أن يكون "خارج إطار الخلافات السياسية البينية".

فالحج حق مشاع لكل مسلم، ولا يجوز استخدامه كورقة ضغط سياسي من أي طرف كان.

من مكة إلى الأقصى.. وحدة المسار والمصير

إن "القبلة الأولى" (الأقصى) وَ"القِبلة الحالية" (الكعبة) هما خط واحد في عقيدة المسلم.

وأن الحج هو "تعبئة للنفوس"؛ فالذي يطوف بالبيت العتيق ليتحرّر من ذنوبه، يجب أن يعود من حجّه ولديه عقيدة بضرورة تطهير الأرض المقدسة من دنس الاحتلال.

ولا يمكن لمن استشعر بركة البيت العتيق وطاف حول الكعبة أن ينسى مسرى نبيه الكريم، المسجد الأقصى المبارك.

إن الوحدة التي تتجسد في الحج هي القوة الدافعة التي يجب أن توقظ مشاعر الأُمَّــة نحو قضاياها الكبرى:

تحرير المقدسات: إن اجتماع الكلمة في مكة هو المقدمة الطبيعية لتحرير الأقصى الشريف من قبل الأُمَّــة الإسلامية وأحرار العالم والوقوف في وجه الصهيونية التي تحارب المسلمين في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران ولبنان والعراق ويمن الإيمان والحكمة، فالأمة التي تتوحد خلف "رب البيت" لا يمكن أن تفرط في "مسرى الرسول".

أَو في أي قطر إسلامي.

دفع الأعداء: براءة المسلمين من المشركين في الحج هي إعلان صريح عن استقلالية الإرادَة الإسلامية ورفض التبعية والظلم.

دعوة للإصلاح والبناء

إننا في هذه الأيّام المباركة، مدعوون لإعادة بناء المجتمع الإسلامي على أسس التقوى (خير الزاد).

إن إصلاح أمور الدنيا يبدأ من إصلاح القلوب وتوجيهها نحو الاستقامة والوحدة.

والاستجابة إلى ما يدعو إليه قائد المسيرة القرآنية في يمن الإيمان والحكمة.

فيا أبناء الأُمَّــة، لنجعل من الحج فرصة لنبذ الخلافات وتوحيد الصفوف، ولنجعل من بركة البيت العتيق وقودًا يشعل في نفوسنا الأمل والعمل، حتى تعود أمتنا خير أُمَّـة أخرجت للناس، عزيزة الجانب، موحدة الراية، محرّرة للمقدسات، وصانعة للحضارة.

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

* عضو رابطة علماء اليمن

تواصل الفعاليات في الذكرى السنوية للصرخة 1447هـ في عددٍ من المديريات والقرى
المسيرة نت| متابعات: تواصل المؤسسات والدوائر والمكاتب الحكومية والمدارس الصيفية في عددٍ من مديريات وقرى المحافظات إحياء الذكرى السنوية للصرخة في وجه المستكبرين للعام 1447هـ، بفعاليات وندوات ثقافية ووقفات مسلحة، تعكس أهمية شعار الصرخة، في استنهاض الأمة وتوحيد صفوفها، وكيف فضح أبواق النفاق، وعرى مشاريعهم التآمرية، وتخندقهم في صفوف العدو الصهيوني أمام أبناء الأمة.
إيران ترفض بيان جامعة الدول العربية: ابتعدوا عن التأثر بالمواقف الأحادية
المسيرة نت| متابعات: أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية رفضها التام لبيان وزراء خارجية جامعة الدول العربية، داعيةً الجامعة إلى ضبط مواقفها بعيدًا عن التأثر بالمواقف الأحادية لبعض أعضائها.
السيد مجتبى الخامنئي: وحدة شعبنا أحدثت انقسامًا في صفوف العدو وستزداد قوةً وصلابةً
المسيرة نت| متابعات: قال قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد مجتبى علي الخامنئي: "الوحدة الوطنية لشعبنا الإيراني ستزداد قوةً وصلابةً، ولا ينبغي أن تتحقق مساعي العدو الخبيثة لتقويضها."
الأخبار العاجلة
  • 07:05
    نيويورك تايمز عن مسؤولين دفاعيين للمشرعين: استخدام ذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار في اليومين الأولين من الحرب فقط
  • 06:09
    مصادر فلسطينية: قوات العدو تعتقل الأسير المحرر "هاشم منى" وشقيقته خلال اقتحام شارع السكة غرب نابلس، كما اعتقلت شابًا عقب مداهمة منزله في البلدة القديمة وسط المدينة
  • 05:20
    مصادر لبنانية: طيران العدو الإسرائيلي يشن غارتين على بلدتي خربة سلم وتولين جنوب لبنان
  • 05:19
    رويترز: العقود الآجلة لخام برنت ترتفع 1.23 دولاراً ليسجل سعر البرميل 106.3 دولاراً
  • 04:09
    شركة أمريكان إيرلاينز الأمريكية: ارتفاع أسعار وقود الطائرات بسبب الحرب على إيران سيكلفنا 4 مليارات دولار إضافية هذا العام
  • 02:51
    العميد أحمد رضا رادان: مؤخرًا، وبالتعاون مع حرس الثورة ووزارة الاستخبارات، وجهنا ضربات شديدة إلى التنظيمين القتاليين الميداني والإلكتروني للخونة والعملاء
الأكثر متابعة