السيد القائد في المحاضرة الرمضانية الـ 28 يبين للأمة أساليب الطغاة وتضليلهم وطرق مواجهتهم ويؤكد أن لكل طغيان نهاية
المسيرة نت| خاص: تناول السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- أبرز المحطات الأخيرة من قصة نبي الله موسى -عليه السلام- في مواجهة طغيان فرعون وملئه، موضحاً أساليب الطغاة وتضليلهم وطرق مواجهتهم.
واستعرض السيد القائد، على ضوء الآيات القرآنية المباركة، في المحاضرة الرمضانية الثامنة والعشرين، الجولة الكبرى التي كشفت زيف حرب الدعايات الكاذبة لفرعون وملئه أمام حقيقة المعجزة الإلهية، لنبي الله موسى -عليه السلام- وقومه المستضعفين، والنقلة العجيبة في إيمانهم الراسخ بالله وبما عنده، مشيراً إلى نماذج إيمانية حطمت جبروت الإغراءات المادية، وزخرف الحياة الفانية.
وأكد أن معادلة الإمكانات والقدرات
ترتبط نتائجها بمستوى الإيمان الواعي والاستجابة لله، من له الأرض يورثها من يشاء
من عباده، وأن الأمم إذا طغت وتكبرت وظلمت وأجرمت فهي تتجه نحو السقوط والتلاشي، ولا تبقى
للأبد، مهما كان ما تمتلكه من قدرات عسكرية، أو اقتصادية وسياسية، وإعلامية؛ لأن
العاقبة للمتقين والتمكين الإلهي هو لهم في نهاية المطاف.
واستهل محاضرة اليوم بالتذكير بما وصل إليه في المحاضرة الماضية، قائلاً: "تحدثنا على ضوء الآيات القرآنية المباركة، في قصة الجولة الكبرى ما بين نبي الله موسى -عليه السلام-، وما بين فرعون وملئه والسحرة الذين حشرهم من مختلف المدن في مصر، وكيف كان يسعى إلى تصوير المعجزة الكبرى لنبي الله موسى على أنها مجرد سحر يقابله بسحر وأنه سيكشف هذه الحقيقة للناس، الذين جمعهم ليحضروا من أجل ذلك".
[https://twitter.com/TvAlmasirah/status/2034355562335396330]
وأضاف: "وتحدثنا بالتفصيل عن
ذلك ثم كيف كانت خيبة أمل فرعون الطاغية المستكبر، حينما ظهر فشل السحرة وإفكهم
وبطل ما كانوا يعملون؟ وتحقق انتصار إضافي وعظيم لنبي الله موسى عليه السلام،
وتجلت حقيقة المعجزة الإلهية للناس الذين حضروا وكانوا قد حشدوهم للاجتماع
وللمشاهدة لما يحدث".
فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين
في هذا السياق اعتبر السيد القائد أن
حجم الهزيمة لفرعون وملئه وأعوانه كانت بشكل كبير، ولذلك عبر عنها الله سبحانه
وتعالى في القرآن الكريم بقوله: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾،
واغتاظ فرعون أشد الغيظ لما آمن السحرة".
وتابع: "لأنه بمشاهدتهم المعجزة
الكبرى، وبطلان سحرهم وإفكهم، سجدوا، واتجهوا للسجود بشكل عبر عنه القرآن الكريم
بقول الله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾، أي لما اتجهوا بسرعة وخضوع
كبير واندهاش عظيم من المعجزة الإلهية، وكأنما أحداً ألقاهم إلى الأرض حينما
ارتاحوا للسجود، ثم أعلنوا إيمانهم بشكل صريح وواضح بالله سبحانه وتعالى: ﴿قَالُوا
آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾".
وأردف: "فأغتاظ فرعون من
إيمانهم أشد الغيظ؛ لأنه انتصار إضافي لموسى -عليه السلام- وللحق ولالرسالة
الإلهية: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم
مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ
أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾".
اتجاه الطغاة للدعاية الكاذبة
وأشار إلى أن فرعون ما بعد هزيمته
تلك، والانتصار الجلي الحق، وتجلي المعجزة الكبرى للناس، اتجه إلى اعتماد الدعاية
الكاذبة من جهة لتشويه الحقائق وتحريفها، وأيضاً إلى ممارسة الجبروت والطغيان
لإخافة الناس وللتنكيل بأولئك السحرة الذين آمنوا، مضيفاً: "فهو في بداية
كلامه هذا، حينما قال ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، يقدم نفسه على
أنه يمتلك فيهم من الحق والملك ما لا يمكن لهم حتى الإيمان أن يؤمنوا إلا بإذنه،
وهكذا كان طغيانه، ويتصور أن حقه في الناس وتصرفه فيهم إلى درجة الاستعباد لهم،
فلا يملكون لأنفسهم حتى أن يؤمنوا بالله إلا بإذنه ولأنه لم يأذن، فذلك مشكلة
كبيرة وإدانة لهم، ثم على الفور لفق تهمة باطلة زائفة، ويعلم هو أنها كاذبة، وإنما
لفقها كذباً: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾".
كما قال: "فرعون هنا يحاول أن
يصور ما حدث بأنه مجرد مؤامرة من موسى -عليه السلام- والسحرة، وأنهم انخدعوا له؛
لأن فرعون كما يفتري، ويزعم، أن موسى كبير السحرة الذين علمهم السحر، وهو يعلم أن
هذا كذب واضح ملفق، لا أساس له من الصحة لأنه يعرف موسى، ويعرف أنه لم يكن له أي
علاقة بالسحرة، وأنه لم يتعلم السحر أصلاً، لا في الفترة التي قبل هجرته إلى مدين،
ولا بعد ذلك، ولكنه يعتمد أسلوب حرب الدعايات، ثم توعدهم بالإعدام بأشد طريقة،
مصحوبة بالتعذيب أولاً، وهي قطع الأيدي والأرجل من خلاف، أي يد من جهة، ورجل من
جهة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، لأنه حينما يصلبهم في جذوع
النخل تستمر حالة التعذيب ويراهم الناس أثناء تعذيبهم حتى الموت، وما بعد
ذلك".
وعن قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا
أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾، لفت السيد إلى أنها تعني أن فرعون قدم مقارنة ما
بينه وبين موسى -عليه السلام- وأن هذا كله يعبر فيه عن حقده وغضبه، ويعوض هزيمته
الكبرى بمحاولة الانتقام بتلك الطريقة".
موقف السحرة وردهم على تهديد فرعون
هنا تساءل السيد القائد: لكن كيف كان
موقف السحرة الذين آمنوا تجاه كل ذلك؟ كيف كان ردهم على فرعون؟ مجيباً: "كان
موقفهم وردهم يكشف مستوى النقلة العجيبة في إيمانهم، والتحول الكبير في واقعهم على
المستوى النفسي والفكري والثقافي، وكيف كانت حالة الانتقال من وضع سابق كانوا فيه
سحرة كفرة إلى مؤمنين! في درجة عالية من الإيمان! إيمان يستند إلى الوعي والبصيرة
العالية، واليقين، والاتجاه الجاد، والإنشداد العظيم إلى الله سبحانه وتعالى، وما
عند الله".
وأضاف: "﴿قَالُوا لَن
نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ أي أنهم
هنا يردون على قوله ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، يعني لا يمكن أن يؤثروه على ما قد
جاءهم من البينات المعجزات الدالات على الحق، وعلى أن موسى -عليه السلام- فعلاً
رسول من الله سبحانه وتعالى".
وحول قسمهم ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾،
قال: "يعني وعلى الله الذي فطرنا، لا يمكن أن نؤثرك يا فرعون، وأن نجعل
الخضوع والطاعة لك قبل الخضوع والطاعة لله الذي فطرنا وأوجدنا في هذه الحياة،
ووهبنا ما وهبنا في خلقنا وفطرتنا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾، مردفاً: "هذا
في مقابل التهديد والوعيد الذي وجهه لهم بقطع أيديهم وأرجلهم، وبأن يصلبهم وأن
يعدمهم بهذه الطريقة الوحشية والإجرامية، ويعبر عما هم عليه من ثبات الإيمان،
وانشداد عظيم إلى الله سبحانه وتعالى، واستعداد عالٍ للتضحية، ولأنهم عرفوا قيمة
الإيمان والموقف الحق، وأهميته، وشعروا بأنهم أحرار، تحرروا من الخضوع لطاغية مجرم
مستكبر، تحرروا إلى عز الإيمان، وعز الطاعة لله سبحانه وتعالى، الإنشداد المطلق
إليه وإلى ما عنده من الخير العظيم".
وأوضح -يحفظه الله- ولهذا قالوا له:
﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، يعني ما يمكن أن نخسره بسبب
إجرامك بحقنا وعدوانك علينا، وتعذيبك لنا وإعدامك لنا، هو أن نخسر هذه الحياة
الدنيا! لكن في المقابل نضمن مستقبلنا العظيم في الآخرة عند الله سبحانه وتعالى:
﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا
عَلَيْهِ مِنَ السُّحرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾، وتعني أنهم قالوا جعلنا
من إيماننا بالله، وثباتنا على هذا الإيمان، واستعدادنا للتضحية في ثباتنا، وسيلة
إلى الله ليغفر لنا خطايانا في الماضي، وفيما كنا عليه من ممارسة السحر".
وأكد أنه من الواضح في هذه الجملة
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾، أن المرحلة التي أرغموا فيها على
أن يقوموا بتنفيذ جولتهم في مواجهة موسى -عليه السلام-، بعد أن حذرهم موسى من قبل،
وأتى في قوله سبحانه ﴿تَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ أي كانوا قد تنازعوا
بينهم أمرهم في مسألة المواجهة لموسى عليه السلام، لكن فرعون صمم على أن يواصلوا
ذلك".
نقلة نوعية في الوعي
وعن قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ
وَأَبْقَىٰ﴾ قال: "أي أنهم يدركون أن التضحية في سبيل الله هي فوز عظيم،
ويحظى من خلاله الإنسان المؤمن بخير عظيم وبفوز أبدي وبنعيم دائم، في مقابل أن
يفوته شيء مؤقت من متاع هذه الدنيا الزائلة، مشدداً على أن هذه كانت نقلة عظيمة في
وعيهم، وإيمانهم، وثباتهم، ولا شك أنهم حظوا برعاية من الله، والتثبيت منه، كما
يبين الله لنا هذه الحقيقة في القرآن الكريم، وأنه يمد المؤمنين بمعونته، وتثبيته،
وتوفيقه، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويربط على قلوبهم، وينزل عليهم السكينة،
ويمدهم بأنواع مدده ورعايته الرعاية المعنوية العالية".
واستدل بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ
اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، تجاه ما سيقدمونه من تضحية،
وما يلحق بهم من ألم وعناء، و﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾، هم لا يكترثون لما سيعانونه من
آلام نتيجة ذلك التعذيب الوحشي، بقطع أيديهم وقطع أرجلهم وصلبهم في جذع النخل،
فـ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾، لا يكترثون لذلك.
وفي قولهم: ﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا
مُنقَلِبُونَ﴾ أشار إلى أنها تعني بهذه التضحية، نرجع إلى الله سبحانه وتعالى،
ونحن قد قدمنا هذه التضحية في سبيله ولأجله، فنحظى بالكرامة عنده، والمغفرة،
والعفو بما يمن به على عباده المؤمنين.
نموذج المؤمن بوعي وبصيرة ويقين راسخ
في هذا السياق أكد السيد القائد
بقوله: "فعلاً قدموا النموذج الراقي الثابت الواعي المؤمن بوعي وبصيرة ويقين
راسخ، فلم يتزحزحوا عن إيمانهم"، معتبراً أن هذا كان يمثل انتصاراً إضافياً
للرسالة الإلهية ولموسى -عليه السلام-؛ لأن فرعون كان على الأقل يؤمل، أنه في حال
تراجعوا عن إيمانهم، هو أن يتبنوا معه الدعاية، وأن المسألة كانت خطة مدبرة بينهم
وبين موسى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا
مِنْهَا أَهْلَهَا﴾، وأن موسى كبيرهم الذي علمهم السحر ومن تلك الدعايات.
ولفت إلى أن فرعون فشل، وثبتوا على
إيمانهم، وقالوا له: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ
رَبِّنَا﴾، فزاد سخطه وغضبه وجبروته تجاههم، بسبب أنهم آمنوا بآيات الله سبحانه
وتعالى، آيات الرب الذي هو المالك، الخالق الرازق، المحيي المميت، الذي له أمر
الدنيا والآخرة، بآيات: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتوفنا
مُسْلِمِينَ﴾، فهم التجأوا إلى الله سبحانه وتعالى.
ونوه إلى أن هذا من شأن الإنسان
المؤمن في مواجهة التحديات والمخاطر والصعوبات والمراحل الحرجة، أن يلتجئ إلى الله
ليمده بالصبر، وأن يفرغ عليه الصبر، أن الإنسان مهما كان إيمانه، لديه طاقة
محدودة، قدرات محدودة، مستوى معين من التحمل، لكن بارتباطه بالله باتجاهه إلى
الله، يحظى بالمزيد من رعاية الله ومعونته ودعمه المعنوي".
وجدد التساؤل عن كيف كان همهم؟
مجيباً: "أن يتوفاهم الله مسلمين، وأن يكون لقاؤهم بالله في هذه التضحية وهذه
الشهادة، وهم في حالة الثبات على الإسلام، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾"،
موضحاً أن هذا يبين ارتقاءهم الإيماني الذي وصل بهم إلى درجة عالية من الوعي.
المستقبل الأبدي وتبخر المصالح والأطماع
في هذا الصدد قال السيد القائد
-يحفظه الله- في سياق حديثه على ثبات إيمان السحرة: "مثلاً على مستوى الأطماع
والرغبات وحسابات المصالح التي تؤثر على الكثير من الناس في مواقفهم، بل إن كثيراً
ممن يخدمون الباطل ويميلون للباطل، ويتجهون في طريق الباطل، يتجهون نتيجة للأطماع
والمكاسب المادية والمصالح المادية، والإغراءات بالمناصب أو الأموال، فيتبنون أي
باطل مهما كان مستواه، في مستوى ما هو عليه من البطلان، يتجهون في ذلك، أما
هؤلاء"، يقصد المؤمنين "فقد تركوا كل الإغراءات من فرعون الطاغية
المستكبر، لماذا؟ لأنهم وثقوا أنهم لن يخسروا مع الله".
وأوضح: "ليس معنى المسألة أنك
عندما يكون خيارك أن تتجه إلى الله وتسير في طريق الحق، وتتقبل الحق والهدى الذي
هو من الله، أنك ستخسر، بل ستحصل من الله سبحانه وتعالى على ما هو أعظم من كل ما
في الدنيا بكلها، وأن تؤمن مستقبلك الأبدي في الآخرة، حتى لو أدى الحال، واقتضى
الأمر أن تضحي تضحية عاجلة هنا في الدنيا، حتى بحياتك، فأنت تحظى بما وعد الله به
الشهداء من نعيم، وحياة في تكريم عظيم، ثم مستقبلك الأبدي عند الله سبحانه وتعالى
في أرقى نعيم ونعيم خالص، وللأبد هذا هو الفوز العظيم".
وأكد أن عذاب فرعون للسحرة عناء،
لكنه في وعيهم وحقيقته عناء مؤقت، أي آلام هي في مستوى محدود مما يمكن أن يحصل
نتيجة لجبروت الطغاة في هذه الدنيا، لكن حينما يكون ذلك، في مقابل أن تفتدي نفسك
من عذاب الله الذي هو عذاب شديد وأبدي ورهيب، مردفاً: "فحينها يسهل عندك كل
التضحية وهكذا، اتخذوا هذه المقارنات على مستوى الأطماع والمصالح وحساباتها، وعلى
مستوى التهديدات والمخاوف والأوجاع والمخاطر وما يترتب عليها فكان خيارهم يعبر عن
حالة وعي عالٍ، ورشد كبير، وتوفيق من الله سبحانه وتعالى".
وأضاف: "بحسب أخبار التاريخ فقد
استشهدوا بتلك الطريقة، وكان ثباتهم العظيم هزيمة لفرعون الطاغية، ونصراً للحق،
وانتصاراً للحقيقة، وتقديماً لنموذج راقٍ لغيرهم من الناس في ذلك المجتمع كيف
يمكن، كما قلنا، كسر الحاجز والتجاوز لطغيان فرعون وعدم الاكتراث به".
مرحلة جديدة من المواجهة
قال السيد القائد: "ما بعد تلك
المواجهة، ابتدأت مرحلة جديدة في مصر ما بين موسى -عليه السلام- ومعه هارون أخوه
من جهة، وفرعون وملئه من جهة أخرى، واتجه فيها نبي الله موسى وأخوه إلى الدعوة
للمستضعفين والسعي لهدايتهم، وإبلاغ الرسالة الإلهية إلى المجتمع بنفسه، مع
التركيز على المستضعفين، لأنهم كانوا هدفاً أساسياً للرسالة الإلهية في الإنقاذ
لهم، فقد تهيأ ما بعد تلك الجولة، كما يبدو، وضع جديد، في بعد ذلك الانتصار وصار
هناك متنفس إلى حد ما".
إغراء المجتمع وإفساده بالمظاهر المادية
أشار السيد القائد إلى حرص فرعون
ومعه ملؤه وأعوانه على الإغراء للمجتمع بالمظاهر والإمكانات المادية، والأموال
والاستغلال في نفس الوقت لنفوذ السلطة، وحاولوا بذلك أن يوجد حاجزاً ما بين
المجتمع المحسوب على فرعون -غير فئة المستضعفين بالذات- وبين التقبل من موسى -عليه
السلام- عبر الإغراءات المادية، والدعايات، والربط بالمصالح، والإفساد للمجتمع
أكثر وأكثر، وعمل على إغواء قومه من خلال استخدام الدعايات للتضليل الفكري
والثقافي، وبالإغراء المادي.
وأضاف: "أول ما يقدمه فرعون عن
نفسه الاعتبار المتعلق بالجاه والسلطة، وأنه صاحب سلطة ونفوذ، وبهذا التعبير
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ فما هو موسى؟ في المقابل، إنسان عادي لا يمتلك أي
سلطة، لا يمتلك أي تأثير من موقع السلطة، ﴿وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن
تَحْتِي﴾، طبعاً عندما يتحدث عن نفسه في موقع السلطة، فهو يقدم نفسه أولاً في
مستوى نفوذه وقدرته وإمكاناته وقراره من موقع السلطة وفيما كان عليه هو من طغيان
وتجبر، وفي نفس الوقت الإغراء فيما يستطيع مثلاً أن يوزع من مناصب، وأن يربط
الهواة للمناصب الذين قد يخدمون الباطل مقابل منصب.
أما في قوله ﴿وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ
تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أشار إلى أنه يقصد كما يظهر نهر النيل، والفروع المتفرعة
عنه، وربما أيضاً كانوا ينشئون المزيد من القنوات المتفرعة عن نهر النيل، ويتحكمون
فيها، وفرعون بذلك يقدم نفسه وكأنه المالك لنهر النيل المتصرف فيه وهو الذي يرتبط
به شعب مصر في معيشتهم، في حياتهم، في زراعتهم، لأسباب قوتهم ومعيشتهم، وأن يروا
فيه رافداً للحياة، يرتبطون به الارتباط الكبير مع أن الله هو الذي خلق النهر، وهو
الذي أجرى لهم ذلك النهر، لكن يقدم المسألة وكأنه تحت تصرفه".
وفي قوله لهم ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾،
قال عنها بأنه يعني هذه حقائق واضحة من هو الذي ينبغي أن تكونوا معه؟ من هو في
موقع الملك والسلطة، ويأمر وينهى، ويتحكم ويقرر، ولديه هذا النفوذ، وهذا التحكم
حتى في قنوات النهر، و﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا
يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي يقصد أن موسى -عليه السلام- في وضعه العادي جداً، ليس تاجراً
ولا ثرياً، ولا صاحب سلطة في موقع منصب من مناصب السلطة، فهو يعبر عنه بهذا
التعبير بأنه "مهين" يعني ليس له أي أهمية فهو لا يمتلك جاه السلطة، ولا
جاه المال، ولا الموقع الاجتماعي الذي له تأثيره في المجتمع، وبهذا يقدم المقارنة
ليصرفهم عن موسى -عليه السلام- بهذا الأسلوب في قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾، هو
يحاول أن يتحدث عما كان عليه حال موسى سابقاً.
ونوه أن الله سبحانه وتعالى استجاب
لموسى -عليه السلام- في دعائه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي
* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾، مؤكداً إلى أن استجاب الله له، وأزال
العقدة من لسانه مع أنها لم تكن إلى درجة ألا يبين في كلامه، أو أن يكون كلامه غير
واضح، إنما تدل على كيف كان حرص موسى بأن يكون في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة
والبيان، إلا أنه عندما تكون المسألة مسألة دعايات، عادة ما تضخم قضايا بسيطة أو
تختلق مسائل لا أساس لها من الصحة.
وفي ذات السياق استدل بقول فرعون
﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، مبيناً أنهم في ذلك العصر
كانوا يلبسون الملوك والأمراء والقادة والشخصيات الاعتبارية في المجتمع، أسورة على
أيديهم من الذهب وتيجاناً إلى رؤوسهم مذهبة ومطعمة بالأحجار الكريمة والفضة،
والمعادن النفيسة، ويمتلكون الكراسي المذهبة المزخرفة.
وقال: "فهو يقدم لهم هذه
الزخارف، وهذه الماديات والشكليات المادية، كمعايير، ويحدد لهم من خلالها أين يجب
أن يكونوا، ومع من، وفي أي اتجاه، وأين يكون ولاؤهم، فحال فرعون هو محمل بقلائد
الذهب والفضة والزينة، بالعكس من موسى -عليه السلام-، فيقول لموسى لو كان فعلاً
شخصية ذات أهمية، وشخصية اعتبارية، وتستحق أن يكون لها دور في المجتمع لكان له
أسورة من ذهب في معصمه، ولماذا هو بهذه الملابس الرثة، ومعه عصاه اليابسة تلك،
لكنها تحولت إلى معجزة عجيبة".
واتبع: "﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ
عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ﴾، يعني جاء وبرفقته الملائكة قد اقترنوا به، مرافقين له ومؤيدين له
إذا كان رسولاً من الله سبحانه وتعالى، كان لهذه الدعايات والمقارنات وقعها في قومه،
تأثروا واقتنعوا بها على أنه فعلاً موسى إنسان عادي، فقير، لا يمتلك ثروة مادية،
إمكانات مالية، ما الذي سيعطينا وسنحصل على المال إذا صرنا معه؟ وفي نفس الوقت ليس
له سلطة، ليس له تأثير من موقع السلطة، أما فرعون فهو في هذا المستوى؛ سلطة، قدرة،
إمكانات مادية، تحكم في أمور البلد، تحكم على المستوى الزراعي حتى على مستوى قنوات
النيل وفروعه المتفرعة عنه، وهو في بهاء الملك، في ثيابه الضخمة النفيسة الغالية،
في الزخارف التي يلبسها في تاجه المذهب، وفي أسورة الذهب التي في معصمه، فإذاً
يتبع دوله ويكونون معه ويتركون موسى، بالرغم من أنهم قد شاهدوا المعجزة الإلهية
العظيمة التي تبين لهم الحق، ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ أي كانوا مطيعين له في الولاء له، في
التمسك به وبطريقته في معاداة نبي الله موسى -عليه السلام- والإعراض عنه، وصد
الناس عن الإيمان به".
وتساءل -يحفظه الله-: لماذا يقول
الله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾؟ مجيباً: "كانوا أصحاب أهواء
وخبث وأطماع وفجور، وقد رباهم فرعون على التربية المادية، فكانوا أهل أطماع شديدة،
واتجاههم في الحياة اتجاه مادي، يعبدون المادة والمال والأطماع، وكانوا أهل خبث
وفجور فجره وخبثه وفسقه، ولذلك اتجهوا بولائهم إلى فرعون، وأيدوا هذا الطرح وهذا
الكلام وهذه المقارنات، وتمسكوا من خلالها بفرعون، واتجهوا معه، وارتبطوا
بالمعايير والشكليات المادية، ومالوا إليها نتيجة لما هم عليه من الفسق، والخبث
والإجرام، ويعتبرون أنه هو الذي يتيح لهم الاستمرار على ما هم عليه من فساد أفسد
المجتمع في أطماعه، وأهوائه، وممارساته، وأخلاقه، وسلوكه، فاتجه على هذا الأساس،
وورطهم لطاعته فعلاً".
واقع الأمة ومعايير الطغاة
وفي هذا السياق ربط السيد القائد ذلك
التوجه الخبيث بما نجده اليوم في واقعنا بقوله: "نجد في عصرنا الكثير من
الناس بهذا الشكل تستهويهم الأطماع المادية، فيقفون في وجه الحق مهما كان الحق
واضحاً، والبعض منهم تستهويهم الأطماع الاعتبارية في المناصب، وغير ذلك، ويقارنون
بهذه المقارنات؛ من هو الذي يمتلك قوة عسكرية أكبر؟ إمكانات مادية أكثر؟ هذه
معاييرهم اليوم! وليست معاييرهم بالنظر إلى أين هو الحق!".
وأضاف: "واستغل فرعون وملؤه
وأعوانه الإمكانات المادية والأموال في الاستقطاب للناس والصد عن سبيل الله
والإضلال"، موضحاً أن موسى -عليه السلام- كان يلحظ كيف كان تأثير ذلك في كثير
من الناس، ولهذا دعا الله وشكا إليه في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا
إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ
أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا
الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾، يعني فقد كفروا نعمة الله عليهم، ووظفوا تلك الأموال
والإمكانات واستغلوها في العمل على إضلال الناس، والعمل على نشر الباطل وشراء
الولاءات والذمم، والبعض من الناس يبيع نفسه، يبيع ولاءه، يبيع موقفه بالمال
بالشيء التافه، فدعا عليهم هنا، وهذا الدعاء هو بالتدهور الاقتصادي لما قال
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ﴾، يدعو عليهم بالتدهور الاقتصادي، ونزع
البركات من أموالهم والإصابة لها بالآفات، كما دعا عليهم أن يسلبهم الله التوفيق،
فلا يؤمنوا بما قد وصلوا إليه من عناد وصد عن سبيل الله وكفر بالحق".
وأردف: "وكذلك استخدم فرعون
وملاؤه وجنوده وأعوانه الجبروت والبطش ضد المستضعفين الذين آمنوا بموسى، من آمن
منهم بموسى -عليه السلام-، وبرسالته الإلهية، فقد اتجه الملأ من قوم فرعون إليه،
وناقشوا معه الوضع وما يقوم به من تحرك في أوساط الناس في الدعوة لهم إلى الله،
والإبلاغ لهم برسالة الله، وكيف أن البعض من المستضعفين آمنوا به واتجهوا على هذا
الأساس".
وفي قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن
قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾، بين
أنهم يعتبرون نشرهم الرسالة الإلهية، والعمل على هداية الناس وتطهير المجتمع من
المفاسد يعتبرونه إفساداً في الأرض، فيما قولهم ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، تعني
لأنهم سيخرجون عن التأليه لك يا فرعون، ويتركون العبادة لك، والتأليه لك، فقال
لهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ
قَاهِرُونَ﴾، أي فاتخذ هذا القرار من جديد بقتل أبناء من يؤمنون برسالة الله
ويتجهون مع موسى -عليه السلام- وعاد بهم إلى هذا المستوى من الاضطهاد والظلم
والجبروت، وهو فعلاً جبروت على مستوى كبير من القسوة ومن الاضطهاد، ومن المعاناة
الكبيرة التي يصنعها لأولئك الذين يتجهون إلى الإيمان حينما يكون ثمن الإيمان هو
هذا المستوى من التضحية".
ثمرة الاستعانة بالله مع الصبر في ميدان العمل
وفي السياق القصصي أشار السيد القائد
إلى أهمية الاستعانة بالله والصبر في ميدان المواجهة، مذكراً بما قاله نبي الله
موسى -عليه السلام- لقومه أمام جبروت فرعون في قوله سبحانه: ﴿قَالَ مُوسَىٰ
لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، مردفاً:
"في مقابل ذلك الجبروت، وتلك الإجراءات القاسية الظالمة بقتل أبناء من يؤمنون
بالله وبرسالته لا بد من الثبات والاستمرار، ومقابلة ذلك بالصبر، وهو الصبر في
مقام العمل، والحركة مع موسى -عليه السلام-، ومقام الاستجابة لرسالة الله سبحانه
وتعالى، والتحرك وفق هدى الله جل شأنه، والاستعانة بالله من خلال الالتجاء إلى
الله بالدعاء والتوكل، والأخذ بأسباب معونته من الاستقامة على نهجه، الثقة به،
وبوعده، والاستمرار في سبيله، والالتزام العملي وفق توجيهاته، هذه من الأسباب
المعينة من الله سبحانه وتعالى".
معادلة الإمكانات والقدرات والنتائج
وقال: "هذا ما حدث كثيراً عبر
التاريخ، وله نماذجه المعروفة بين البشر في كثير من التواريخ والبلدان، والأرض
لله، وهو سبحانه وتعالى القدير الذي يصنع المتغيرات لتمكين عباده المستضعفين،
والعاقبة للمتقين"، مضيفاً: "يمكن أن تكون في الطريق معاناة، وحالات
اضطهاد، وبعض التقلبات والمتغيرات، ولكن في نهاية المطاف العاقبة بالنصر، بالتمكين
الإلهي، وهلاك الطغاة والجبابرة لصالح عباد الله المؤمنين الذين التزموا طريق
التقوى من خلال التزامهم العملي وفق هدى الله وتعليماته، والحذر من التفريط بها أو
التجاوز لها، فهي تصل بهم إلى أن يحقق الله لهم وعده الذي وعدهم به؛ لأن الله لا
يخلف الميعاد، وهنا يشدهم إلى الله في مقابل ما بيد الطغاة من إمكانات".
وشدد على أن المقارنة اليوم ليست
بالإمكانات فيما بيد المؤمنين وما بيد الأعداء، وإنما المقارنة هنا بالقيم
الإيمانية، والأسباب الإيمانية التي يحظى من خلالها المستضعفون بمعية الله وبالنصر
من الله، وبأن يغير الله الأوضاع لصالحهم".
وأضاف: "ونجد هنا، فيما يتعلق
بهذا العنوان، عنوان الأرض في قصة الرسل إجمالاً، ومن معهم من المؤمنين: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ
الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ
خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾، هنا وعد للرسل والأنبياء، ولأتباعهم من
المؤمنين، من أولياء الله الذين يسيرون في طريق الرسالة الإلهية، في طريق التقوى
والإيمان، فإن الله يمكنهم في نهاية المطاف، ولهذا أتى التعبير الدقيق ﴿ذَٰلِكَ
لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾، ليؤكد على هذه الحقيقة الذين آمنوا بموسى
والمستضعفون، في مقابل تلك الإجراءات القاسية الظالمة التي اتخذ فيها فرعون قراره
بقتل أبناء من يؤمنون بموسى".
وحول: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ
أَن تَأْتِيَنَا﴾، أوضح -يحفظه الله- أن المؤمنين أجابوا على كلام نبي الله موسى
-عليه السلام- حين حثهم على الصبر، وقالوا له فيما معناه إلى متى نصبر؟ حصلت لنا
هذه المشكلة من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون الأبناء ويستحيون النساء، ثم ها هو
الأمر يتكرر من جديد بعد ما جئتنا، فإلى متى نصبر؟ متى يأتي الفرج؟ متى يأتي
الخلاص؟
واعتبر أنه ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن
قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، تعني منطق التذمر والإحباط
الناتج عن شدة المعاناة وشدة القهر التي فعلاً يعانون منها، حالة شديدة وصعبة، لكن
موسى قال لهم من جديد: ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، أي قال لهم:
صبركم هذه المرة هو صبر في اتجاه عملي، يوصل إلى نتيجة، نتيجة يحققها الله لكم،
ونتيجة كبيرة، نتيجة عظيمة، هي هلاك عدوكم والاستخلاف لكم في الأرض، وسيأتي الوقت
الذي ستكونون فيه في مرحلة الاختبار على التمكين، مثلما أنتم الآن في مرحلة
الاختبار على المعاناة والشدائد، سيأتي يوم سيكون اختباركم في التمكين والاستخلاف
في الأرض، لينظر كيف تعملون".
المؤاخذة لفرعون وقومه
وانتقل إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ﴾، يعني خلال تلك الفترة بدأت المؤاخذة من الله لآل فرعون أولاً:
﴿بِالسِّنِينَ﴾، يعني بالجدب الذي كان يأتي لهم سنة بعد سنة بأحوال متفاوتة، حين
جدب شديد، ثم يعقبه انفراج، حين جدب لمستوى معين، وكذلك نقص من الثمرات من خلال
الآفات الزراعية التي تؤثر على محاصيلهم وعلى الثمرات، معتبراً ذلك من رحمة الله
بهم من ناحية المؤاخذة، إذا تذكروا واستفادوا منها ومن المعاناة، لكي يشعروا
بحاجتهم إلى الله سبحانه وتعالى، وعن أهمية الإيمان قبل أن يأتي العذاب الذي هو
أكبر".
وتساءل بقوله: كيف كانوا في مقابل
ذلك؟ ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ﴾، وإذا تحسنت
أوضاعهم وانفرجت عنهم الشدائد إلى حد ما، وحصل لهم أرزاق قالوا لنا هذه، قالوا نحن
جديرون بهذا الخير لأننا جديرون به ومستحقون له، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ﴾، أي أما إذا أصابهم ما يسوءهم من الشدائد
والآفات فكانوا يتشاءمون بموسى ومن معه، يقولون: هؤلاء هم أهل الشؤم، من حين تحرك
موسى باسم الرسالة الإلهية وبإبلاغ الرسالة الإلهية ومن حين أتى بهذا العنوان
وجدنا الجدب والشدائد والمشاكل والفقر، فهو ومن معه سبب للنحس ولهذه الشدائد،
يتشاءمون بهم ويطيروا بهم.
وأردف: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ
عِندَ اللَّهِ﴾ أي الله سبحانه وتعالى هو العليم بأعمالهم وهو المؤاخذ لهم لعلهم
يتذكرون، ولكن أكثرهم لا يعلمون، يجهلون هذه الحقائق لأنهم ينظرون من منظار آخر
وبحسابات أخرى، طريقة تفكير تعميهم عن الفهم للحقائق، وارتبطوا بفرعون وفق تلك
المعايير المادية والشكليات المادية، ومع ما يأتيهم من شدائد تذكرهم إذا أرادوا
التذكر".
وأشار إلى أنهم أصروا على عنادهم
وكفرهم، الواضح من خلال كيفية حديثهم إلى موسى في قوله: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا
تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ
بِمُؤْمِنِينَ﴾، يعني قالوا مهما كانت الآيات التي تأتي بها في قوتها ووضوحها،
فنحن سنعتبرها سحراً ولن نؤمن لك أبداً، فلا تتعب نفسك بأي آية أو طريقة بأي معجزة
وأي شكل من الأشكال".
ولفت إلى أن الاستدلال الذي تقدمه
الآيات والمعجزات فيها محاولة لإقناعهم ولكنهم -يعني- اتخذوا قرارهم بأن لا يؤمنوا
به إطلاقاً، مهما كان لديه من آيات ودلائل وبراهين ومعجزات حتى من خلال ما أتاهم
من حالة الجدب والشدة وغير ذلك، فأتاهم المزيد من العقوبات والمؤاخذة من الله
سبحانه وتعالى.
ووصف السيد القائد حالة العناد
والجحود والإصرار على الباطل لدى قوم فرعون إلى هذه الدرجة التي وصلوا إليها
بالحالة الرهيبة جداً، وهي خسارة عليهم وفي نهاية المطاف خسروا.
وعن ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ
الطُّوفَانَ﴾ أشار إلى أن الله أرسل عليهم فيضان الماء، فاض عليهم نهر النيل ودمر
المزارع وأغرق الأرض وأضر بالمساكن، ومثل إشكالية كبيرة عليهم، ولم ينفع فيهم ذلك
ولم يتعظوا ولم يعتبروا، كما أرسل عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم فيما بعد،
ويعني كل آية أتت بمفردها في وضعية في مرحلة لتكون تذكيراً لهم وحجة عليهم".
ونوه إلى أن الجراد أتلف عليهم
محاصيلهم الزراعية والنباتات بشكل رهيب ولم ينفع معهم ذلك، والقمل (البرغوث) نقمة
عليهم يؤرقهم ويذهب بنومهم باللدغة المؤذية، ويعرف أكثر شيء في الأرياف وهو مؤذٍ
فعلاً على النوم، وحينما كان عقوبة لهم كان بكثرة هائلة جداً، يعني ملأ فراشهم
ومساكنهم وبشكل مزعج ومؤذٍ جداً، والضفادع أرسلها الله عليهم بكثرة هائلة جداً
ملأت بيوتهم وفراشهم ومطابخهم، وكانت تتواجد بأواني الطعام وفي أواني شرب المياه
في كل مكان حتى في فراش النوم، فكانت كثرتها الهائلة مزعجة لهم جداً ومنغصة
لحياتهم".
وتابع: "والدم، يذكر البعض من
المفسرين أنه علة من العلل التي أصيبوا بها، والبعض يقول إنه نفس الماء كان يتحول
إلى لون الدم والله أعلم، آيات مفصلات يعني في كل منها آية عبرة لهم وذكرى لهم
ليرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى وليروا ضعفهم؛ لأنهم كانوا يرون أنفسهم في مأزق،
كيف يتعاملون مع أي منها؟ مع أنها مخلوقات ضعيفة صغيرة بالنسبة للجراد أو القمل أو
الضفادع".
وأردف: "لكن مع ذلك كما قال
الله عنهم ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾، أصروا على ما هم عليه من كفر وجحود وعناد وفسق
وإجرام وصد عن سبيل الله، ولم يؤمنوا كبراً منهم وأنفة من اتباع الحق، وكانوا
قوماً مجرمين، يعني كانوا مستمرين على عاداتهم السابقة في الإجرام وارتكاب الجرائم
وممارستها، ولذلك فسدوا لم يعد لديهم قابلية للحق أبداً"، مشيراً إلى أن الله
عاقبهم أيضاً بعقوبة أكثر شدة من تلك العقوبات والمؤاخذة وهي عذاب الرجز الذي حطم
كبرياءهم".
وعن ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ
الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهدَ عِندَكَ ۖ لَئِن
كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي
إِسْرَائِيلَ﴾، في هذه قال السيد إن الرجز: "عذاب من أنواع العذاب المزعج،
الموجع، المخزي"، ويعني أنه يجمع هذه الاعتبارات الثلاثة؛ عذاب موجع وفي نفس
الوقت هو مخزٍ لا يتحملونه لأنه أشبه ما يكون بالعذاب المحرق المزعج الذي لا يتهيأ
لهم التحمل لآلامه، "مؤلم، مزعج، ومخزٍ" في نفس الوقت، ورغم أنه حطم
كبرياءهم إلا أنهم مع ذلك لم يؤمنوا".
أمم لا تبقى للأبد
في هذا السياق أوضح أن قوم فرعون
اتجهوا بهذا الاتجاه، قدموا العهد لنبي الله موسى -عليه السلام- أنه إذا دعا الله
ليكشف عنهم الرجز فإنهم سيؤمنون به: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ
بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من العذاب، ونترك لهم المجال ليذهبوا معهم ويكفوا عن ظلمهم
واستعبادهم، لشدة العذاب اتجهوا بهذا العهد إلى موسى -عليه السلام-، وأراد الله
إتماماً للحجة وأن يعطيهم فرصة إضافية مع أن الله يعلم أنهم لا يفون بعهدهم:
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ
يَنكُثُونَ﴾، يعني ينقضون عهدهم ولا يفون به، ولكن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا
يهمل: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، وهذه المهلة إلى أجل هم
بالغوه".
وزاد: "فهم أصروا على البقاء في
حالة الطغيان، وهي اتجهت بهم تلك الحالة نحو الهلاك، نحو العقوبة المحتومة، الملأ
ارتبطوا بتلك المصالح وذلك النفوذ وتلك السلطة، والجماهير من قومهم بالفسق
والتربية على الباطل والمعايير المادية والأطماع والأهواء، ارتبطوا كذلك بفرعون
والملأ على ما هم عليه مع ذلك".
ولفت السيد القائد إلى وجود حالات
مختلفة ومميزة بقوله: "كانت هناك حالة مميزة مختلفة عن كل ذلك، الحالة
المميزة بين الفراعنة هي امرأة فرعون، وهذه حالة عجيبة جداً يعني بين كل ذلك الجو
الذي هو قائم على المادة، والبغي، والطغيان، والأطماع، والأهواء، وعلى الترف، كانت
حالة مختلفة عن كل ذلك".
امرأة فرعون
وقال: "امرأة فرعون التي كان
لها الدور الأبرز في السعي لحماية موسى -عليه السلام- في طفولته، حينما أتى وبلغ
رسالة الله، وأظهر المعجزات الكبرى، آمنت بالله، وصدقت برسالة الله، وآمنت بموسى
وهارون -عليهما السلام-، والله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ
بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾". واعتبر أن هذه المناجاة، وهذا الدعاء يقال أنه
كان أثناء تعذيبهم لها، لأن فرعون لما يئس من قدرته على إقناعها للتراجع عن
إيمانها بالرغم من الإغراءات الكبيرة بالنسبة لها، وما يعرض عليها هو شيء كبير،
وكثير من الناس يكفيه أتفه الأشياء للإغراء المادي، والصد له عن سبيل الله،
والانصراف به في خدمة الباطل، والاستمالة له إلى الباطل بأتفه شيء.
وبين أنه لما يئس فرعون من قدرته على
تغيير إيمانها وموقفها، أمر بقتلها بطريقة وحشية وتعذيب شديد، فكانت هذه مناجاتها
لله قبيل الشهادة، ما قبل أن تستشهد، دعت بهذا الدعاء: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ
بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. مشيراً إلى أنها كانت على مستوى راقٍ من الوعي، فلا هي
تأثرت بالإغراءات المادية والترف، ولم تتراجع خوفاً من التضحية، والقصة طويلة عنها
لا يتسع المقام للحديث عن ذلك هناك موقف آخر.
مؤمن آل فرعون
وعلى ذات السياق تطرق السيد القائد
إلى مؤمن آل فرعون، الذي برز في القرآن الكريم، قائلاً عنه: "وهو رجل مؤمن
منهم، وموقفه موقف عظيم، يدل على ارتقائه الإيماني العالي إلى مرتبة الصديقين،
يعني مرتبة تحت مرتبة الأنبياء في مستوى الكمال الإيماني العالي جداً، كما في
الآثار النبوية الوصف له بذلك، أفرد له القرآن الكريم ثلاث صفحات في سورة غافر،
وما ورد يبين ما هو عليه من مستوى عالٍ بإيمانه في وعيه، وفي بصيرته، ويقينه،
وثقته بالله سبحانه وتعالى، وكان يكتم إيمانه بالتنسيق مع موسى -عليه السلام-،
لأنه كان يؤدي دوراً مهماً في القصر".
وأشار إلى أن مؤمن آل فرعون نجاه
الله من شر فرعون وملئه، لأنهم بعد أن ذهبوا لملاحقة موسى -عليه السلام- والمؤمنين
معه، والمستضعفين الذين خرجوا معه، هلكوا، وهو كان باقياً في مصر، لم يخرج معهم
فنجاه الله من سيئات ما مكروا، كما في القرآن الكريم: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.
قارون وخطورة شد الناس للجانب المادي
في هذا السياق نوه السيد القائد
-يحفظه الله- إلى أنه وعلى العكس من ذلك، برز موقف سيء جداً لرجل من بني إسرائيل
هو قارون الذي انحاز إلى صف فرعون وناصره وعاضده، وبغى على المستضعفين، وكان قارون
تاجراً عظيم الثروة، وثرياً يمتلك ثروة هائلة سخرها لخدمة الباطل والبغي، تحدث
القرآن عن قصته: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ
وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ
أُولِي الْقُوَّةِ﴾. مضيفاً: "وقد استغله فرعون لشده إلى التوجه
المادي".
واتبع: "وذكر الله قصته في
القرآن حينما خرج على قومه في عرض بالإغراء المادي: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حظٍّ عَظِيمٍ﴾. أي عمل استعراضاً
كبيراً لثروته وإمكاناته، بالشكل الذي يشد حتى المستضعفين إليه، وإلى ما عنده من
ثروة، ليكون هو النموذج الذي ينشدون إليه وينشغلون به والنتيجة بعد ذلك، في عاقبة
بغيه وغروره وكفره للنعمة، كانت العقوبة الإلهية بالخسف، كما قال الله تعالى:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾".
موعد خلاص المستضعفين
ولفت السيد القائد، إلى أنه خلال تلك
السنوات، تمايزت الصفوف، ووصلت الأمور إلى نهاياتها بعد تمام الحجة، واكتمال
الفرصة، واكتمال أجل أمة قامت حضارتها على الطغيان والبغي، وأتى موعد الخلاص
للمستضعفين".
وأوضح أن حالة الطغيان لفرعون كانت
وصلت إلى نهايتها، وحالة المستضعفين وصلت أيضاً إلى وضعية مهيئة للفرج، وأصبح
ارتباطهم بموسى -عليه السلام- قوياً إلى درجة أن يستجيبوا له في مسألة الخروج،
فأتى الوحي من الله سبحانه وتعالى إلى موسى، بطريقة الفرج والخلاص، في قوله:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
يعني أن يسري بهم ليلاً، وأن يعد خطة سرية، بحيث يهيئهم لذلك، ويرتب لهم ذلك في
الوقت المناسب، ليكون تحركهم في وقت واحد وفي ليلة واحدة، وأخبره الله أن الأعداء
أيضاً سيكتشفون خروجه ومن معه من المستضعفين، وسيتبعونهم للحاق بهم، ويحاولون أن
يمنعوهم من الخروج".
وأضاف: "نفذ موسى بمعاونة أخيه
هارون -عليهما السلام- الخطة، وتحرك معهم المستضعفون في الوقت المحدد من الليلة
المحددة، ولكن لكثرتهم واختلاطهم بالمجتمع، لم كانوا جزءاً من المجتمع، اتضح ذلك،
وعرف فرعون وملؤه وجنوده بالخبر، ولكن معرفتهم تلك، هي جزء من الخطة الإلهية في
تدبير الله سبحانه وتعالى".
وأردف: "ما إن عرف فرعون بخروج
موسى والمستضعفين وذهابهم ليلاً حتى عمل نفيراً عاماً واستدعى جنوده من مختلف
المدن على الفور، فأرسل في المدائن حاشرين يحشرون الجنود ويستنفرونهم ويحرضون
المجتمع مع ذلك ليكون الجو العام بكله جو تعبئة عامة، مفاده ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ
لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. هذا ما كان يقوله الحاشرون، "هؤلاء" يعني
موسى ومن معهم هم جماعة قليلة متمردة مخالفة، وانفصلت عن المجتمع واتجهت للهروب،
وهي مجموعة قليلة ضعيفة يسهل القضاء عليها، لا تمتلك لا العدد ولا العدة اللازمة
للمواجهة".
وعن ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا
لَغَائِظُونَ﴾، قال: "يعني لا يمكن السكوت عنهم، لقد أغاضونا بالمخالفة
والخروج من حالة الخضوع والاستعباد التي كانوا فيها، ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ
حَاذِرُونَ﴾. يعني في حالة حذر عام، الكل عليه أن يكون في حالة حذر وانتباه
وجهوزية ومبادرة للقضاء عليهم، ومن موقع القوة والاجتماع والكثرة والوحدة، ولن
نغفل عنهم حتى تتحقق أهدافهم، أو يفلتوا من قبضتنا".
مردفاً: "وتحرك الجنود من مختلف
المدن في ذلك النفير العام، ولحقوا بفرعون، وخرج بنفسه مع جيشه وملئه وجنوده، بتلك
النفسية يعني من الاعتداد بما هم فيه من كثرة وقوة وإمكانات، وأيضاً بما هم فيه من
حالة غرور وطغيان وكبر، وكانوا على ثقة تامة بأنهم سيحسمون الموقف لصالحهم، ربما
كان التفكير أن يلحقوا بموسى ومن معه، ويبيدوهم بشكل كامل، وهم ينظرون إلى وضعية
أولئك المستضعفين وإمكاناتهم".
وزاد: "خرجوا وهم لا يتوقعون
أنهم سيسيرون إلى نهايتهم كما يقول الله: ﴿فَأخراجناهم من جنات وعيون﴾، يعني في ما
كانوا فيه من نعمة كبيرة، على ضفاف نهر النيل ببساتينهم ومزارعهم الخضراء النضرة،
ذات المحاصيل الوفيرة من مختلف الثمار والفواكه، وذات المناظر الجميلة لفروع نهر
النيل والعيون المتفرعة التي يتدفق منها الماء إلى تلك البساتين والمزارع،
﴿وَكُنُوزٍ﴾ بما يقتنونه من المدخرات النفيسة من الذهب والفضة واللؤؤ والأحجار
الكريمة والزينة والمعادن الغالية، ومختلف المقتنيات الفاخرة، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾
في قصورهم الضخمة، ومساكنهم الجميلة والواسعة، وأثاثهم المميز، ونمط حياتهم القائم
على الرفاهية والراحة والوفرة كذلك".
وعن ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ﴾ قال: "يعني النعمة فيما بعد التمكين للمستضعفين حظوا بتغير
أحوالهم من حالة البؤس الشديد والفقر المدقع، والعناء والقهر والاستعباد والأشغال
الشاقة جداً، والامتهان في المهن المسترذلة، إلى حياة اجتمع لهم فيها مع العز
والنصر والرفاهية والنعيم بعد التمكين، واستمر ذلك، إلى أنهم اتجهوا بعد ذلك، إلى
الطغيان، وعاقبهم الله".
وفي قوله ﴿فَأَتْبَعُوهُم
مُّشْرِقِينَ﴾ بين بأنه يعني كان الوقت الذي لحق فيه فرعون بموسى ومن معه وقت شروق
الشمس، حيث تمكنوا من اللحاق بهم حتى اقتربوا منهم، وكادوا أن يصلوا إليهم:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾. أي جمع فرعون من الطغاة والجنود والملأ والجيش،
وجمع موسى من أولئك المستضعفين الذين لا يمتلكون العدة اللازمة للقتال، ولا
المستوى النفسي المهيأ للمواجهة، ولا الإمكانات، ولا أي شيء في مستوى المواجهة،
وأن كلاً منهم أصبح يرى الآخر في الوقت الذي وصل فيه موسى ومن معه إلى ساحل البحر.
و ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ
قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قال عنها: "فالبحر أمامهم،
وفرعون وجنوده خلفهم، مع تجربتهم السابقة مع فرعون، وما قد عاشوه من العذاب، وما
عرفوه من طغيانه وجبروته هو وجنوده، فكانوا في حالة خوف شديد ويأس من نجاتهم،
فقبلهم البحر، وفرعون من خلفهم هو وجنوده، لذلك أكدوا هذه العبارة: ﴿إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ﴾. يعني أن فرعون وجنوده سيتمكنون من إدراكهم وإبادتهم".
وعن موقف موسى -عليه السلام- حتى في
تلك اللحظة الحرجة جداً، قال السيد القائد: "كان واثقاً كل الثقة بوعد الله
الحق، حين قال لقومه: ﴿قَالَ كَلَّا﴾. وهو على ثقة تامة بوعد الله أن فرعون وجنوده
مهما حاولوا، فلن يستطيعوا أن يدركوهم، لأن الله قد وعدهم بالنجاة، في قوله:
﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. أي معي ربي، فهو ينصرني على هؤلاء الأعداء،
وهو القادر القاهر الذي يمنع الأعداء من تحقيق أهدافهم، وسيهديني، يعني يدلني على
وسيلة للنجاة، وطريقة للخلاص تجاه ذلك المأزق البحر من أمامهم، والعدو من
خلفهم".
وسيلة النجاة وتفاصيل المشهد الأخير
في هذا السياق يصف السيد القائد قوله
تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ بقوله:
"أن هذه الآية العجيبة التي لم تكن بحسبان فرعون وقومه، ولا بحسبان أولئك
المستضعفين، فكانت وسيلة النجاة العجيبة بقدرة الله وتدبيره، أن يضرب موسى البحر
بعصاه، وضرب البحر بالعصا، وجعل الله من هذه المعجزة العجيبة أن تكون وسيلة للفرج
أيضاً، فانفلق البحر، وانشق إلى قسمين، وانفتحت طريق بينهما بين القسمين من البحر
لعبور موسى ومن معه، فكان كل شطر، يعني من جهتي البحر بعد انفلاقه: ﴿فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ﴾. كالجبل الكبير العظيم في كتلة الماء الكبيرة التي
أمسكها الله بقدرته".
وأضاف: "ثم أرسل الله الرياح
القوية على قاع البحر المكشوف، لتيبسه حتى لا يبقى وحل يصعب المرور منه، وهذا يهيئ
لموسى ومن معه أن يمرا بسرعة، ولهذا في الآية الأخرى يقول سبحانه: ﴿فَاضْرِب
لَّهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾.
معتبراً أنها كانت آية عجيبة، وعظيمة جداً، حين انفلاق البحر بتلك الطريقة، وأنها
من مظاهر قدرة الله الكبرى".
وعن ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ
الْآخَرِينَ﴾ قال: "يعني فرعون وجنوده وملأه قربهم الله، "أزلفنا"
يعني قربنا، مع أن المشهد مشهد يبعث على الرهبة، وعلى مراجعة الحسابات وإعادة
النظر وأخذ العبرة، ولكن الله قد كتب هلاكهم، فاندفعوا للحاق بموسى ومن معهم، بالرغم
من هذه المعجزة الكبيرة العظمى التي شاهدوها بأنفسهم".
وعن قوله سبحانه: ﴿وَأَنجَيْنَا
مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: فقد عبروا من تلك الطريق بأمان، حتى
خرجوا جميعاً من البحر إلى البر، موضحاً أنه في الوقت الذي كانوا قد خرجوا فيه
جميعاً، كانوا يشاهدون فرعون وجنوده، وقد دخلوا جميعاً إلى داخل البحر، هم يحاولون
أن يلحقوا بهم، في تلك الطريق التي فتحها الله من بين الماء.
الطغيان يقود إلى النهاية
وقرب مشهد الحسم بقوله: "حينما
أصبح فرعون وملاؤه وجنوده بين فرقي ماء البحر، أتت اللحظة الحاسمة في تدبير الله
لهلاكهم، فأرجع البحر عليهم: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. فكل كتلة من كتلتي
مياه البحر، التي كانت كل منهما كالجبل العظيم، كالطود العظيم، أطلقها الله عليهم،
فسرعان ما عادت الأمواج الهائلة عليهم، وغرقوا".
وأردف: "ويبين الله في القرآن الكريم كيف كانت اللحظات الأخيرة لفرعون الطاغية المتكبر؟ في قوله سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أي في تلك اللحظة، في أعماق البحر، وقد غمرته الأمواج، زال عنه كل ذلك الكبر والعتو والعناد والطغيان، ولكن بعد فوات الأوان، في لحظة الهلاك، والمؤاخذة الحاسمة، التي لا تقبل فيها التوبة ولا ينفع معها الإيمان"، مذكراً المستكبرين بقوله -يحفظه الله-: "هذا على ما كان عليه فرعون من غرور وتكبر، وهو الذي قال سابقاً يخاطب وزيره هامان، وهو هلك معه أيضاً في البحر: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾. وجد نفسه غارقاً في قعر البحر".
وأشار إلى أن الله رد على فرعون وهو
في البحر يحاول التوبة بقوله سبحانه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ﴾. أي الآن تظن أنه ينفعك الإيمان؟ فاتت الفرصة وفات الأوان، لم يبق
إلا العذاب: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. بعد هلاكه وموته
غرقاً في البحر، نجا الله بدنه الميت، يعني كان قد مات، لكن ذلك الجسم الميت نجاه
الله من الضياع في البحر، ومن أكل الأسماك، وهوام والدواب بالبحر، وقذفه البحر إلى
الساحل ليراه شعبه ومجتمعه، الذي كان يتخذه إلهاً يفرط في تعظيمه، يطيعوه الطاعة
المطلقة، في الباطل، ومن يراه من بعد، أيضاً يرونه جثة ميتة بعد الذي كان فيه من
الطغيان والغرور والتكبر".
وأضاف: "وتحقق الوعد الإلهي
فرعون وهامان وجنودهما وصلوا جميعاً إلى الهلاك وما كانوا يحذرونه، وتحقق انتصار
المستضعفين: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ
مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ
رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. للطغيان نهاية
مهما بلغ في هذه الدنيا مهما كانت إمكانات الطغاة، قدراتهم الهائلة، نفوذهم،
أموالهم، ثرواتهم، تأثيرهم في المجتمع، دعاياتهم، القدرة الإعلامية، كل ما
يمتلكونه، الطغيان يقود إلى النهاية".
رئيس مجلس الشورى: لاريجاني وسليماني نالا وسام الشهادة في معركة الدفاع عن الأمة
المسيرة نت| صنعاء: أكّد رئيس مجلس الشورى، محمد حسين العيدروس، أنّ القائدين الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الدكتور علي لاريجاني، وقائد قوات التعبئة "الباسيج"، العميد غلام رضا سليماني؛ نالا وسام الشهادة وهما يؤديان واجباتهما الجهادية في معركة الدفاع عن الأمة جمعاء.
عامر: تصعيد العدوان على إيران يكشف رهانات فاشلة لواشنطن ومحاولاتها البائسة لإعادة تشكيل المنطقة
المسيرة نت | خاص: يؤكد خبراء سياسيون فشل العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية إيران، مشيرين إلى أن عملية الوعد الصادق 4 أثبتت قدرة الحرس الثوري الإيراني في الردع الاستراتيجي، وبما يؤثر على الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
عامر: تصعيد العدوان على إيران يكشف رهانات فاشلة لواشنطن ومحاولاتها البائسة لإعادة تشكيل المنطقة
المسيرة نت | خاص: يؤكد خبراء سياسيون فشل العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية إيران، مشيرين إلى أن عملية الوعد الصادق 4 أثبتت قدرة الحرس الثوري الإيراني في الردع الاستراتيجي، وبما يؤثر على الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.-
08:06وكالة بلومبيرغ الأمريكية: ارتفاع العقود الآجلة للغاز في أمريكا بنسبة 6.3% في بداية تداولات اليوم الخميس
-
07:08هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية: إصابة سفينة في حادث على بعد 4 أميال بحرية شرق رأس لفان بقطر
-
07:08إعلام العدو: صافر ات الإنذار تدوي في "مستوطنات" الجليل الأعلى وتوجيهات بالدخول فوراً إلى الملاجئ
-
06:13حزب الله: استهدفنا مغتصبة "كريات شمونة" للمرة الثالثة بصلية صاروخية
-
05:56إعلام العدو: انفجارات كبيرة شمال "إسرائيل" جراء هجوم صاروخي إيراني
-
05:56حزب الله: استهدفنا مغتصبة "كريات شمونة" للمرة الثانية بصلية صاروخية