التقوى الإدارية (4) رحلة التآكل الصامت للنزاهة المؤسسية
كيف يفقد المواطن ثقتَه بمؤسسة تبدو ناجحة على الورق؟ وكيف يتحول موظف بدأ عمله بالالتزام والحماس إلى موظف يكتفي بالحد الأدنى من الأداء؟
الإجَابَة لا تكمن في خطأ واحد أَو قرار
مفاجئ، بل في رحلة تآكل صامتة تبدأ بتجاوزات صغيرة ثم تمتد تدريجيًّا حتى تصيب
ثقافة المؤسّسة وقيمها.
فالتقوى الإدارية لا تنهار دفعة
واحدة، بل تضعف عندما تنفصل القيم عن الممارسة وتتحول الأنظمة إلى مُجَـرّد شكليات.
في هذا المقال، نستعرض ست علامات
رئيسية تكشف أن هذا التآكل قد بدأ بالفعل.
1. عندما يضعف الوازع الديني
والرقابة الذاتية:
لماذا يلتزم بعض الموظفين بواجباتهم
حتى في غياب الرقابة، بينما لا يتردّد آخرون في مخالفة الأنظمة عندما تسنح لهم
الفرصة؟ الإجَابَة تبدأ من الرقابة الذاتية التي تدفع الإنسان إلى فعل الصواب حتى
عندما لا يراه أحد.
وقبل أي سبب تنظيمي أَو إداري، يُعد
ضعف الوازع الديني وتراجع الرقابة الذاتية "الغفلة" من أبرز أسباب تآكل
التقوى الإدارية؛ لأن الأنظمة مهما بلغت دقتها لا تستطيع مراقبة كُـلّ تصرف أَو محاسبة
النوايا قبل الأفعال.
فعندما يضعف استشعار المسؤولية أمام
الله تعالى، يتحول الالتزام من قناعة داخلية إلى مظهر شكلي، ويصبح الاهتمام
بالصورة الوظيفية أكبر من الاهتمام بخدمة الناس وتحقيق أهداف المؤسّسة.
وقد جعل القرآن الكريم التقوى أَسَاسًا
للاستقامة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ﴾ آل عمران: 102.
ولا يقتصر أثر ذلك على الموظف وحده، بل
ينعكس على المواطن أَيْـضًا، فالتأخير والإهمال وضعف الاهتمام بمصالح الناس تبدأ غالبًا
عندما يفقد الموظف شعوره بأن وظيفته أمانة ومسؤولية قبل أن تكون راتبًا أَو منصبًا.
الخلاصة: تبدأ التقوى الإدارية
بالتآكل عندما يغيب الرقيب الداخلي، حتى لو بقيت الأنظمة واللوائح قائمة.
لكن ضعف الوازع الديني وحده لا يفسر
هذا التآكل، فهناك عوامل تنظيمية وثقافية أُخرى تسهم فيه، من أبرزها:
2. عندما يعتمد العمل على الأشخاص
لا على النظام
هل شعرت يومًا أن إنجاز معاملتك
يعتمد على الموظف الذي يقابلك؟ أَو أن طلبًا رُفض اليوم وقُبل بالأمس دون سبب
واضح؟ يحدث ذلك غالبًا عندما تغيب اللوائح والأدلة الإجرائية الواضحة.
ففي غياب لوائح تحدّد المسؤوليات والإجراءات
والضوابط..
وغيرها، تتسع مساحة الاجتهادات
الشخصية والمزاجية الإدارية.
فاللوائح الغامضة أَو الضعيفة قد
تفتح المجال لممارسات غير عادلة، وتجعل الحقوق خاضعة لتفسير الأفراد أكثر من
خضوعها للقواعد المنظمة.
أما وضوح الإجراءات فيحمي الموظف
النزيه من الضغوط، ويمنح المواطن فرصة متكافئة للحصول على حقه دون عناء، ويعزز
الثقة بعدالة المؤسّسة.
كما أن غياب الأدلة الواضحة يجعل
العمل معتمدًا على الأشخاص لا على النظام، فإذا غاب موظف أَو انتقل إلى موقع آخر تعطلت
بعض الإجراءات أَو تغيرت طريقة تنفيذها، لأن المعرفة لم تُحفظ في إطار مؤسّسي واضح.
ومع ذلك، فإن وجود اللوائح وأدلة
العمل وحده لا يصنع التقوى الإدارية، لكنه يظل ضرورة لا غنى عنها، لأنه يحدّد ما
هو صحيح وما هو مخالف ويوفر أَسَاسًا للمساءلة والمحاسبة.
أما في غيابها فتختلط المسؤوليات
وتتسع مساحة التبرير ويصعب التمييز بين الخطأ والصواب.
3. عندما تنشغل المؤسّسة
بالشكليات أكثر من خدمة الناس وتحقيق الحوكمة:
هل سبق أن راجعت مؤسّسة فوجدت الموظف
منشغلًا بالأوراق والنماذج بينما ينتظر المراجعون لساعات؟ أَو رأيت تقارير وإنجازات
تُنشر باستمرار، بينما لا يلمس المواطن أي تحسن حقيقي في الخدمة؟ هذه إحدى علامات
تراجع التقوى الإدارية، عندما تنشغل المؤسّسة بالشكل وتنسى هدفها الأَسَاسي: خدمة
الناس.
فعندما تصبح الأولوية للاجتماعات
والتقارير والإجراءات أكثر من حَـلّ المشكلات وتحسين الخدمات، قد تبدو المؤسّسة
ناجحة على الورق، لكن المواطن لا يرى ذلك في الواقع، ويضطر أحيانًا إلى مراجعتها
مرات عديدة لإنجاز معاملة يفترض أن تُنجز بسهولة.
ومن أخطر المؤشرات تحوّل الوظيفة من
واجب إلى "مِنّة"، حَيثُ يتعامل الموظف مع حقوق الناس كفضل شخصي، والحقيقة
أن الوظيفة العامة مسؤولية لخدمة المواطن لا امتيَازا للتعالي عليه، فهو لا يطلب
معروفًا بل حقًا كفله القانون.
كما يؤدي تعقيد الإجراءات وغموض
اللوائح إلى تكريس المزاجية والوساطة، مما يقوض كفاءة المؤسّسة ويزعزع ثقة المواطن
في عدالة وحيادية قراراتها.
وبالتالي قد تحقّق المؤسّسة نجاحًا
ورقيًّا كاملًا وتفشل واقعيًّا، وذلك حين تركز مؤشراتها على قياس الجهد (كمية
المعاملات) بدلًا من النتيجة (رضا المستفيد)، فتتحول إلى آلة بيروقراطية تنتج
تقارير لا خدمات.
4. عندما تصبح المحاسبة شكلية
والعقوبة غير رادعة:
هل سبق أن سمعت عن موظف ارتكب مخالفة
واضحة ولم يتعرض للمحاسبة؟ أَو رأيت شخصًا يحصل على مزايا أَو ترقية رغم كثرة
الشكاوى عليه؟ عندما تتكرّر مثل هذه المواقف، يبدأ الناس بالتساؤل: هل تُطبق الأنظمة
على الجميع بالقدر نفسه؟
فالنظام الذي لا يحمي النزيه ولا
يحاسب المسيء يفتح الباب أمام الفساد الإداري.
فالمساءلة الحقيقية لا تعني وجود
لجان وتقارير رقابية فحسب، بل تعني عدالة المحاسبة وسرعتها وحتمية العقوبة.
وعندما يدرك الموظف أن المخالفات
يمكن تجاوزها أَو أن مكاسبها أكبر من عقوبتها، يصبح الالتزام بالأنظمة في نظر
البعض أمرًا اختياريًّا.
كما أن تجاهل المخالفات أَو مكافأة
صاحب النفوذ رغم تجاوزه يبعث برسالة سلبية مفادها أن النزاهة والاجتهاد ليسا
الطريق الوحيد للنجاح، مما يضعف الحافز ويغذي اللامبالاة بين العاملين.
وتفقد الرقابة قيمتها عندما تتحول
إلى إجراء شكلي يمكن الاستعداد له مسبقًا، فتصبح وسيلة لإظهار الترتيب المؤقت أكثر
من كونها أدَاة لاكتشاف الخلل ومعالجته.
كما قد يبدأ التآكل بفقدان الأمل في
التغيير، فحين تُجابه المبادرات بالتجاهل والجهد بعدم التقدير، ينطفئ الحماس
ويتحول إلى لامبالاة، ويصبح الاكتفاء بالحد الأدنى وسيلةً للتكيف مع واقع يفتقر
للتحفيز والعدالة.
5. عندما يفقد القادة دورهم كقُدوة:
هل سبق أن رأيت مديرًا يطلب من
الموظفين الالتزام بالأنظمة واللوائح بينما يخالفها هو؟ أَو يتحدث عن العدالة
والمساواة ثم يمنح الفرص والمزايا للمقربين منه؟ مثل هذه المواقف قد تبدو بسيطة، لكنها
من أسرع الطرق التي تؤدي إلى تآكل التقوى الإدارية داخل أي مؤسّسة.
ويبدأ الخلل في كثير من المؤسّسات من
سوء اختيار القيادات والمديرين، فالقائد لا يدير العمل فقط، بل يشكل ثقافة المؤسّسة
ويوجه سلوك العاملين فيها، فالموظفون يتعلمون من سلوك قادتهم أكثر من تعليماتهم، وعندما
يرون أن النظام يُطبق بانتقائية وأن العلاقات تتقدم على الكفاءة، تتراجع ثقتهم
بعدالة المؤسّسة وجدوى الالتزام بالأنظمة.
ولذلك فإن اختيار الشخص غير المناسب للموقع
القيادي قد يكون بداية لسلسلة من المشكلات التي تمتد إلى مختلف مستويات المؤسّسة.
وتمتد آثار ازدواجية المعايير وتضارب
المصالح إلى المؤسّسة والمواطن معًا، عندما تتقدم العلاقات والنفوذ على الكفاءة
والاستحقاق.
فالقائد لا يصنع ثقافة المؤسّسة بما
يقوله، بل بما يمارسه من عدالة ونزاهة والتزام، لأن سلوكه هو الرسالة الأقوى التي
يتعلم منها الموظفون.
فحين تُساوي المؤسّسة بين العامل
الكسول والمجتهد، وتُقدّم الولاء الشخصي على الجهد الحقيقي، فإنها ترسل رسالة
واضحة: الموت الوظيفي أهون من الإبداع.
وعندها تتحول الأمانة إلى حمل ثقيل، ويصبح
الانحراف الصغير هو الطريق الآمن للاستمرار.
6. عندما يصبح الخطأ أمرًا عاديًّا
ويخاف الشرفاء من الكلام:
هل سبق أن سمعت عبارة: اترك الأمور
كما هي، فالجميع يفعل ذلك؟ لا تدخل نفسك في مشاكل؟ كثير من حالات الانهيار الإداري
لا تبدأ بفساد كبير، بل بتجاوزات صغيرة يتسامح معها الناس حتى تصبح أمرًا عاديًّا داخل
المؤسّسة.
فمع تكرار المجاملات غير المبرّرة
وتأجيل الأعمال وتجاوز الإجراءات دون محاسبة، تتحول الأخطاء الفردية تدريجيًّا إلى
ثقافة مقبولة، حتى يصبح الموظف الملتزم استثناء بدلًا من أن يكون القاعدة، ويُنظر
إليه أحيانًا على أنه غريب ومعرقل لسير الأمور لا حارس للنظام.
وعندها يجد الموظف النزيه نفسه أمام
خيارات صعبة: إما الانسحاب والتهميش، أَو التكيف مع الواقع بالتنازل عن بعض قيمه
ووازعه الديني، أَو خوض مواجهة مُستمرّة تستنزف طاقته دون أن تضمن تغييرًا حقيقيًّا.
كما تتراجع التقوى الإدارية عندما
يخشى الموظفون الإبلاغ عن الأخطاء أَو الفساد خوفًا من الانتقام الناعم (بنقله إلى
مكان بعيد، أَو حرمانه من الترقيات، أَو تعرضه للمضايقات،..)، هذه أساليب أشد
فتكًا من الفصل المباشر، لأنها تترك المبلغ في حالة من الإحباط الصامت.
فوجود أنظمة للإبلاغ لا يكفي ما لم
تقترن بحماية حقيقية للمبلغين، لأن الصمت تجاه التجاوزات غالبًا ما يُفسَّر على
أنه قبول بها.
ويزداد الأمر خطورة عندما تنشغل المؤسّسة
بإخفاء الأخطاء أَو تجميل الواقع بدلًا من معالجته، أَو عندما تتداخل المصالح
الشخصية والعائلية مع القرارات الوظيفية.
فعندها تتراجع الموضوعية وتضعف الثقة
بعدالة المؤسّسة، وتبدأ قيم النزاهة بالتآكل من الداخل، حتى وإن ظلت الأنظمة
واللوائح قائمة على الورق.
خلاصة الانهيار: مثلث الفساد الإداري:
هل يولد الفساد الإداري فجأة؟ في
الغالب لا.
فمعظم حالات الانحراف تبدأ عندما
تجتمع ثلاثة عوامل في الوقت نفسه: مبرّر يقنع به الموظف نفسه، وفرصة تسمح بالتجاوز،
وضغط يدفع إليه.
المبرّر: مثل أن يقول الموظف لنفسه:
أنا لا أخذ حقي، الرواتب ضعيفة، أَو الجميع يفعل ذلك، أَو المؤسّسة لا تقدر جهدي،..
الفرصة: مثل غياب الرقابة الفاعلة، أَو
غموض بعض الإجراءات، أَو وجود ثغرات تسمح بتمرير التجاوزات دون اكتشافها،..
الضغط: مثل الحاجة المالية، أَو الضغوط
الاجتماعية والعائلية، أَو الرغبة في إرضاء أصحاب النفوذ والمعارف،..
وفي النهاية، لا يمثل انهيار التقوى
الإدارية مُجَـرّد ضعف في الرقابة أَو قصورًا في الأنظمة، بل تآكلًا تدريجيًّا في
العلاقة الأخلاقية بين الموظف والمؤسّسة.
فالتقوى الإدارية لا تنهار في يوم
واحد، بل تتآكل بصمت مع كُـلّ تجاوز يُبرّر، وكل خطأ يُتجاهل، وكل حق يُؤخر، حتى
تجد المؤسّسة نفسها وقد فقدت جزءًا من ثقة موظفيها ومواطنيها.
ولكن هذا التآكل ليس قدرًا محتومًا، فكما
يمكن أن يحدث تدريجيًّا، يمكن أَيْـضًا إيقافه وإعادة بناء النزاهة من جديد.
ولعل المواطن هو المرآة الحقيقية
للتقوى المؤسّسية، لا التقارير التي تُكتب ولا الشهادات والشعارات التي تُعلّق على
الجدران.
فإذا أردت أن تقيس مستوى النزاهة
والعدالة (التقوى الإدارية) في أي مؤسّسة، فانظر إليها بعين المواطن لا بعين
المسؤول، فهناك تظهر حقيقة الإجراءات، وتُختبر القيم، ويتجلى أثرها في الواقع.
ويبقى السؤال الأهم: إذَا كانت
التقوى الإدارية يمكن أن تنهار بهذه الصورة، فكيف يمكن بناء مناعة مؤسّسية تحميها؟
وكيف يمكن تحويل الرقابة الذاتية والنزاهة والعدالة من شعارات مكتوبة إلى ثقافة
يومية يعيشها الموظف ويلمسها المواطن؟
إن تحويل "التقوى الإدارية"
من مُجَـرّد وازع ضمير يسكن قلوب أفراد قلائل إلى نظام بيئي متكامل يحمي المؤسّسة،
هو التحدي الأكبر في الإدارة الحديثة.
هذا التحول يتطلب الانتقال من "أخلاق
الفرد" إلى "هندسة القيم".
هذا ما سنناقشه إن شاء الله في المقال القادم، ختام سلسلة "التقوى الإدارية".
القوات المسلحة اليمنية تطلق دفعة صاروخية على يافا المحتلة وتعلن حظر الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر
المسيرة نت | خاص: أعلنت القوات المسلحة اليمنية، اليوم الإثنين، تنفيذ عملية عسكرية استهدفت أهدافًا حساسة تابعة للكيان الصهيوني في منطقة يافا، مؤكدة أن العملية نُفذت باستخدام دفعة صاروخية، وأنها حققت أهدافها "بدقة".
حماس والجهاد تثمنان العمليات اليمنية والإيرانية على كيان العدو الصهيوني
متابعات | المسيرة نت: ثمنت حركتا المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي الرد الإيراني واليمني على كيان العدو الإسرائيلي وما ارتكبه من جرائم بحق لبنان وشعبه.
سياسيون وعسكريون: عمليات اليمن وإيران تترجم "وحدة الساحات" وتضع الكيان في مأزق تاريخي
المسيرة نت| محمد ناصر حتروش: تشهد المنطقة تصعيدًا لافتًا بعد تنفيذ القوات المسلحة اليمنية، صباح اليوم، عملية عسكرية نوعية استهدفت مواقعًا حساسة في يافا بفلسطين المحتلة، معلنة تحقيق أهدافها بنجاح.-
17:08إعلام العدو: صفارات الإنذار تدوي في "زرعيت" بالجليل الغربي
-
16:45حزب الله: استهدفنا تجمّعًا لآليّات وجنود العدوّ الإسرائيليّ في الأطراف الجنوبيّة الشرقيّة لبلدة يحمر الشقيف بمسيّرة انقضاضيّة
-
16:44حزب الله: استهدفنا تجمّعًا لآليّات وجنود العدوّ الإسرائيليّ في أطراف بلدة الطيري بمسيّرة انقضاضيّة
-
16:39حزب الله: قصفنا تجمّعًا لقوات العدوّ الإسرائيليّ في بلدة الناقورة بسربٍ من المسيّرات الانقضاضيّة
-
16:39مصادر فلسطينية: قوات العدو تقتحم منطقتي التعاون ونابلس الجديدة في مدينة نابلس
-
16:39مصادر فلسطينية: زوارق العدو الحربية تطلق نيرانها في بحر مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة