• العنوان:
    لماذا يخشى جنرالات البنتاغون من مقامرة حرب ترامب ضد إيران؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت| إبراهيم العنسي: يمارس فريق ترامب لغة الصفقات ومطالب الاستسلام، فيما تقبع الحقيقة في غرف العمليات المظلمة بالبنتاغون، حيث يسود الكثير من القلق والكثير من الحذر.
  • كلمات مفتاحية:

خلف الستار، لم تعد "العصا الأمريكية" صلبة كما كانت؛ فالتحذيرات العسكرية التي تلقاها ترامب مؤخراً من رئيس أركان قواته المسلحة "دان كين" لم تكن مجرد نصيحة، بقدر ما كانت صرخة استغاثة لمنع انتحار استراتيجي أمريكي في مياه الخليج أمام إيران.

لغز "ترايتون" المفقودة

قبل يومين وفي 22 فبراير 2026 تحديدًا، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ اختفاء طائرة الاستطلاع الأمريكية الأحدث عالمياً MQ-4C Triton فوق مياه الخليج بعد إرسال إشارة استغاثة غامضة، و هذه الطائرة، التي تبلغ تكلفتها مئات الملايين وتعد "عين واشنطن" التي لا تنام، لم تسقط بصاروخ تقليدي، بل يرجح الخبراء تعرضها لـ "خطف إلكتروني" أو نبضة كهرومغناطيسية شلّت أعصابها التقنية.

هذا الاختفاء أرسل رسالة رعب للقادة الأمريكيين تقول إن "إيران لم تعد تكتفي بإسقاط الطائرات، وإنما باتت قادرة على إخفائها من الرادار ومن الوجود الرقمي". وفكرة أن الطائرة الأحدث عالمياً تُختطف إلكترونياً هي رسالة صاعقة بأن التفوق التكنولوجي الأمريكي لم يعد "درعاً" يحمي القوات، فقد تحول إلى "ثغرة" قاتلة يمكن من خلالها شل مفاصل القوة العظمى وتحويل فخر صناعتها إلى جسم محايد بحاجة للبحث عنه.

 وإذا تمكنت إيران من "إخفاء" أو "خطف" طائرة الاستطلاع (ترايتون)، فهي بذلك قد قطعت "الجهاز العصبي" لطائرات F-35 فالطائرة الشبحية بدون بيانات خارجية تصبح مجرد طائرة صماء تطير في المجهول، وهذا المؤشر المسبق للتطور الإيراني في الحرب الإلكترونية هو ثمرة مزيج "تقني" مع تكنولوجيا صينية روسية يمكن أن تحويل سماء المنطقة إلى فخ لمنظومات القيادة والسيطرة الأمريكية.

"جيرالد فورد".. عملاق شبه منهك

وبينما يلوح ترامب بحاملات الطائرات كرمز للقوة المطلقة، تعيش الحاملة الأحدث والأغلى في التاريخ، يو إس إس جيرالد فورد، حالة من "العجز" التنظيمي، فالتقارير المسربة عن أعطال كارثية في منظومات الصرف الصحي، وإنهاك الطواقم التي تهدد بالاستقالة الجماعية وعدم تجديد عقود عملها بعد تمديد مهامها للمرة الثانية، تكشف عن "جيش منهك" يعاني تآكلًا داخليًا.

وفي هذا الصدد، تشير البيانات المسربة إلى واقع مأساوي يعيشه أفراد الطاقم؛ حيث يستهلك البحارة جزءاً ضخماً من وقتهم في أعمال صيانة بدائية لأعطال تقنية متكررة في المصاعد الكهرومغناطيسية ومنظومات الخدمات الأساسية، ويضطرون لقضاء ساعات في "انتظار الدور" لاستخدام المرافق المعطلة بما فيها المراحيض، ما يخلق حالة من الاحتقان النفسي والانهيار في الانضباط.

الحاملة "فورد" التي يفترض أنها "طوطم" السيادة الأمريكية، هي اليوم عبئ لوجستي كما أظهرت ذلك المواجهات مع اليمن؛ فالبحارة الذين يقضون 11 شهراً في البحر دون صيانة كافية لمنصاتهم هم الحلقة الأضعف في أي مواجهة شاملة، والبنتاغون يدرك أن إرسال "فورد" إلى مضيق هرمز ليس استعراضاً للقوة، بل هو مقامرة بـ 13 مليار دولار و4500 جندي قد يصبحون لقمة سائغة للصواريخ الفرط صوتية الإيرانية.

سيناريو "يوم القيامة".. إغراق الرمز

السيناريو المرعب لدى القادة العسكريين الأمريكيين يتمحور حول ماذا لو فكرت إيران ثم نجحت في إغراق حاملة الطائرات؟ إن سقوط "رمز القوة" الأمريكية يعني ضرب هالة القوة التي استمرت لعقود طويلة في مقتل، فمشهد غرق حاملة طائرات وعلى متنها 80 طائرة وأكثر من 4000 بحار هو "بيرل هاربر" جديدة ستدفع ترامب إما إلى الانتحار السياسي بعزله السريع عن الحكم أو الجنون النووي وهذا يعني اندلاع حرب واسعة ربما عالمية.

ومع السيناريو الأقل حدة، في حال تعطيل هذه الحاملات بضرب سطح الإقلاع وأنظمة الإقلاع الكهرومغناطيسي وضرب المنظومات المحمولة على متنها، فهذا معناه أن "جيرالد فورد" و"لينكولن" ستصبح كـ "توابيت فولاذية" عملاقة، تمتلك كل أدوات القوة وتفتقر لروح الحركة، لتتحول الطائرات على متنها إلى مجرد مجسمات للعرض، ويصبح البحارة مجرد رهائن. 

وهذا من الناحية العسكرية يعني تحييد نفوذ واشنطن البحري في المحيطات من تلك اللحظة. ومن الناحية السيكولوجية تعزيز انكسار هيبة "القوة العظمى" أمام شعوب العالم، وقد بدأ ذلك الانكسار المباشر للقوة البحرية بالفعل في العدوان البحري على اليمن.

ومن المهم الأخذ في الاعتبار أن إيران اليوم لا تهدد بـ "زوارق سريعة" فقط، فهناك صواريخ "نور" و"خليج فارس" المطورة تقنياً وذات الانقضاض العمودي والتي هي من الركائز الأساسية في استراتيجية "منع الوصول" الإيرانية، وهما يمثلان جيلين مختلفين من التقنيات الصاروخية التي تهدف لتحييد القطع البحرية الكبرى مثل حاملات الطائرات والمدمرات، والقادرة على اختراق دروع الحماية الأحدث وتحويل "فورد" إلى مقبرة عائمة.

الاستنزاف الأمريكي والمد الشرقي

وفي خضم هذا التحدي تتخوف واشنطن من خوض حرب استنزاف تحمل احتمالات الخسارة؛ فبينما تحرق أمريكا مخزوناتها من الصواريخ الاعتراضية (التي تكلف الملايين) لإسقاط مسيرات إيرانية (تكلف الآلاف)، تواصل بكين وموسكو تزويد طهران بـ "مضاعفات القوة"، وهو ما حذر منه رئيس أركان الجيش الأمريكي بمرارة؛ فالحرب مع إيران لن تكون "خاطفة" أو "نظيفة" كما يهوى ترامب لتمرير صفقاته، وإنما ستتحول إلى "ثقب أسود" تقني ومالي يبتلع كل المخزون الاستراتيجي الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية الغالية لصالح مسيرات وصواريخ إيرانية رخيصة التكلفة ولكنها فتاكة وعالية التأثير، ثم إن حرب فيتنام، وأفغانستان والعراق بمآسيها وكوارثها للأمريكان ما تزال ماثلة أمام عيني تاجر البيت الأبيض ترامب في وقت كانت القوة الأمريكية لا تجارى وتحالفاتها لا تتوقف على عكس ماهي عليه اليوم.

والحقيقة التي يهرب منها ترامب وبعض فريقه أن أمريكا تعيش حالة وضع صعب ما بين استمرار الهيمنة والرضوخ للواقع، فالقوات الأمريكية شبه منهكة وغير متحمسة لحرب صهيونية، والتكنولوجيا الأحدث تسقط بصمت، والرموز البحرية الكبرى تعاني من الصدأ والتمرد الداخلي، والحرب القادمة، إذا وقعت، ستكون الجنازة الرسمية للهيمنة الأمريكية.، والقادة العسكريون يعرفون أن طهران لا تدافع عن نفسها بمفردها، وإنما هي رأس حربة لمشروع عالمي جديد يسعى لدفن "العجوز الأمريكي" في مياه الخليج الدافئة.