• العنوان:
    لماذا يستهدف الإعلام العربي قيم الإيمان والعفة في شهر رمضان؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت| عباس القاعدي: تواجه الشعوب العربية والإسلامية اليوم واحدة من أخطر مراحل "التذويب" الممنهج لهويتها؛ فما كان يُدار بالأمس في غرف الاستخبارات المغلقة، أضحى اليوم مشروعاً علنياً تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بأدوات ناعمة وفتاكة، وعبر ترسانة إعلامية تضم عشرات القنوات العربية التي تبث "الأمركة" في السلوك والقيم والعادات على مدار الساعة.

ويأتي ذلك مقابل تغييب متعمد للهوية العربية والإسلامية، وتشويهها، وصولًا إلى تدميرها بشكل واضح، وبمشاركة فاعلة من أنظمة وحكومات الخيانة والعمالة في المنطقة، وفي ظل غياب تام لدور المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية، التي حولها التيار الوهابي من دورها الحقيقي إلى أداة لخدمة المشروع الصهيوني.

ولم يقف الأمر عند الشاشات التقليدية، بل تجاوزها إلى "خوارزميات" وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تعمل كأدوات اختراق نفسي لخدمة المشروع الصهيوني، وأجندات الهيمنة والسيطرة، محولةً الفضاء الرقمي إلى ساحة لإعادة هندسة وعي الشعوب وتفتيت روابطها الإسلامية والتاريخية.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال الجوهري بإلحاح: ما حجم التأثير النفسي والفكري لهذه الحرب الثقافية على بناء الفرد العربي، وعلى وعيه وانتمائه وهويته؟ وهل تنشأ الأجيال القادمة وهي تحمل تاريخ أمتها، وحضارتها، ولغتها، وقيمها، أم يجري سلخها تدريجيًا عن كل ذلك لتتحول إلى كيان مشوه ومفرغ من هويته؟ أم أن هذا التحول قد بدأ فعليًا؟ وما الذي يمكن أن تؤول إليه حال الأمة إذا استمر هذا المسار التخريبي عقدًا أو عقدين من الزمن؟

ومن خلال المشهد السابق، فإن ما يميّز إنسانًا عن آخر، ومجتمعًا عن آخر، هو امتلاكه للهوية؛ لأن الإنسان بلا هوية، والمجتمع بلا هوية، يعني أنه بلا شخصية، وبلا رؤية، وبلا هدف في هذه الحياة، وهذا هو معنى الضياع والتيه، الذي يسعى الأعداء إلى إيقاع المجتمعات والشعوب العربية والإسلامية فيه، حتى تصبح فاقدة لمعنى وجودها في هذه الحياة.

هذا جانبٌ من دور بعض وسائل الإعلام في استهداف قيم وآداب وأخلاق المجتمعات والشعوب العربية والإسلامية، لا سيما في شهر رمضان، الذي يُعدّ محطةً روحيةً إيمانيةً استثنائية، ترتبط بوجدان المجتمع العربي والمسلم، وله خصوصيةٌ مميّزة.

ورمضان في وعي الفرد المسلم هو شهر التوبة، وشهر العبادة، وشهر التقرب إلى الله، وشهر الإحسان والتكافل، واستشعار معاناة الآخرين، والسعي لإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، وغيرها من القيم والآداب والأخلاق الإسلامية والقرآنية.

ولذلك كان تركيز معسكر الشيطان على شهر رمضان، وعلى هذا الموسم تحديدًا، تركيزًا كبيرًا جدًا؛ فالشياطين، وهم يسعون لإضلال الإنسان وإسقاطه والسيطرة عليه، يبذلون جهودًا طوال العام، لكن ما يزعجهم ويقلقهم بشدة هو وجود محطة إيمانية ربانية سنوية يمكن أن تُجهِض جهودهم خلال عامٍ كامل.

وذلك لأن ارتباط المسلم بربه في هذه المحطة الرمضانية يكون أقوى وأكثر حضورًا من أي وقتٍ آخر، وبالتالي فإن اليهود والشياطين يدركون تمامًا ما يمثله شهر رمضان بالنسبة للمجتمع المسلم، فسعوا ولا يزالون يسعون لإفساد هذه المحطة الإيمانية، من خلال جهود مكثفة، وبأساليب مركزة ومخصصة لشهر رمضان.

وبفعل الإعلام التافه والهابط، تختفي لدى البعض قيم المروءة والرجولة، في مشهد يكشف عن حجم الخطورة التي يمثلها الإعلام حين يُترك بلا رقابة، وبلا ضوابط، وبلا أي تقنين، ولا سيما حين يتحول هذا الانفلات إلى هدف مقصود للأعداء عبر إعلام موجَّه ومدروس.

وعند متابعة ما يطرحه المختصون حول خطورة السياسات الإعلامية للأعداء وآثارها التدميرية، تتجلى صورة مغايرة في اليمن، حيث يبرز المشروع القرآني كحالة وعي ومواجهة، تتجسد في ما يحييه أبناء الشعب اليمني من مناسبات، وفي اهتمامهم المتواصل بالهوية الإيمانية، والبرامج الثقافية والفكرية والتوعوية على مدار العام، وبصورة أخص في شهر رمضان المبارك، ويبدأ ذلك بالتهيئة الواعية لهذا الشهر، ثم بالبرامج الرمضانية اليومية التي تكتسب زخمًا واسعًا وتأثيرًا كبيرًا، في ظل حالة استنفار مجتمعي شامل للأنشطة القرآنية والتربوية والثقافية والإيمانية.

وما يقوم به الشعب اليمني في هذا الشهر الفضيل، وفي غيره من الشهور، يمثّل السلاح الحقيقي في مواجهة عاصفة الغزو الثقافي والإعلامي الغربي، ومعه إعلام النفاق العربي، الذي يقف عاجزًا ومشلولًا أمام الحصن القرآني الإيماني، غير قادر على اختراقه أو التأثير فيه.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى حركة ثقافية عربية واسعة وبزخم كبير، تنتزع زمام المبادرة من الأعداء، وتتحرك بقوة في الاتجاه المعاكس، في مختلف المناسبات، وفي كل الأوقات، ولدى جميع الشرائح. حركة تصنع نهضة ثقافية وعودة إيمانية حقيقية، تهزم رياح الأعداء، وتتصدى لمشاريعهم، وتفضح خبثهم وإجرامهم، وتعيد للمجتمع العربي ثقته بنفسه، وتقدّم النموذج الأصيل والنقي، وتجدّد ارتباط الأمة بدينها وهويتها، لا سيما في أقدس الشهور، شهر رمضان المبارك.

إن الدور الثقافي والحضاري الذي يقوم به الشعب اليمني اليوم نيابة عن الأمة العربية والإسلامية، مقدّمًا النموذج والقدوة والتجربة الحيّة أمام أحرار الأمة، الذين بات كثير منهم يشعر باليأس والهزيمة أمام المدّ الإلحادي الغربي، المفروض على المجتمعات العربية والإسلامية عبر الإعلام ووسائل التأثير المختلفة.

وتتمثل أهداف الحروب الناعمة والإعلامية، في مرحلتها الأولى، في استهداف أقدس المناسبات لدى المسلمين، وعلى رأسها شهر رمضان المبارك، بوصفه محطة إيمانية وروحية مركزية في حياة المجتمع المسلم، أما الهدف الثاني، فيكمن في نشر التفاهة وتوسيع دائرتها داخل المجتمع، بما يؤدي إلى انحطاط الهمم، وتدنّي الغايات والطموحات، الأمر الذي يسهّل على الأعداء التحكم بالمجتمعات والسيطرة عليها.

ويتجلّى هذا الاستهداف في العمل على محاربة النجاح والإبداع الحقيقي، وتهميش قيم الإنتاج والإنجاز في مختلف المجالات والتخصصات، ودفع الشباب نحو الانحراف والسقوط الأخلاقي والقيمي، تحت وهم الوصول إلى الشهرة السريعة والزائفة والربح السهل، عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يحوّل التفاهة والسفالة إلى أدوات للسيطرة والتوجيه.

فعلاً، لقد أصبحنا في عصر التفاهة والتافهين، حيث صار التافه في ثقافة اليوم نجمًا وناجحًا وقدوةً ومثالاً يُحتذى، حتى صارت القاعدة عند البعض: «كن تافهًا، تُصبح نجمًا»، وبالتالي، أصبح لدى الكثيرون طموحًا، بأن يكونون في موقع ذلك التافه الذي حقق الشهرة والربح بسهولة، والمجتمع بدوره يسهم في صناعة التافهين وترميزهم، فتتسع بذلك قاعدة التفاهة والتافهين.

وفي المقابل، من يتحلى بالجدية، ويعمل بجد للتميز في المجالات العلمية والعملية والإنسانية، يجد نفسه في الهامش، بعيدًا عن الاهتمام والتشجيع، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الانحطاط ويسرع سقوط المجتمعات تحت أقدام أعدائها، وعلى رأسهم اليهود وأصحاب جزيرة إبستين، الذين يسعون لنشر الإلحاد وعبادة الشيطان بدل الإيمان، وعبادة الله سبحانه وتعالى.

وفي شهر رمضان، يستهدف أعداء القيم والهوية الإسلامية هذا الموسم السنوي المبارك، في محاولة لتحويله من شهر العبادة والتقوى والإحسان والجهاد، إلى فترة تُساق نحو التفاهة والفساد الأخلاقي، وشهر للاستهلاك والعيش بلا هدف سوى المتعة الزائفة والترفيه الشاذ، وليس الترفيه البناء الذي يعزز القيم.

فالراحة والترويح عن النفس حاجة بشرية، لكنها يجب أن تُمارس بطرق تحترم القيم والأخلاق، وتخدم المجتمع، وتعكس هويته الثقافية والدينية، وتغرس في أبنائه الانتماء الأخلاقي والإنساني، بعيدًا عن الانحرافات التي يسعى أعداء الأمة إلى نشرها.

على الرغم من الظروف الصعبة، يقدّم الإعلام الوطني اليمني نموذجًا ناجحًا ومؤثرًا، بفضل الله أولًا، وجهود المخلصين في مجالات الإنتاج الدرامي والإعلامي، أما في ميادين الشعر والأناشيد والزوامل، فقد شهد اليمن ثورة فنية حقيقية، صدى تأثيرها وصل إلى أصقاع العالم.

واليوم، أصبح الزامل اليمني أيقونة تلهم الأحرار في مختلف الشعوب والحضارات، ويُعدّ هذا النجاح انتصارًا ثقافيًا وفنيًا يحمل رسالة اليمن ومشروعه النهضوي القرآني المستقل، الأمر الذي يثير قلق الأعداء بشدة.

وفي المقابل، تعمل بعض الأنظمة الإقليمية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، على السيطرة التامة على مجالات الفن بجميع أشكالها، بهدف منع أي رسالة تكشف ممارساتهم أو تعرّي سياساتهم، أو تقدم نموذجًا يعكس هوية الشعوب العربية والإسلامية وأخلاقها القائمة على المقاومة والرفض لمخططات الغزو والعدوان، سواء من اليهود أو الأمريكيين.

الفن والإبداع هما الأساس الذي يبني شخصية الإنسان المعتدة بنفسها، الواثقة، المطمئنة، الشجاعة، وليس الشخصية التافهة كما هو حال الأعداء والمرتزقة، الذين ينزعجون من أن يكون في صنعاء نموذج نجاح يشمل كل المجالات، بما في ذلك مجالات الإعلام والفن الجاد والهادف، الذي ينقل رسالة ويرسخ قيم العفة والشهامة والرجولة داخل أوساط المجتمع.

وما يزيد إزعاج الأعداء أكثر، أن النموذج الإيجابي والهادف، الذي يحترم قيم المجتمع ويجسد هوية الناس بدون تكلف أو انحدار، يحظى برواج واسع ومتابعة واهتمام كبيرين، مقارنة بإعلام المرتزقة، الذي يشكل نموذج للهبوط والانحطاط والإسفاف بشكل مخزٍ، يواجه بالرفض والاستهجان من قبل الناس وأبناء المجتمع.

هذا أحد عناصر مرتزقة حزب الخونة الإصلاح، الذي واجه انتقادات واسعة من الجمهور نتيجة مستوى السفالة والإسفاف في المسلسل الذي مولته جهات دولية، وفرضت فيه مشاهد وحوارات وحتى أزياء الممثلات بما يخالف القيم والعادات المجتمعية اليمنية، مما جعل هذا المرتزق يحاول تبرير هذه التجاوزات ولكن بطريقة الإخوان الخاصة ووفق المذهب الوهابي التكفيري.

والحقيقة ان المرتزقة ومن أجل المال، يتخلون عن المبادئ والقيم اليمنية والإسلامية، ويقومون بتبرير كل الانحرافات والإساءات في إعلامهم، متجاوزين بشكل صارخ قيم وآداب المجتمع اليمني الأصيل.

من المهم أحيانًا أن نستعرض بعض النماذج التافهة والسخيفة بسخافة أصحابها، والتي تُعرض على قنوات المرتزقة، خاصة في شهر رمضان المبارك،

من المهم أحيانًا تسليط الضوء على بعض النماذج التافهة والسخيفة التي تُعرض على قنوات المرتزقة، لا سيما في شهر رمضان المبارك، حيث أصبحت ظاهرة متابعة المسلسلات العربية، أو ما يُسمى بالإنتاج الدرامي العربي، من أكثر الظواهر انتشارًا، وبرغم أن هذه الأعمال تُقدَّم على شكل ترفيه وتسلية، إلا أن أبعادها أعمق وأحيانًا أخطر بكثير من مجرد التسلية.

فالرسائل المباشرة وغير المباشرة التي تمرّرها هذه الأعمال الدرامية تُشكل الوسيلة الأكثر فاعلية لتشكيل وعي المشاهد، ولإيصال الرسائل والأفكار، إذ تُقدّم الدراما صورةً عن واقع معين أو تاريخ محدد، وكأنها تكشف الحقيقة دون أي جهد من المتلقي، أما المسلسلات التافهة وما يُسمى بالترفيه، فهي تجبر المشاهد على استيعاب رسائل خفية لكنها قوية التأثير، تؤثر على قيمه وسلوكه وفهمه للواقع.