ويعتبر نتنياهو الجمهورية الإسلامية، في ظل شعار «الموت لإسرائيل» وعرض ساعة العدّ التنازلي لزوال الكيان في وسط طهران، تهديداً وجودياً لبقائه.

وبعد حرب ظلّ طويلة بين الطرفين، شهدنا منذ أكتوبر 2023 ثلاث جولات من المواجهة المباشرة، كان آخرها حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025. ولا توجد حتى الآن أي مؤشرات على انتهاء هذه الحلقة المتكررة من التصعيد.

نتنياهو، الذي تسببت سياساته في موجات نزوح وقتل جماعي واسع في منطقة غرب آسيا بذريعة ذرائع مختلفة، وجد في هذه المرحلة التاريخية فرصة سانحة لمحاولة كبح القوة الإقليمية المتمثلة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وذلك بدعم ومساندة من الولايات المتحدة.

ففي صيف عام 2025، وفي وقت كانت إيران تواجه احتجاجات واسعة بسبب التضخم الحاد وتنامي حالة السخط الشعبي – وهي أزمة تعود جذورها إلى السياسات العدائية والعقوبات الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة بدافع دعمها الواسع لسياسات إسرائيل – بدا أن نتنياهو قد تراجع مؤقتاً عن التصعيد. ووفقاً لما أوردته وسائل إعلام صهيونية، توصلت "إسرائيل" وإيران إلى تفاهم بشأن «عدم شن هجمات متبادلة»، كما أن دول الخليج أقنعت الرئيس دونالد ترامب بعدم قصف إيران، غير أن التقارير نفسها أكدت صراحة أن هذا التفاهم «أقرب إلى وقفة تكتيكية منه إلى تغيير في قواعد اللعبة»، وأن «فترة التنفس هذه من غير المرجح أن تطول».

وبحسب معلومات واردة من داخل الأراضي المحتلة، فإن سبب عدم استغلال نتنياهو لهذه الفرصة لم يكن الاتفاق المزعوم بحد ذاته، بل ثلاثة اعتبارات أمنية وعسكرية رئيسية:

   1. تراجع مخزون صواريخ منظومة الاعتراض «آرو» إلى مستويات حرجة، إذ كاد ينفد بالكامل.

   2. أسفرت الهجمات الصاروخية الإيرانية عن مقتل ما لا يقل عن 33 شخصاً في الكيان، وإصابة أكثر من 3500 آخرين، وإلحاق أضرار تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار.

   3. انخفاض مستوى الانتشار والقدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة مقارنة بالجولات السابقة.

   4. التهديد الفوري من قبل حزب الله على الجبهة الشمالية.

 ومع ذلك، قد تتغير حسابات نتنياهو مجدداً في وقت قريب، فقد تعهد مسؤولون في وزارة الدفاع الصهيونية منذ الصيف الماضي بـ«تسريع كبير» في إنتاج صواريخ «آرو» الاعتراضية، كما أجرى جيش العدو الإسرائيلي مؤخراً اختبارات على نظام الدفاع الجوي الجديد «آرو 4».

وعلى الجبهة الشمالية، منحت الحكومة اللبنانية – بموجب اتفاق وقف إطلاق النار – حزب الله مهلة حتى نهاية العام الماضي للشروع في عملية نزع السلاح، وأرسلت قواتها إلى الجنوب، وقد وصف مكتب نتنياهو هذه الخطوات بأنها «بداية واعدة، لكنها غير كافية إطلاقاً».

 وبعبارة أخرى، ستواجه "إسرائيل" قريباً خياراً حاسماً: إما السماح باستمرار مسار نزع السلاح، أو التدخل عسكرياً «لإنهاء المهمة» بنفسها.

وأياً يكن الخيار الذي سيتحقق، فإن تركيز الكيان سيعود بالضرورة إلى إيران.

وإلى جانب هذه المعطيات، يلوح عام 2026 في الأفق كعام انتخابي في "إسرائيل"، وقد ربط نتنياهو مستقبله السياسي بضمان الأمن، لا سيما في مواجهة إيران، كما أنه يحتاج إلى إرضاء ائتلافه اليميني المتطرف للاستمرار في الحكم.

 وقد عارض عدد من أعضاء الائتلاف الأكثر تشدداً وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب يونيو، مطالبين بنتيجة أكثر حسماً. وحتى في حال سقوط حكومة نتنياهو، ليس من الواضح أن تتبنى أي حكومة صهيونية أكثر اعتدالاً موقفاً أكثر ليونة تجاه إيران.

وفي هذا السياق، لم تُخفِ "إسرائيل" حديثها العلني عن احتمال توجيه ضربة استباقية جديدة، ففي أواخر ديسمبر، حذر رئيس أركان جيش العدو الفريق إيال زامير من أن «إيران هي التي تموّل وتسلّح حلقة الخنق المحيطة بإسرائيل وتقف وراء مخططات تدميرها»، مضيفاً أن إسرائيل «ستضرب حيثما اقتضى الأمر، في الجبهات القريبة والبعيدة».

وبعد أيام قليلة، وخلال زيارة نتنياهو إلى منتجع مار-آ-لاغو ولقائه دونالد ترامب، طُرحت فكرة جولة جديدة من الهجمات، وعقب اللقاء، هدد ترامب بأنه إذا استأنفت إيران برنامجها النووي، فإنه «سيفتح عليها أبواب الجحيم».

وبناءً على هذه المعطيات، تبدو احتمالات اندلاع جولة جديدة من العدوان الصهيوني على إيران أقرب من أي وقت مضى.

 *كاتب وباحث سياسي ايراني