• العنوان:
    رمضان في القدس: هل ينجح الكيان في فرض قيوده على المسجد الأقصى؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت| محمد ناصر حتروش: يتكثف المشهد في فلسطين المحتلة بالتزامن مع شهر رمضان المبارك بصورة تعكس تصعيداً مركباً يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليطال البنية الرمزية والدينية للصراع، فالقيود المفروضة على المصلين في المسجد الأقصى، إلى جانب استمرار العدوان الواسع على قطاع غزة وما خلّفه من دمار شامل، تعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة المواجهة: هل نحن أمام صراع سياسي متجدد على الأرض، أم أمام مشروع ذي خلفيات أيديولوجية أعمق يسعى لإعادة صياغة الواقع برمّته؟

وتشير التطورات الميدانية، من تشديد الإجراءات في القدس إلى استهداف البنية التحتية والمرافق المدنية في غزة، إلى مسار تصاعدي لا يقتصر على إدارة صراع، بل يتجه نحو فرض معادلات جديدة على الأرض. وفي هذا السياق، تتنامى قراءات تحليلية ترى أن فهم السلوك الإسرائيلي يستدعي التوقف عند التحولات الفكرية والسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، والتي أفرزت صعوداً واضحاً لتيارات اليمين القومي والديني، وتراجعاً ملموساً لما كان يُعرف بمعسكر اليسار.

المشروع الصهيوني بين الدين والسياسة

في السياق، يرى الكاتب والباحث السياسي صالح أبو عزة أن قراءة الصراع من زاوية احتلال الأرض وحدها تبقى قراءة منقوصة، إذا لم تُقابل بفهم الكيفية التي ينظر بها الاحتلال ذاته إلى هذه المواجهة، موضحاً أن جزءاً مهماً من السلوك السياسي والعسكري للكيان الصهيوني يرتبط ببنية فكرية تستند إلى تأويلات دينية تُستخدم لتبرير السياسات التوسعية والإقصائية.

ويشير إلى أن المشهد الحزبي في إسرائيل شهد خلال العقود الأخيرة تحوّلاً جذرياً، حيث تراجعت التيارات اليسارية التقليدية مقابل تمدد تيارات اليمين القومي والديني، لافتاً إلى أن الخلافات داخل الساحة الصهيونية تدور في معظمها ضمن معسكر اليمين نفسه، سواء داخل الائتلاف الحكومي أو في صفوف المعارضة، دون مساس بجوهر المشروع السياسي القائم. ويعتبر أن هذا التحول يعزز خطاباً يتعامل مع الصراع بوصفه مواجهة ذات أبعاد تتجاوز السياسة إلى العقيدة، وهو ما ينعكس في طبيعة الاستهداف الذي يطال الفلسطينيين وأرضهم ومقدساتهم.

بدوره يقول الناشط السياسي عبدالمجيد شديد وتكشف التحولات الداخلية في فلسطين المحتلة عن بنية سياسية تميل بصورة متزايدة نحو التشدد، حيث يتقاسم المشهد يمين قومي تقليدي ويمين ديني صهيوني أكثر صلابة، في ظل تراجع شبه كامل لأي خطاب يساري مؤثر. وينعكس هذا الواقع في السياسات الميدانية التي تتسم بالحسم وفرض الوقائع، سواء من خلال القيود المفروضة على الوصول إلى المسجد الأقصى خلال رمضان، أو عبر العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة.

وتبدو الإجراءات المتصاعدة في القدس، بما في ذلك تحديد شروط عمرية للدخول إلى المسجد الأقصى وتشديد الحصار، جزءاً من مسار أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل المجال الديني والجغرافي للمدينة. وفي المقابل، يستمر العدوان الصهيوني على غزة باستهداف يطال مختلف مناحي الحياة، ما يعكس وفق تقديرات مراقبين توجهاً شاملاً لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى محاولة إعادة صياغة الواقع الديموغرافي والسياسي.


معركة تتجاوز الجغرافيا

في المحصلة، يتبدى الصراع في فلسطين اليوم بوصفه مواجهة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، والميدان بالفكرة. فالتصعيد في القدس، واستمرار العدوان على غزة، وصعود التيارات اليمينية الدينية داخل إسرائيل، كلها مؤشرات على مرحلة تتسم بإعادة تعريف قواعد الاشتباك.

وإذا كان الفلسطينيون يتمسكون برواية تحرر وطني ترتكز على استعادة الأرض ورفع الظلم، فإن السياسات الإسرائيلية الحالية تعكس رؤية تسعى إلى فرض واقع جديد، مستندة إلى تحولات داخلية وإلى بيئة إقليمية ودولية معقدة. وبين هذين المسارين، تتشكل ملامح مرحلة حساسة، تفرض على المتابعين قراءة أعمق لطبيعة المشروع الإسرائيلي وخلفياته الفكرية، بوصف ذلك مدخلاً ضرورياً لفهم مسار الصراع واستشراف اتجاهاته المقبلة.