• العنوان:
    عراقجي إلى جنيف لعقد جولة التفاوض الثانية مع واشنطن.. رسائل جهوزية إيرانية في "الطاولة" و"الميدان"
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت | نوح جلّاس: توجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مساء اليوم الأحد، على رأس وفد دبلوماسي وفني إلى مدينة جنيف للمشاركة في الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، في وقتٍ تؤكّد طهران تمسكها بحقوقها النووية ورفضها أيّ شروط تمس سيادتها، بالتوازي مع رسائل عسكرية واضحة تؤكّد جاهزيتها للدفاع عن نفسها في حال فشل المسار الدبلوماسي أو تعرضت لأي اعتداء.
  • كلمات مفتاحية:

وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) أنّ عراقجي غادر طهران على رأس وفد متخصص لعقد جولة جديدة من المباحثات النووية مع واشنطن، بوساطة عُمانية، وذلك بعد جولة أولى استضافتها العاصمة العُمانية مسقط الأسبوع الماضي، بعد نزول الجانب الأمريكي من "فوق الشجرة" وتراجع واشنطن عن العربدة المدفوعة صهيونياً.

وتدخل طهران الجولة الجديدة في جنيف وهي تحدد مسبقاً سقف التفاوض بعيداً عن الأوهام الصهيوأمريكية، حيث أكد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم رضائي أن الوفد الإيراني أعد حزمة مقترحات لتسريع مسار التفاوض، مشدداً على أن وقف تخصيب اليورانيوم أو إخراج المخزون المخصب إلى خارج إيران ليسا مطروحين للنقاش.

وفيما نوّه رضائي إلى أن الولايات المتحدة وافقت على الإطار والسقف الذي حددته الجمهورية الإسلامية بهذا الخصوص، فقد أكد أن المفاوضات لن تتطرق كذلك إلى البرنامج الصاروخي الإيراني أو القضايا الإقليمية، ما يعني أن طهران تحلّق بعيداً عن الإملاءات الأمريكية المطروحة.

وكرر رسالته بالتأكيد على أن هذه الملفات خارج جدول الأعمال، وأن طهران لا تبدي تفاؤلاً كبيراً بنتائج المحادثات بسبب سجل واشنطن في نقض الاتفاقات السابقة، فيما ذهب رضائي إلى بُعدٍ أوسع يقيّد العدوين الأمريكي والإسرائيلي، بقوله إن التهديدات الصهيونية في المنطقة تمثل القضية الأساسية التي ينبغي مناقشتها في إطار إقليمي مستقل لتحقيق الاستقرار والتنمية.

وفي سياق فرض الأجندات التفاوضية من قِبل إيران، أكد نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي أن مسألة "التخصيب الصفري" ليست جزءاً من المفاوضات الحالية، مشدداً على أن الكرة الآن في الملعب الأمريكي، وأن أي تقدم في المفاوضات يتطلب استعداداً حقيقياً لرفع العقوبات المفروضة على إيران.

ومع حديثه عن أن طهران مستعدة للنظر في تقديم تنازلات متبادلة إذا أبدت واشنطن جدية في معالجة ملف العقوبات، إلا أنه أكد في الوقت ذاته أن بلاده لن تسمح لأي طرف بالمساس بحقوقها المشروعة أو فرض سياسة الضغوط القصوى عليها.

وجدد التأكيد على أن إيران ستواصل تنفيذ التزاماتها النووية طالما التزمت الأطراف الأخرى بتعهداتها، الأمر الذي يشير إلى تكتيكات إيرانية لإعادة ترامب إلى مربع الاتفاق النووي الذي نقضه في العام 2016.

وبالتوازي مع رسائل القوة من الموقع الدبلوماسي، حملت التصريحات العسكرية الإيرانية رسائل تحذير إضافية، حيث أكد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي أن أي مواجهة عسكرية مع إيران ستكون درساً تاريخياً لترامب، مشدداً على أن بلاده مستعدة تماماً للدفاع عن نفسها في حال تعرضت للتهديد.

وتساءل موسوي عن سبب حديث واشنطن عن المفاوضات في الوقت الذي تواصل فيه التلويح بالخيار العسكري، في إشارة إلى التناقض بين التصعيد الأمريكي والتحرك التفاوضي في آن واحد، محذراً من أن أي حرب محتملة لن تبقى محصورة داخل حدود إيران، بل ستجر المنطقة إلى مواجهة واسعة.

وتعكس هذه التطورات مساراً مزدوجاً تنتهجه طهران، يقوم على الانفتاح على الحلول الدبلوماسية دون التخلي عن عناصر القوة أو فتح المجال للمناورة حول الحقوق السيادية الإيرانية، حيث تدخل المفاوضات وهي تؤكد أن برنامجها النووي السلمي وحقوقها الدفاعية ليست محل مساومة، وأن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يقوم على مبدأ التوازن ورفع العقوبات واحترام الالتزامات المتبادلة.

كما تعكس هذه المواقف المتوازية استراتيجية إيرانية تقوم على الجمع بين الدبلوماسية الفاعلة والجاهزية الدفاعية، حيث تؤكد طهران استعدادها للتوصل إلى اتفاق عادل يرفع الضغوط الاقتصادية عنها، لكنها في الوقت ذاته ترفض التفاوض تحت التهديد أو التخلي عن قدراتها التقنية والعسكرية التي تعتبرها جزءاً من أمنها القومي.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن قوة الموقف الإيراني دبلوماسياً وعسكرياً تنبع من عدة عوامل، أبرزها امتلاكها برنامجاً نووياً متقدماً وخبرة تفاوضية تراكمت عبر سنوات من المواجهة السياسية مع الغرب، إضافة إلى قدرة الدولة على التكيف مع العقوبات وتطوير قطاعاتها الدفاعية والاقتصادية، ما يمنحها هامش مناورة أوسع في أي مفاوضات، بالتوازي مع جاهزية صلبة في المسرح العسكري.

وهكذا، تصل المفاوضات في جنيف إلى ما وراء التطلعات الصهيونية الأمريكية، بعد أن رسمت طهران الصورة بأيديها من كل الزوايا: يدٌ ممدودة للتفاهم إذا توفرت شروط الاحترام المتبادل ورفع العقوبات، وقبضة جاهزة لحماية مصالحها إذا استمرت سياسات الضغط والتهديد والتصعيد من قِبل واشنطن وكيانها المجرم الذي يدفع نحو تفجير المنطقة.