داخل الجدران الباردة، تبدأ الحكاية من لحظة الاقتحام، جنود مدججون بالسلاح يداهمون المنازل في ساعات الفجر، يكسرون الأبواب، ويزرعون الخوف في قلوب العائلات، قبل تقييد الطفل واقتياده وسط صراخ الأمهات وذهول الآباء.

هناك، يُنتزع الطفل من سريره إلى عالم التحقيق القاسي، حيث تمتد جلسات الاستجواب لساعات طويلة، دون حضور محام أو أحد الوالدين، تحت التهديد والترهيب والضغط النفسي، بهدف انتزاع اعترافات تُستخدم لاحقًا أمام المحاكم العسكرية.

وتبقى صورة الطفل الفلسطيني محمد ناصرة، ذي الثلاثة عشر عامًا، شاهدة على ما يتعرّض له الأطفال داخل زنازين الموت الإسرائيلية، حيث تتجسّد القسوة في تعاملات ونظرات المحققين، وفي الأساليب التي تُمارَس بحق جسد صغير وروح غضة، حُوصرت بالخوف والعتمة.


ويؤكد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى تصاعد وتيرة اعتقال القاصرين خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار العدو الصهيوني في محاكمة الأطفال أمام محاكم عسكرية، بإجراءات تتجاهل أعمارهم واحتياجاتهم النفسية، وتفرض عليهم أحكامًا بالسجن، أو غرامات مالية، أو الحبس المنزلي، ما يحرمهم من التعليم، ويقوّض حقهم في عيش طفولة آمنة وطبيعية.

وتتكرّر نداءات المنظمات الحقوقية الدولية التي تصف هذه السياسات بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، وفي مقدّمته اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية جنيف الرابعة، غير أن تلك النداءات تصطدم بصمت دولي ثقيل، يترك الأطفال الفلسطينيين وحدهم في مواجهة منظومة قمعية لا تعرف الرحمة، ولا تعترف بالقيم الإنسانية أو القوانين الدولية.

هنا، خلف القضبان، تتعرّى القوانين أمام دموع الأطفال، ويتحوّل الصمت الدولي إلى شريك في الجريمة.

 مأساة الطفولة الفلسطينية تواصل طرق أبواب الضمير العالمي، مطالبة بعدالة غائبة، وبموقف إنساني يعيد الاعتبار لطفل حُرم من الأمان، وزُجّ به في سجون كيان الاحتلال فقط لأنه فلسطيني على أرضة وفي شعبه ووطنه.