• العنوان:
    تدمير التعليم.. جريمة بلا قنابل
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

الامتحانات الثانوية في مناطق سيطرة الارتزاق بين الواتساب والذكاء الاصطناعي: كيف يُستبدَل العقلُ بالتطبيق ويُصنَع جيلٌ بلا وعي.

منذ أن شنّ تحالف العدوان الأمريكي–الصهيوني–السعوديّ–البريطاني وأدواته حربه الشاملة على اليمن، كان قطاع التعليم في صدارة الأهداف؛ إدراكًا منهم أن تدمير الوعي هو الطريق الأقصر لإخضاع الشعوب، وأن ضرب المدرسة لا يقل أثرًا عن قصف الجبهات.

لقد استُهدفت المدارس والجامعات، ودمّـرت البنية التعليمية بشكل ممنهج؛ ما أَدَّى إلى تعطيل العملية التعليمية، ودفع معظم المعلمين إلى الخروج القسري من الميدان:

فمنهم من استُشهد، ومنهم من دفعته الحرب الاقتصادية والحصار الخانق إلى الارتهان لقوى الارتزاق، ومنهم من أُجبر على الجلوس في بيته بلا عمل، لتتحول المدرسة من مؤسّسة بناء إلى ساحة فراغ وانهيار.

سقوط الامتحان من معيار علمي إلى سوق مفتوحة:

لم تعد امتحانات الشهادة الثانوية العامة في مناطق سيطرة قوى الارتزاق والتبعية استحقاقا تعليميًّا يقيس حصيلة أعوام من التحصيل العلمي، فقد تحولت – بفعل غياب الدولة، وانهيار المنظومة الأخلاقية والمؤسّسية – إلى ما يشبه سوقًا مفتوحة تُدار بأحدث تقنيات العصر، وسط فوضى عارمة تهدّد بالقضاء على ما تبقى من قيمة التعليم اليمني.

اليوم، يقف الطالب أمام ورقة الامتحان، بهاتفه الذكي؛ لا بعقله ولا بذاكرته.

من الواتساب إلى غرف الغِش المنظّم

على مدى السنوات الماضية، استقر الغش الإلكتروني عبر تطبيق الواتساب كأدَاة شبه رسمية في تلك المناطق.

فما إن تُوزَّع أوراق الأسئلة، حتى تُصوَّر وتُسرَّب إلى مجموعات منظمة وممولة، تخضع لإشراف شبكات منتفعة، تضم – في كثير من الأحيان – عناصر من داخل مراكز الامتحانات نفسها.

وخلال دقائق، تُعاد الإجابات جاهزة إلى الطلاب داخل القاعات بوسائل تثير الصدمة:

مكبرات صوت في الجوامع المجاورة.

قصاصات ورقية مطبوعة على عجل.

سماعات لاسلكية دقيقة مخفية.

لم يعد الغش حالة فردية طارئة، فقد أصبح منظومة متكاملة تُدار بالأموال والجبايات التي يجمعها بعض مديري المدارس من الطلاب، والتي قد تصل إلى 100 ألف ريال، لتتحول الفوضى إلى بديل للكفاءة، والانحراف إلى سياسة غير معلنة.

الذكاء الاصطناعي: حين يصبح الغش ذكيًا:

مع حلول عام 2026، ودخول تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الهواتف الذكية، انتقلت الظاهرة إلى مستوى أكثر خطورة.

لم يعد الطالب بحاجة إلى انتظار لجنة الغش المركزية على الواتساب، لقد باتت تطبيقات مسح الصور والتحليل الفوري تتكفل بالمهمة خلال ثوانٍ.

يصوّر الطالب السؤال، ليقوم الذكاء الاصطناعي:

بصياغة إجَابَة دقيقة

واختيار الإجَابَة الصحيحة آليًا

وضمان الدرجة الكاملة دون أي جهد ذهني

أمام هذا التطور، أصبحت أدوات الرقابة التقليدية – المتهالكة أصلًا – مُجَـرّد ديكور شكلي عاجز عن مواجهة هذه الطفرة التكنولوجية المدمّـرة.

استيراد الفساد التربوي بنسخة غربية

إن ما يحدث لا يمكن فصله عن النموذج الغربي الذي يُفرض قسرًا على هذه المناطق؛ نموذج يفصل التعليم عن القيم، ويحوّل التقنية من أدَاة بناء إلى وسيلة تدمير ناعم، ويستبدل العقل الناقد بالاعتماد الكلي على الآلة.

إنه استنساخ مشوّه لثقافة استهلاكية ترى في الشهادة سلعة، وفي النجاح رقمًا، وفي الطالب مشروع زبون، لا مشروع إنسان واعٍ.

غياب المنهجية وحصاد تجهيل الجيل:

هذا التواطؤ الضمني من سلطات الارتزاق يعكس عجزًا تقنيًّا، ويكشف عن استهتار متعمد يقود إلى تجهيل المجتمع.

فعندما تُفرغ الشهادة من مضمونها، وتُباع المعرفة عبر تطبيق، فإن النتيجة الحتمية هي ضخ آلاف الخريجين إلى الجامعات والمجتمع دون حَــدّ أدنى من الكفاءة العلمية.

وفي مقابل ذلك، تحاول المناطق الحرة في حكومة صنعاء الحفاظ على قدسية الامتحانات، وتطوير آليات رقابة إلكترونية صارمة، وربط شبكي يمنع الاختراق، بينما تعيش مناطق الارتزاق حالة المشاع التعليمي، حَيثُ يتنافس الواتساب والذكاء الاصطناعي على صناعة مستقبل مشوّه.

الخلاصة: التعليم معركة سيادة:

إن الاستهداف الممنهج للعملية التعليمية كان – ولا يزال – أحد الأهداف الرئيسة لتحالف العدوان الأمريكي–الصهيوني–السعوديّ–البريطاني وأدواته من المرتزِقة والعملاء في الداخل اليمني، وقد نجح – إلى حَــدّ بعيد – في ضرب هذا القطاع في مناطق سيطرته.

إن معركة التعليم لا تقل أهميّة عن معركة السيادة؛ فالأمم تنهار عندما يسقط نظامها التعليمي، ويتساوى فيها العالِم بالجاهل.

وما يحدث في قاعات امتحانات الثانوية العامة تحت مظلة قوى الارتزاق هو جريمة مكتملة الأركان بحق الهُوية اليمنية، وبحق أجيال ستجد نفسها غدًا تحمل شهادات كرتونية، بينما تفتقر إلى العلم الحقيقي الذي يُبنى به الوطن.