• العنوان:
    الأنظمة الفاسدة: من نكسة الهزيمة والجراح إلى نكبة التآمر والانبطاح
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

لم تكن هزائم الأمم يومًا مُجَـرّد كبوات عابرة في ميادين القتال، فقد كانت دومًا انعكاسًا لخلل بنيوي ينخر في جسد الأنظمة التي تقودها.

وحين نتأمّل مسارَ التاريخ الحديث، نجدُ أن الفسادَ السياسيَّ والمؤسّساتي لم يكتفِ بإيراد الشعوب موارد التهلكة في معارك الشرف، لقد تحوّل مع مرور الوقت من عجزٍ وفشل في إدارة الأزمات، إلى نهجٍ منظم وخيارٍ استراتيجي يحترف التنازل ويبحث عن البقاء على حساب الكرامة الوطنية.

"نكسة حزيران" من هزيمة القيادة إلى سقوط الإرادَة:

تسعة وخمسون عامًا مرت على ذلك الجرح الغائر في جسد الأُمَّــة العربية؛ ولا زالت أصداءُ "نكسة" حزيران 1967 تعيد إنتاج نفسها، كذكرى تاريخية أليمة، وكواقع يُعاش وتفاصيل تتكرّر بأشكال أكثر قتامة.

إن قراءة المشهد بين الأمس واليوم تكشف لنا حقيقة مرعبة: وهي أن تلك الهزيمة العسكرية العابرة أمام العدوّ لم تكن سوى بوابة عبور للانتقال من هزيمة القيادة إلى هزيمة الإرادَة، وسقوط القناع عن أنظمة فاسدة أرخصت كرامة الأُمَّــة، وتنازلت عن هُويتها، وباعت قضيتها بثمن بخس، وانتقلت من زاوية العجز عن المواجهة إلى دائرة الاحتراف في التآمر والعمالة

من مرارة النكسة.. إلى صناعة النكبة:

حين وقعت نكسة 1967، ورغم فداحة الخسارة الأرضية والعسكرية، كان في عروق الأُمَّــة نبضٌ يرفضُ الاستسلام، وكانت الشعوب تنفض عنها غُبارَ الانكسار متطلعة إلى يوم التحرير والكرامة.

لكن الأنظمة الفاسدة المستبدة، التي قادت الشعوبَ بوعود جوفاء وشعارات براقة، لم تتعلم من غُبار المعركة كيف تبني قوةً، فقد تعلمت كيف تحمي عروشها.

ومع مرور العقود، تحوّلت تلك الأنظمة من مربع "العجز والجراح" إلى مربع "التآمر والانبطاح".

لم يعد العجز مُجَـرّد قلة حيلة أَو ضعف في العتاد، لقد صار خيارًا استراتيجيًّا، وسياسة ممنهجة لتصفية القضية الأم وتكبيل الشعوب، وتحويل الأوطان إلى ساحات مستباحة يُقايَض فيها بالسيادة؛ مِن أجلِ بقاء الحاكم في كرسيّه.

إن أخطر ما تصاب به الأممُ هو هزيمة نخبها الحاكمة وانبطاحها النفسي والسياسي أمام جلادها، وليس هزيمة جيوشها في ميدان المعركة.

التآمر العلني وسقوط الأقنعة:

إن تلك الأنظمة التي كانت بالأمس تتباكى على الأراضي المفقودة وتتستّر خلف خطابات الممانعة الزائفة، خلعت اليوم كُـلَّ الأقنعة.

وباتت تهرولُ نحو التطبيع، وتتسابقُ على كسب رضا القوى الاستعمارية والصهيونية، متجاوزة دماء الشهداء وعذابات الثكلى وأنين الأوطان الجريحة.

لم يعد الأمر مُجَـرّد تقاعس عن نصرة فلسطين أَو حماية الأوطان، فقد أصبح "تآمرًا صريحًا" يُحاك في الغرف المظلمة وفي المحافل العلنية.

تآمرٌ لتمزيق النسيج العربي، وإشعال الحروب الأهلية، وتجويع الشعوب لإلهائها بلقمة العيش عن قضاياها المصيرية.

وما يحدث في يمن الإيمان والحكمة، وفي غزة الصامدة، ولبنان الماجدة وفي كُـلّ ثغر عربي مقاوم، ليس إلا شاهدًا حيًّا على هذا الانبطاح المخزي.

وعي الشعوب.. صخرة تتحطم عليها المؤامرات:

أمام هذا المشهد القاتم، ومروق 59 عامًا على النكسة، لا بد لنا أن ندركَ أن الرهانَ لم يكن يومًا على هذه الأنظمة الفاسدة، هو دائمًا على وعي الشعوب وحيويتها.

إن الأنظمة التي تبيع أوطانها وتتحالف مع أعدائها محكوم عليها بالموت التاريخي، وستبقى عارًا يلاحق صناعها.

إن ذكرى النكسة اليوم هي محطةٌ لاستنهاض الهمم، ومعرفة العدوّ الحقيقي؛ فالفساد والاستبداد هما الوجه الآخر للاحتلال.

ولن يشرق فجر الحرية والتحرير للأرض إلا بتطهير الأوطان من رجس التبعية والانبطاح.

عاشت شعوبنا حرة أبية..

والخلود للشهداء، والخزي والعار للمنبطحين.