• العنوان:
    اليمن وعلي: حب لا يشيخ وإيمان لا ينضب
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

في ليلة أعلنت فيها السماء عن ولاية علي بن أبي طالب، تزيَّنت جبالُ اليمن ووديانُها وحواضرُها وبواديها، كأن الفرحَ يعانقُ الغيم، وكأن البهجةَ تسري في دماء التراب اليمني قبل أن تسريَ في دماء أبنائه.

خرجوا صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأُنثاهم، شيخهم وطفلهم، خروج العاشقين الذين لا يريدون من معشوقهم إلا رضاه، وخروج الصادقين الذين لا يبيعون انتماءهم بثمن بخس، وخروج الذين قرأوا التاريخ جيِّدًا فعرفوا أن عليًّا كان فجرًا أضاء ظلمات الجاهلية، وسيفًا قطع أعناق الطغيان، وصوت حق خافت منه الحصون قبل القصور.

لم يكن خروج اليمنيين في ذكرى ولاية علي مُجَـرّد احتفال شكلي، ولا مسيرة تقليدية، ولا روتينًا سنويًّا يملؤون به الفراغ.

كانت مسيراتهم صرخة في وجه من يتناسون الفضل لأهله، وكانت حضورهم رسالة مبطنة إلى كُـلّ من يحاول طمس الحقائق بأن قلوبًا لا تموت وضمائر لا تنام وعيونًا لا تغفل عن نجوم الهدى.

خرجوا يذكرون وصيتَه ويستحضرون سيرتَه؛ لأن عليًّا عند اليمنيين مدرسةٌ تخرَّجَ منها الأبطال، ومنهج حياة لا يرضى أتباعه بديلًا عنه.

وكيف لا يكون فرحُ اليمنيين بعلي عظيمًا؟ وهم من رأوا على يديه نور الإسلام دخل بيوتهم وأضاء ظلام عقولهم وأخرجهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الرحمن.

كانوا أسرعَ إلى الصدق، وأقربَ إلى الوفاء، وأسبق إلى المبادرة.

في زمن تخاذل فيه الكثيرون، وتأخّر فيه المتردّدون، وتربَّص فيه المنافقون، كان اليمنيون مع علي، وقبل علي، وبعد علي.

دخلوا الإسلام يوم دخلوه كأنهم يولدون من جديد، فلم يتردّدوا، ولم يرتدوا، ولم يشكّوا.

دخلوه دخولَ الصادقين الذين وجدوا في علي مِثالَ القائد الحكيم، والزاهد العادل، والشجاع الذي لا يعرفُ الخوف، والعالِم الذي لا ينطق إلا عن علم.

اليمنيون الأوائل لم يروا عليًّا فقط قائدًا للجيوش، لقد رأوه أبًا حنونًا للفقراء، وناصحًا أمينا للجهلة، وحكيمًا فذًا في كُـلّ قضايا الحياة.

ووجدوا أنفسَهم أمام قائدٍ لا يشبه أحدًا.

علَّمهم أن عدل في الحكم، وصدق في الحديث، وإيثار في المال، وصبر على البلاء، وشكر في الرخاء، وبأس أمام الأعداء، الدين، وليس صلاة والصيام فقط.

واليوم، وبعد أربعة عشر قرنًا، ما يزال اليمنيون على عهدهم مع علي.

لم يغيرهم الزمن، ولم يفتنهم الذين ملأوا الدنيا شبهات، ولم يصدهم من حاول أن يحرف مسارهم.

هم كما كانوا بالأمس يحبون عليًّا فريضةً يتعبدون الله بها، ويعتبرون أن حب علي جزء من إيمانهم، وولايته جزء من دينهم، واتباع نهجه طريق إلى الجنة.

يحولون هذا الحب إلى عمل ميداني جهادي يضرب به قوى الاستكبار في عقر دارهم ولا يكتفون بالخروج في يوم الولاية فحسب.

لقد أثبت اليمنيون أن الانتماء لا يكون بالشعارات، وأن الحب لا يكون بالتصفيق، وأن الإيمان لا يكون بالأماني.

ترجموا حبَّهم لعلي على الأرض مواقف، وعلى أرض المعركة ضربات، وفي ميادين العلم دروسًا، وفي ساحات العزة كرامة.

خرجوا في وجه الطغيان ليعلنوا أن عليًّا علَّمهم كيف يقفونَ في وجه الظالم، وكيف لا يركعون إلا لله، وكيف تكون كلمتهم واحدة في وجه الأعداء.

 ومن كُـلّ قرية وعُزلة وبيت يمني، يرتفعُ صوتُ اليمنيين كُـلَّ عام في ذكرى الغدير: نحن مع علي، ومع الحق، ومع المستضعفين، ضد الباطل، وضد المستكبرين.

يخرجون من بيوتهم يلبون وصيةً رسول الله -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ وَسَلَّـمَ-، ويحملون في قلوبهم حُبًّا لا يشيخ، وفي عقولهم يقينًا لا يتزعزع، وفي أيديهم سلاحًا لا ينكسر.

إن ارتباط اليمنيين بعلي هو رابطة روحية وعقائدية وفكرية وسياسية.

يرون أن عليًّا هو النموذج الذي يجب أن يُحتذى للحاكم العادل، والعالم العامل، والقائد المقاتل، والأب الرحيم.

ويرون أن إحياء ذكرى ولايته هو إحياء لروح المقاومة في الأُمَّــة، وتجديد للعهد بأنهم سيبقون أوفياء لرسول الله في حبه لأهل بيته.

وهكذا، كلما جاء يوم الغدير، يتحوَّلُ اليمنُ كُـلَّ يوم غدير إلى لوحة فنية رائعة، تتجلَّى فيها أجملُ صور الإخلاص، وأروع مشاهد الوفاء، وأصدق تعابير الحب.

خرجوا وكأن عليًّا ينظُرُ إليهم من عليين، ويبتسَّم لمن يمشون على نهجه، ويباركُ لمن يقاتلون على طريق الحق الذي سار عليه.

وهم على يقين أن النصرَ حليفهم، وأن العاقبةَ للمتقين، وأن الأرض ستورث لعباد الله الصالحين، مهما طال الزمن، ومهما اشتد البلاء.

إنه اليمن، وعلي، والغدير، قصةُ حب لا تنتهي، وملحمةُ وفاء لا تشيخ، وإيمان لا يخبو.