• العنوان:
    غدير خُم والولاية الجامعة
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

تحل علينا ذكرى يوم غدير خُم، ذلك اليوم الذي وقف فيه رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- خطيبًا بعد عودته من حجّـة الوداع، في جمع غفير من حجاج بيت الله الحرام، مُعلنًا إعلانًا صريحًا واضحًا لم يترك فيه مجالًا للالتباس، قائلًا: "أيها الناس، إن اللهَ مولاي، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فهذا عليُّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله".

هكذا هي ولايةُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصيةٌ نبوية واضحة، وامتدادٌ طبيعيٌّ لمنهج الولاء والبراء الذي يقوم عليه هذا الدين، وليست اجتهادًا من أحد.

ما يعني أن هذه الذكرى تستدعي التأملَ في قضية تمثل البُوصلة الحقيقية لعلاقة الأُمَّــة برموزها وقيمها، فالولاء والبراء أكثر من مُجَـرّد شعائر عاطفية، هما منهجُ حياة متكامل؛ إن صَلَحَ قاد الأُمَّــةُ إلى العزة والكرامة، وإن فسد جرّها إلى التيه والتبعية.

ومن هنا تبرز أهميّة إعادة النظر في هذا المفهوم بوعي وتجرد، بعيدًا عن الترسبات الثقافية التي تحجب الرؤية وتعمق الخلافات.

ولكي نفهم حجم الخطر الناجم عن خلل هذا المفهوم، يكفي أن ننظر إلى واقع الأُمَّــة اليوم؛ إنها غارقة في التخلف، ممزَّقة داخليًّا، وموصولة البُوصلة بمن يعاديها ويستبيح حرماتها.

وهذه المفارقة الصارخة تطرح سؤالًا محوريًّا: كيف يمكن لأمة تدّعي أنها توالي اللهَ ورسوله والمؤمنين، أن تبقى ساكنةً متفرجةً على انتهاكات أعدائها، وفي مقدمتها السياسات الأمريكية التي تمهّد الساحة لصالح كيان الاحتلال الصهيوني الغاصب ومشروعه (إسرائيل الكبرى)؟

لذلك لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالتنظير الفضفاض للولاء دون تحديد ضوابط واضحة، تبين من هم أولياء الأُمَّــة الحقيقيون، وتفضح من يتسترون بثياب الانتماء للإسلام، وهم يقودون الأُمَّــة نحو الهاوية.

ومن ذلك الدعوات التي تروج لمفاهيمَ دخيلة، تسعى إلى تخفيف حدة الولاء لله وخلط الولاءات باسم التقارُب الديني، مما يفتح البابَ لتطبيع التبعية للعدو الحقيقي للأُمَّـة، وما يسمى بـ"الإبراهيمية" والدعوة إليها لَدليلٌ واضح على هذا المسار المشؤوم.

في مقابل هذا الانحراف، يقدِّمُ لنا منهجُ الولاء الصحيح، المستند إلى حديث الغدير الثابت، نموذجًا متماسكًا في الاقتدَاء بالإمام علي رضي الله عنه، ليس كشخصية طائفية، بل كقائد ربَّاني ورمز إسلامي جامع يُحتذى به في العدل والجرأة والشجاعة على التمسك بالحق، والثبات في مواجهة الباطل.

فالولاء لعلي يعني التمسك بمنهج قيادي يستمد شرعيتَه من القرآن والسُّنة، ويرفض الخنوعَ ويسعى لبناء أُمَّـة قوية مستقلة، دون أن يعني ذلك الانتقاصَ من بقية صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، أَو رموز الأُمَّــة الصالحين، بل على العكس، فالولاء الصحيح يدفع إلى تقدير الجميع والعمل على جمع الكلمة؛ لأنَّ

الهدف الأسمى هو إصلاحُ ذاتِ البين ومواجهة التحديات المشتركة، والأمة بكل توجّـهاتها (سُنة وشيعة) مدعوة اليوم،

 وأكثر من أي وقت مضى، لمواجهة التحديات، وفي صدارتها استهداف العدوّ الأمريكي والصهيوني للمسلمين في أكثر من بلد.

وإذا انتقلنا إلى اليمن، نجد أروع تجسيد عملي لهذا المنهج في الشعب اليمني، الذي لم يبقَ أسير التنظير، فقد حوّل الولاء للإمام علي رضي الله عنه إلى مواقفَ حيّة ونصرة ملموسة للقضايا العادلة، وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني.

فإلى جانب قيادته الرشيدة ممثلةً بالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، أظهر الشعب اليمني نموذجًا فريدًا في التضامن العملي والثبات على المبادئ، حَيثُ ترجم الولاء إلى دعم حقيقي ونصرة متواصلة، وعلى كُـلّ المستويات العسكرية وغيرها، مستلهمًا من نهج الإمام علي قيمَ الجُرأة على الحق والمواجهة الشجاعة للهيمنة الأمريكية والإجرام الصهيوني.

وبهذا الوعي والحراك الجماهيري، لم يعد الولاء لعلي شعارًا، لقد أصبح قوة دافعة لمشروع نهضوي شعبي وقيادي متكامل، يلملم الشتات ويؤسس لدولة تستحق الحياة.

خلاصة القول:

إن العودة الواعية إلى القرآن، والاتباع الصحيح للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والتولي لله ورسوله وللإمام علي بشكل عام، والحشد حول المشروع التصحيحي الذي يقوده من يطبق هذه القيم واقعًا، هو ضرورة وجودية لإنقاذ الأُمَّــة، وليست ترفًا فكريًّا.

ومن هنا تبرز المسؤولية على العلماء والمفكرين وكل أبناء الأُمَّــة، بأن يعملوا كُـلٌّ من موقعه على كشف الخلل، وتصحيح المفاهيم، ومد اليد لكل جهد صادق يبني الأُمَّــة الواحدة القوية.

وبهذا المسار وحدَه يُستعادُ الولاءُ الجامع: من التِّيه إلى الوعي، ومن التشرذم إلى الوحدة، ومن الذل إلى العزة.

* كاتب سلفي