• العنوان:
    الإعلام والإنتاج المحلي.. لماذا لا نزال نستورد “الملخاخ”؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

قبل سنوات، وتحديدًا في عام 2020م، تحدث السيد القائد عن قضية بدت للكثيرين حينها بسيطة، لكنها في الحقيقة كانت تحمل دلالات اقتصادية وتنموية عميقة، عندما أشار باستغراب إلى استمرار استيراد “الملخاخ” من الخارج، رغم بساطته وإمْكَانية تصنيعه محليًّا بسهولة.

لم يكن الحديث عن “الملخاخ” بحد ذاته، إنما عن عقلية اقتصادية كاملة ما تزال تعتمد على الاستيراد حتى في أبسط المنتجات.

واليوم، وبعد ست سنوات، يعود الحديث عن الموضوع نفسه مجدّدًا، وكأننا لم نتحَرّك خطوة واحدة إلى الأمام.

وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا لا نزال نستورد الملخاخ والصلصة والعديد من المنتجات البسيطة التي تستطيع المصانع والمعامل المحلية إنتاجها؟ ولماذا لم تتحول تلك التوجيهات إلى خطط عملية وبرامج تنفيذية تقود إلى الاكتفاء الذاتي التدريجي؟

كان من المفترض، بعد كُـلّ هذه السنوات، أن نكون قد تجاوزنا مرحلة استيراد المنتجات البسيطة، وأن ينتقل الحديث اليوم إلى توطين الصناعات الأكثر تعقيدا، مثل الصناعات الإلكترونية، والمعدات الزراعية، والآلات الثقيلة، وقطع الغيار، وغيرها من الصناعات الاستراتيجية التي تستنزف مليارات الدولارات سنويًّا من العملة الصعبة.

لكن المؤسف أن الواقع لا يزال يكشف استمرار الاعتماد الكبير على الخارج حتى في المنتجات الاستهلاكية البسيطة، وهو ما يعكسُ وجود خلل في الثقافة الإنتاجية، وضعفًا في استثمار الفرص المحلية، وقصورًا في تحويل التوجيهات والرؤى إلى مشاريع إنتاج حقيقية.

هنا يأتي دورُ الإعلام، ليس فقط كوسيلة لنقل الأخبار، إنما كأدَاة لصنع الحدث، وبناء الوعي الاقتصادي والإنتاجي.

فالإعلام مسؤولٌ عن تعزيزِ ثقافةِ العمل والإنتاج، وتشجيع المستهلك على دعم المنتج المحلي، وتسليط الضوء على النماذج الناجحة للمصانع والمعامل الوطنية، وكشف حجم النزيف الاقتصادي الناتج عن الاستيراد العشوائي.

الإعلامُ التنموي الحقيقي يجبُ أن يتحوَّلَ إلى شريكٍ في معركة الاقتصاد، من خلال إنتاج برامج وتقارير وحملات توعوية تشرح للمجتمع خطورة استمرار الاعتماد على الخارج، وتوضح كيف أن شراء منتج محلي، مهما كان بسيطًا، يعني دعمَ فرصة عمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتقليل فاتورة الاستيراد، والحفاظ على العملة الصعبة داخل البلد.

كما أن الإعلامَ مطالَبٌ بتشجيع روح الابتكار والتصنيع المحلي، وإبراز الشباب والمبادرين الذين استطاعوا تصنيع منتجات محلية بديلة للمستورد؛ لأن بناء الوعي الإنتاجي لا يقل أهميّة عن بناء المصانع نفسها.

إن استمرار استيراد “الملخاخ” ليس مشكلة منتج بسيط فقط، إنما مؤشر على أن معركة الإنتاج لم تتحول بعد إلى ثقافة عامة وسلوك اقتصادي شامل.

فالدول تنهض بالإنتاج، وتبني اقتصادها بتشجيع الصناعة المحلية وتوطين التكنولوجيا والمعرفة.

اليوم نحن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة الكلام عن أهميّة الإنتاج إلى مرحلة العمل والإجراءات العملية، عبر دعم الصناعات الصغيرة، وتشجيع المستثمرين ورؤوس الأموال للتوجّـه نحو توطين الصناعات الغذائية، وحماية المنتج المحلي، وربط الإعلام بالتنمية والاقتصاد، حتى لا نظل بعد سنوات طويلة نكرّر الحديث نفسه عن “الملخاخ”، بينما العالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة.

إن تخفيض فاتورة الاستيراد يبدأ من أبسط منتج نستطيع تصنيعه محليًّا، وينتهي ببناء اقتصاد وطني قوي ومستقل، قادر على الصمود والنمو وتحقيق الاكتفاء الذاتي.