• العنوان:
    كفى بالموت مقياسًا.. هادي نموذجًا
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

"فمن يعملْ مثقال ذرة خيرًا يرَه • ومن يعمل مثقال ذرّة شرًّا يره"

يحلو للبعض أن يتخذَ الموت مقياسًا للمحبة والشعبيّة والجماهيرية، كأن رحيل شخص ما يمحو ما تركه وراءه من أفعال، أَو يبدّل الحقائق الثابتة في تاريخه.

لكن الموت ليس تكفيرًا عن الذنوب في السياسة، ولا محوًا للسجلّات أمام الشعوب التي لا تنسى.

اليوم، ونحن نسمع بموت هادي الذي جلب أخطر عدوان في تاريخ اليمن الحديث، يمكننا بكل وضوح أن نستجلي مدى الزيف الذي لفّ عنوان "شرعية هادي".

شرعية استندت إلى الخارج، وسقطت في اختبارات كثيرة، أبرزها اختبار الدم والعدوان.

في 26 مارس 2015، أعلن عادل الجبير، وزير الخارجية السعوديّ آنذاك، انطلاق عملية "عاصفة الحزم" على اليمن من واشنطن.

وبعدها بسنوات، كشف رئيس وزراء الحكومة اليمنية آنذاك، خالد بحّاح، أنه علم بالعدوان من التلفزيون، أي أنه لم يُستشر.

والأغرب أن الرئيس عبدربه منصور هادي نفسه صرّح لاحقًا (في تصريح منشور) بأنه لم يكن يعلم بتوقيت العدوان.

هذا المشهد، لو كان وحدَه، لكفى لفضح طبيعة "الشرعية" التي لم تكن إلا أدَاةً بيد الغير.

لم يُسأل هادي ولا حكومته عن قرار الحرب والسلم، فقد استُخدِموا كغطاء سياسي وإعلامي لعدوانٍ كانت تُدار تفاصيله خارج حدود اليمن تمامًا.

ليس موت هادي هو المشكلة، فالموت حق على كُـلّ إنسان، والجزاء بيد الله وحده.

لكن المشكلة في هادي الذي عاش، وكيف عاش، وفي الآثار التي تركها في وجدان اليمن وواقعه.

الدماء التي أُريقت، والبنية التحتية التي دمّـرت، والانقسام الذي تعمّق، والأزمات التي تفاقمت.. كلها "مسامير" لا تُنزع بمُجَـرّد رحيل صاحبها.

وَإذَا كان قد رحل، فإن من تسلّموا الراية من بعده - سواء في الرياض أَو عدن أَو غيرها - يواصلون المسار نفسَه: تبعية للخارج، وتنازل عن السيادة، وإدارة البلاد وكأنها مفاتيح معارة لمن يدفع أكثر.

يُريح الكثيرين أن هادي سيمثُلُ الآن أمامَ من لا تعزب عنه مثقال ذرّة، حَيثُ المحاكمة العادلة في حضرة الحيّ القيوم.

وهذا ما كنا نرجوه دائمًا لكُلِّ من أساء لليمن وأهله: محاكمة عادلة، لا محاكمات شكلية في قاعات مغلقة، ولا إفلات من العقاب تحت ذرائع الموت أَو التقادم.

أما نحن، أهلَ هذا البلد، فموعدُنا مع التاريخ لا مع الموتى.

ما يزال أمامنا ثاراتٌ وحساباتٌ لم تُصفَّ بعد، ليس مع شخص راحل، بقدر ما هي مع مشروع كامل تعددت وجوهه وتجسّد في رجال متعاقبين، يؤدون الدور نفسه بأسماء مختلفة.

﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ • وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾.

هذه هي الحقيقة التي لا تموت، بغض النظر عن مَن رحل ومَن بقي.