• العنوان:
    المسار القرآني في مواجهة الاعتداء.. بين جنوح سلم أو سقوط حتمي
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    لم يترك القرآن الكريم حركةَ التاريخ ولا تدافع البشر للصدف والأهواء، فقد وضع للسنن الكونية والاجتماعية مساراتٍ واضحةً وقوانينَ صارمة لا تحابي أحدًا.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

وفي سياق الصراع بين الحق والباطل والاعتداء، رسم مرسِلُ الوحيِ معالمَ واضحةً للمعتدين والباغين، تضعهم أمام خيارَين لا ثالث لهما: إما الإفاقة والعودة إلى جادة الحق والجنوح للسلم، أَو مواجهة السقوط المدوي والاندحار الحتمي.

أولًا: خيار الإفاقة.. الجنوح وبوابة الرحمة

إن القرآن الكريم، في أوج قوته وبيانه، يفتح دائمًا باب العودة؛ فالدعوة إلى الرشد تظل قائمة ومتاحة ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وما لم يحق القول.

يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

هذا المسار يفرض على المعتدي أن يراجع حساباته، وأن يتخلى عن عُتُوِّه واستكباره اللذَين أفرزهما الغي، ليعود إلى مربع المنطق والواقع.

فالعودة إلى الحق فضيلة تحمي صاحبها من العواقب الكارثية، والنزول على مقتضى الرشد والحكمة وصيانة خصوصيات وحقوق الآخرين هو السبيل الوحيد للنجاة في الدنيا والآخرة.

ثانيًا: خيار العتو.. سقوط حتمي

إذا اختار المعتدي أن يمضي في غمرة غيّه، ظانًّا أن مكره وقوته المادية قادران على حجب نور الحق أَو كسر إرادَة أهل اليقين، فإنه يدلف بقدمَيه إلى المسار الثاني: مسار السقوط الحتمي.

هنا تتجلى السنن الإلهية التي لا تتخلف؛ فأهل الحق المستمسكون بـ﴿الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفصام لَهَا﴾ يملكون من الأمنِ النفسي واليقين بالله ما يقلب موازين القوى المادية.

إن الاعتمادَ على الله والتوكل عليه يحول كيد الماكرين إلى هباء، ويجعل من استكبارهم سببًا في تعجيل نهايتهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

سيكولوجية المعتدي والانحدار نحو الهاوية

يتسلل الغرور إلى نفس المعتدي حين يرى حلم الله عليه، فيظن أنه ملك أطراف الأرض، ويبدأ بالتعدي على الحرمات، واقتحام الخصوصيات، والتجسس، وسوء الظن، وهي الممارسات التي نسفها القرآن في سورة الحجرات.

هذا السلوك يعكس إفلاسًا أخلاقيًّا وفشلًا عقليًّا؛ فالبغي أعمى، والخسة تجر صاحبها جرًّا إلى حتفه.

إن القرآن والتاريخ يبرهنان على أن القوة العارية من الحق والشرف والنزاهة هي قوة انتحارية، فكل طاغوت استكبر في الأرض بغير الحق انتهى به المطاف أثرًا بعد عين؛ لأن الله تعالى جعل ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، وجعل للظلم ميعادًا وأجلًا لا يتقدم ساعةً ولا يستأخر.

المسار الذي وضعه القرآن الكريم للمعتدين هو قانون نافذ وسُنة ماضية.

إذن..

أمام أهل البغي فرصة تاريخية لإعادة قراءة الواقع بعين المنطق، والكف عن المكر والاعتداء، والجنوح للسلم، والإقرار بما يحفظ للمجتمعات استقرارها.

أما إذَا ركبوا رؤوسَهم واستمروا في غيهم، فإن سُنة الله في قصم الجبّارين ونصرة المتوكلين بالمرصاد، ولن يجدوا أمام جبال اليقين الثابتة إلا السقوط الحتمي، فسبحانه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾.