• العنوان:
    فكّ شيفرة استراتيجية «عكسنة السرد» في الخليج
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    في الساحة المضطربة للخليج عقبَ العدوان الصهيوأمريكي على إيران، حَيثُ بلغ التصعيد العسكري بين إيران من جهة، وتحالف أمريكا وكِيان الاحتلال الصهيوني من جهة أُخرى ذروته، فتحت واشنطن جبهةً متقدمةً ومعَّقدة وموازيةً في مجال «الحرب الإدراكية» وهندسة السرديات.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

إن التصريحات الأخيرة لكبار المسؤولين الأمريكيين، ولا سيما أقوال ماركو روبيو، تمثّل كشفًا رسميًّا عن سيناريو نفسي مُهندَس، هدفُه الجوهري إعادة تشكيل الحقائق العَيانية في الميدان وتغيير صيغة معادلة الحرب.

في هذه الاستراتيجية، يُعاد تعريفُ إغلاق مضيق هرمز - الذي يُعد وفق المنطقَين العسكري والقانوني ردًّا دفاعيًّا رادعًا ومشتقًّا من حق إيران في الدفاع المشروع إزاء الاعتداءات الأولية للتحالف - على أنه «عمل إجرامي أحادي».

وقد بنت غرفةُ التفكير الإعلامي في البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية؛ -مِن أجلِ تمريرِ هذه الاستراتيجية- شبكتَها السردية على أربعة أعمدة ذكية كـ هيكل يربط بين الأبعاد العاطفية والعسكرية والقانونية؛ بهَدفِ دفع الرأي العام العالمي إلى الوقوع في خطأ تقديري:

في المستوى الأول، تدخل واشنطن في طور «إنساني-عاطفي»، حَيثُ تضخ أرقامًا وعبارات ذات حمولة درامية عالية في وعي المجتمع الدولي؛ فالتركيز على عبارات مثل «احتجاز 23 ألف بحّار مدني من 87 دولة حول العالم» و«وفاة 10 أشخاص في ظروف هشّة ومهملة»، صُمّم بدقةٍ لإثارة الانقسامات العاطفية عالميًّا وبناء صورة كلية قاتمة عن إيران بوصفها فاعلًا غير مبالٍ بحياة البشر.

وفي المستوى الثاني مباشرة، تعيد أمريكا تصويرَ انتشارها العسكري الهجومي في المنطقة تحت مِظلة «عملية دفاعية ذات طابع إنساني».

فادِّعاء «سعي القوات الأمريكية لتوجيه وإنقاذ السفن» ليس إلا تموضع الآلة الحربية الأمريكية خلف قناع التعاطف والسلمية؛ لإخفاء طبيعتها الهجومية والمُولِّدة للأزمات عن أنظار المراقبين.

أما في المستوى الثالث، فيتم تعميق هذا السيناريو عبر «تصنيع الضحية من أطراف ثالثة».

إن التأكيد المتكرّر على براءة البحّارة الذين لا دور لهم في النزاع، لكنهم حُرموا من الموارد الحيوية، يُعد شكلًا واضحًا من الابتزاز الأخلاقي؛ بهَدفِ توجيه ضغط الرأي العام الدولي مباشرة نحو طهران.

وأخيرًا، في المستوى الرابع، تُستكمل هذه السلسلة بوَسْمٍ قانوني-سياسي؛ حَيثُ يُوصَف إغلاق مضيق هرمز بأنه «جريمة دولية مدمّـرة»، تمهيدًا لتهيئة الأرضية اللازمة لإضفاء الشرعية على الخطوات الأمريكية اللاحقة، وتشكيل إجماع دبلوماسي ضد إيران في مجلس الأمن الدولي والاتّحاد الأُورُوبي.

ما تنفذه الجبهة الإعلامية الغربية هو «عكسنةٌ دقيقةٌ فوق-نصية لدورَي المعتدي والضحية».

ففي حين أن الجذر الأَسَاسي والمحرّك الأول لانسداد الخليج يتمثل في الاعتداءات العسكرية المباشرة من قبل أمريكا وكِيان الاحتلال على سيادة إيران،

وأن إغلاق المضيق ليس إلا نتيجة قانونية لذلك، تحاول آلة الدعاية في واشنطن قلب العلاقة بين السبب والنتيجة.

وفي هذا الترابط الإعلامي، تعيد أمريكا -صاحبة سجل عقود من التدخلات- تقديمَ نفسها في موقع «المنقِذ وحامي الاستقرار»، وتُصوِّر إيران، التي تتحَرّك في إطار الدفاع عن نفسها، بوصفها «الجلادَ ومصدر المعاناة العالمية»؛ وهي استراتيجية إدراكية هدفُها النهائي سلبُ حق إيران في الدفاع المشروع في نظر المجتمع الدولي.

* خبير في الشؤون الدولية