• العنوان:
    بين حَــدّ "الكلمة" وزِناد "الموقف"
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

منذ أولى شرارات الصراع البشري، لم تكن الجيوش وحدَها من يحسم مصائر الأمم؛ فقد كانت "الكلمةُ" هي الصخرة التي تتكسر عليها النصال، أَو السّم الزعاف الذي يثبط مفاصل القوى قبل بدء النزال.

واليوم، ونحن نشهد تفاصيل واحدة من أعقد الهجمات التي تتعرض لها الأُمَّــة في تاريخها الحديث، يتبدى لنا بوضوح أن الحربَ المعاصرة تدار في ثنايا غرف التحرير، وعبر مِنصات البث، وخلف كواليس هندسة المصطلحات قبل فوهات البنادق.

إننا نقف أمام مشهد تراجيدي كاشف؛ ففي الوقت الذي تمخر فيه الأساطيل عباب البحار وتدك الطائرات حصون الجغرافيا، هناك ماكينات إعلامية يقودها كِيان الاحتلال الغاصب وحلفاؤه من الغرب الكافر والمنافقين في داخل الجسد الإسلامي، تعمل على تدمير زكاء النفوس، واغتيال الوعي، وتزييف الفطرة البشرية؛ تمهيدًا لغزو ثقافي وأخلاقي هدام يجتث المجتمعات من جذورها الإنسانية ليحيلها إلى قطعان هائمة.

المصطلح كخندق مواجهة: من "راعِنا" إلى سياسات الوعي المعاصر

حين نتأمل المآلَ التاريخي الذي يضعه النص القرآني أمامنا عبر معيار حظر مفردة بعينها واستبدالها بأُخرى {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}، فإننا بصدد وضع أول خطة استراتيجية لأمن المصطلحات في فقه الصراع.

لقد أدرك الأعداء مبكرًا أن الدخولَ إلى عمق المجتمعات وحرف بُوصلتها يبدأ من السيطرة على العبارة، وتطويع اللغة لتخدم مآرب مضلِّلة تخدم أجنداتهم.

هذا الربط السياسي العميق يقودُنا مباشرة إلى قراءة جدار السرد الإعلامي اليوم؛ فالأدوات الإعلامية لليهود ومن يسبح في فلكهم تتحَرّك وفق سياسات ممنهجة تدمج بين ثلاثة مسارات خطيرة:

الاستهداف العسكري والمادي لإيقاع الهزيمة النفسية عبر القتل والدمار.

الحصار الاقتصادي لتجويع الشعوب وتطويع مواقفها السياسية.

الحرب النفسية والدعائية المكثّـفة القائمة على التهويل، والإرجاف، والتخويف، والتي تتبلور في زمننا هذا عبر تصريحات الإدارة الأمريكية والمسؤولين الغربيين (أمثال ترامب) لبث الرعب والتشكيك في المواقف الحرة للأُمَّـة والمحاور المقاومة.

جدلية "الكلمة الطيبة" و"الشجرة الخبيثة".. فرز أخلاقي

في هذا الميدان الشرس، ينقسم المشهد الإعلامي والسلوكي إلى جبهتين لا تلتقيان؛ جبهة "الكلمة الطيبة" التي يصفها الوحي بالشجرة الراسخة الجذور، العالية الفروع، الدائمة العطاء.

إنها إعلام الموقف الصادق، والكلمة البصيرة التي ترفع المعنويات، وتطهر النفوس، وتثبت الأقدام في لحظات الارتداد والضعف.

وعلى الضفة المقابلة، يرتسم مشهد "الكلمة الخبيثة" كشجرة شوك لا قرار لها، تُختصر في خطابات الزيف والافتراء، والتلبيس، ومحاولات إشاعة الفواحش والرذائل بين البشر.

وهنا يبرز الدور التدميري لبعض التيارات والفرق المنحرفة والدخيلة -كالتيار التكفيري الوهَّـابي، وحركات الارتداد المتمثلة بالبهائية والأحمدية وغيرهما- والتي لم تكن سوى أذرع وأبواق وُجدت لضرب النسيج الاجتماعي والمذهبي للأُمَّـة الإسلامية من الداخل، وتمزيق قوتها خدمةً للمشروع الصهيوني-الغربي.

الجهاد الإعلامي: زئير الحق في وجه حملات اللوم والانهزام

ما يمر به العالم اليوم من غليان سياسي يتطلب من المؤمنين بالقضية العادلة عدم الانكسار أمام أمواج البروباغندا الظالمة.

إن الصبر المطلوب في هذا المقام هو "صبر في مقام العمل والجهاد"، ثبات جاد وعزم حديدي يتصدى لسياسات التشكيك والإرجاف بالأدلة والبراهين الساطعة، وليس خنوعًا ولا استسلاما للأمر الواقع.

حين يصف الوحيُ ثلةَ المؤمنين في مرحلة الفرز التاريخي بأنهم {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}، فهو يضع إصبع التحليل على أهم عقدة نفسية تصيب الحركات السياسية والشعوب: "الخوف من النقد والتشويه الإعلامي".

الآلة الإعلامية المعادية تسعى لجعل التمسك بالمبادئ والقيم الإلهية يبدو "عارًا" أَو "تخلفًا"، في حين أن الخزي والدناءة الحقيقية تكلل ناصية أُولئك المنافقين الذين يسارعون في ولاء الكافرين ويبيعون قضايا أمتهم في سوق النخاسة السياسية الدولية.

إن المعركة الإعلامية هي جبهة جهادية مقدسة، وميدان رئيسي من ميادين الجهاد الكبير بالقرآن والوعي الحكيم.

يجب أن ندرك أننا أصحاب مشروع عظيم ورسالة إنسانية راقية، ولن نسمح للماكينة الصهيونية وأدواتها المنافقة أن تحولنا إلى أُمَّـة فوضوية متفلتة من قيمها.

بقوة الحق، وجمال المنطق الصادق، وعنفوان الموقف، ستتهاوى عروش التزييف، وستجتث شجرة الباطل الخبيثة، ليبقى القول الثابت هو منار الطريق في الدنيا والآخرة.