• العنوان:
    البناء المضاد في مواجهة الحرب الناعمة!
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    بعد نشر مقالي السابق "لماذا الهوية الإسلامية في مرمى استهداف الحرب الناعمة؟"، سألني أحد الأصدقاء عن الحل لمواجهة هذه الحرب الخطرة، وهنا وجدت من المهم أن أكتب هذا المقال كوجهة نظر تحليلية، أُشخّص فيها المشكلة وأضع بعض الحلول لها، فالحرب الناعمة لا تُهزم ببيان يُقرأ على عجل، ولا بشعار يُرفع في مناسبة، فهي معركة وعي تمتد إلى العقول والسلوك والذوق العام، ولا يسقطها إلا مشروع مضاد يمتلك جذوراً أعمق وأدوات أذكى، فمسار المواجهة لها يمكن اختصاره في ثلاث ركائز متكاملة ينهض بعضها على بعض، وهي كالتالي:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

 ١- التحصين الداخلي:

ونعني بذلك أن تبدأ بتحصين الإنسان نفسه من اختراقات هذه الحرب الكارثية، ليس بالحفظ السطحي للنصوص ومفاهيم الهوية الإيمانية والقرآنية؛ لأن ذلك يظل هشّاً محبوساً في الذاكرة دون أن يتحول إلى عدسة يفسّر بها الواقع، وإلى عادة وقناعة تحكم القرار والعلاقة والاستهلاك، وإنما بالإقناع والفهم المدرك والواعي لهذه الحرب وأشكالها ومخاطرها، وبالترسيخ الصحيح لمفاهيم الهوية الإسلامية والإيمانية، فالفرق كبير بين من يردّد آية عن الولاء والبراء، وبين من يفهم مقتضاها في موقفه اليومي من الإعلام والموضة والعلاقات، الأول قد يهتز أمام أول "ترند" معاكس، والثاني يملك مناعة، لأن ما لديه أصبح جزءاً من تكوينه لا مجرد كلام عابر.

٢- فرضية البديل:

إن التحذير اللفظي من المنصات والتطبيقات والمسلسلات المستوردة لا يوقف أحداً، بل ربما تتحول التحذيرات أحياناً إلى نوع من الترويج لهذه المنصات والتطبيقات والحلزونات، لأن الإنسان بطبعه - خصوصاً حديثي السن والنشء والشباب- يبحث عن ملء الفراغ اليومي لديه، ما يوجب توفير الشيء البديل المعوّض لهم، فالفكرة لا تُهزم إلا بفكرة أقوى منها وأكثر جاذبية في الشكل والمضمون.

ويمكننا من خلال البديل القرآني العصري صناعة محتوى قصصي، درامي، كوميدي، ووثائقي بنفس جودة الإنتاج العالمي، وإيجاد منصات وتطبيقات تحترم وقت المستخدم وعقله وثقافته وهويته وإنسانيته، بل وآدميته، بما يغنيه عن "الحلزونات" الإلكترونية المصممة للإدمان والمدمرة للقيم والمبادئ والأخلاق، وبدون هذا البديل العملي تبقى دعوات المقاطعة خطبة جمعة ينتهي أثرها يوم السبت.

٣- سيادة لا تنازل عنها:

إن حماية حدودنا العقلية وثقافتنا ومعتقداتنا الدينية من خطر اختراقات هذه الحرب الكارثية مهمة ضرورية لا تقل ضرورتها عن حماية حدودنا البرية والبحرية، وتبدأ هذه المهمة بإيجاد تشريعات صارمة وقوانين لمحاربة الفساد الإلكتروني، الذي يُعتبر أشد خطورة وضراوة من كل الأنواع والأنماط الأخرى من مسميات الفساد، بكونه فساداً شاملاً عارماً يمس الدين والتربية والقيم والأخلاق والسياسة، فدور القانون والسياسة الثقافية يكمن في منع وتحجيم ضرر هذا الفساد أو الاختراق الوقح وتلافي شيوعه ومضاره، رغم يقيننا أن القانون وحده - بلا تحصين داخلي وبلا بديل جاذب - لا يكفي، ويتحول إلى قمع شكلي يزيد النفور ولا يصنع المناعة.

خلاصة الخلاصة:

التحصين يصنع الإنسان المنيع، والبديل يصنع البيئة السليمة، والقانون يحمي الاثنين من الاجتياح، والمعركة اليوم ليست في منع ما يأتي من الخارج فحسب، وإنما في بناء ما يستحق أن يبقى في الداخل.

والسؤال المطروح الآن: إذا بدأنا بمشروع البديل العصري، فأي المجالات أولى بالبناء العاجل؟ الدراما والمسلسلات، صناعة الألعاب، منصات التواصل، أم المحتوى التعليمي القصير الذي يصل إلى الجيل الجديد بسرعة؟