• العنوان:
    مِلف الأسرى.. هل يرضخ الجلاد لمنطق الإنسان؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

حين نرقُبُ مشهدَ التوقيع الأخير على قوائم الأسرى، وفق تفاهمات سلطنة عُمان واتّفاق السويد، تقفزُ إلى الذهن تساؤلات حادة لا تقبلُ المواربة: لماذا الآن؟

وما الذي أجبر الغطرسة السعوديّة على النزول من بُرجها العاجي لتقايض الأسماء وتدقّق في الأعداد؟

وهل استيقظ الضمير الإنساني فجأة لدى تحالفٍ لم يترك في اليمن شجرًا ولا حشرًا إلا وطاله بآلة موته وحصاره؟

الحقيقة التي يدركها أولو الألباب أننا لسنا أمامَ صحوة إنسانية، بل أمام رضوخ حتمي؛ وهنا نضع العدوّ أمام "محاكمة عقلية" بسيطة:

هل كان للنظام السعوديّ أن يلتفتَ لأسير واحد لولا مرارةُ الفقد التي تذوقها في صفوف ضباطه؟ وهل كان لهذا المِلف أن يتحَرّك قيد أنملة لولا البأس اليماني الذي جعل من "الدم الملكي" ورقة ضغطٍ لا يمكن تجاوزها؟

إن الإجَابَة تكمن في صُلب الاستراتيجية التي انتهجتها لجنة الأسرى في صنعاء، والتي ربطت ببراعة إيمانية بين مصير الغزاة وبين حرية كُـلّ مجاهد ومواطن يمني؛ لتؤكّـد للعالم أن الإنسان في قاموسنا كرامة لا تُجزأ، بينما هو في قاموس العدوّ مُجَـرّد "رقم" يُهمل حين يكون يمنيًّا مرتزِقا، ويُستنفر لأجله حين يكون سعوديًّا.

وإذا ما غُصنا في "التشريح النفسي" لهذا العدوّ، سنجد أن توقيعَه ليس صك سلام، بقدر ما هو محاولة "هروب ذكية" من فضيحة أخلاقية وعسكرية تلاحقه أمام عائلات جنوده.

السعوديّ لا يفهمُ إلا "لُغة الحاجة"؛ فهو يرى في أسراه خنجرًا في خاصرة كبريائه الزائف، وما قبوله بالقوائم إلا محاولة لتبريد الجبهة الداخلية التي باتت تضجُّ بالتساؤلات.

لماذا الإصرارُ على استقلالية هذا المِلف عن "خارطة الطريق"؟ فعلًا، هو فصلٌ للحق الإنساني عن بازارات المقايضة؛ فالحرية حقٌّ رباني لا ينبغي أن يُرهن بمناورة دبلوماسية.

وهنا نتساءل بالبصيرة القرآنية: كيف استطاع المقاتل اليمني المحاصر أن يجسّد قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}؟ إنها عظمة المشروع الذي يجعل من الأسير "ضيفًا" يُكرم حتى يُفدى، بينما يجعل العدوّ من أسيرنا "خصمًا" يُعذب.

أما بالنظر إلى "المستقبل الاستشرافي"، فإن هذا الاتّفاق يضع العدوّ أمام خيارين: إما التنفيذ الأمين الذي يمهّد لخطوات إنسانية أوسع، أَو الاستمرار في المماطلة التي لن تزيد شعبنا إلا إصرارا على انتزاع الحقوق بالقوة.

إن الرهان لم يكن يومًا على "حبر" الاتّفاقات، وإنما على "نار" التضحيات.

السعوديّ لا يقدّم خطوةً إلا تحت الضغط، وما لم يلمسْ أثرَ القوة في الميدان، فسيظل التوقيعُ مُجَـرّد حبرٍ على ورق كما جرت العادة.

أين هي الإنسانيةُ المزعومةُ والعدوانُ والحصار ما يزالان ينهشان في جسد الوطن؟ إن مِلَفَّ الأسرى هو انتصارٌ للإرادَة السيادية، وشهادةٌ حية على أن طريق الحرية لا يمر عبر استجداء الجلاد، بل عبر إرغامه على كسر الأغلال؛ صونًا للعهد، ووفاءً لكل أم تنتظر، ويقينًا بأن ما ضاع حقٌ وراءه مُطالبٌ يتنفسُ القرآن ويمتطي صهوة الميدان.