• العنوان:
    طهران ترمي الكرة إلى ملعب واشنطن.. "شروط الثقة الخمسة" تقيّد "المناورات" بمسار عملي حاسم
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت | نوح جلّاس: بالتزامن مع الجهوزية العسكرية، ردت الجمهورية الإسلامية في إيران على المناورات السياسية والدبلوماسية الأمريكية بمسار عملي جدي، محددةً عدداً من الشروط العادلة والمشروعة يسبق تنفيذها الدخول للجولة الثانية من المفاوضات، لترمي الكرة إلى ملعب الولايات المتحدة، ما يجعل واشنطن تواجه مزيجاً من الردع والضغط الاقتصادي والسياسي الذي يقيّد كل مراوغاتها.
  • كلمات مفتاحية:

وتكشف الشروط الإيرانية الخمسة التي وضعتها طهران للعودة إلى مسار التفاوض مع الولايات المتحدة عن تحوّل عميق في طبيعة المواجهة السياسية والعسكرية القائمة، حيث أكدت الجمهورية الإسلامية بهذه الشروط أنها تتعامل مع طاولة المفاوضات كامتداد مباشر لمعادلات القوة التي فرضتها خلال الحرب وما بعدها.

ووفق ما نقلته وكالة “فارس” عن مصدر مطلع، فإن الشروط الإيرانية تشمل إنهاء الحرب في جميع الجبهات وخصوصاً لبنان، ورفع العقوبات عن إيران، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والتعويض عن الأضرار الناجمة عن الحرب، إضافة إلى الاعتراف بحق السيادة الإيرانية على مضيق هرمز.

وبإعلان إيران أنها لن تدخل الجولة الثانية من المفاوضات دون تنفيذ خطوات عملية لبناء الثقة، يتأكد للجميع أن طهران باتت تتعامل مع واشنطن من موقع الندية والقدرة على فرض الإيقاع السياسي، مستندة إلى جاهزية عسكرية عالية ومعادلة ردع فرضت نفسها على حسابات الولايات المتحدة وحلفائها.

وبالعودة للشروط، فإن هذه البنود تحمل في مضمونها رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز إطار التفاوض التقليدي، حيث تعني عملياً أن إيران لم تعد تقبل العودة إلى طاولة المحادثات تحت الضغط أو التهديد، أو السماح لواشنطن باتخاذ المفاوضات كوقت مستقطع للملمة أوراقها المبعثرة، في حين تؤكد هذه الشروط أن طهران ترفض أي محاولة أمريكية لتحويل التفاوض إلى أداة لانتزاع مكاسب عجزت واشنطن عن تحقيقها عسكرياً.

كما أن ربط طهران العودة إلى المفاوضات بالتنفيذ العملي المسبق لهذه البنود يقيّد بشكل مباشر سياسة المناورة الأمريكية، ويغلق الباب أمام أسلوب المماطلة وكسب الوقت الذي اعتمدته الإدارات الأمريكية خلال مراحل سابقة.

ويبدو واضحاً أن إيران تتعمد تثبيت معادلة جديدة عنوانها “الالتزام أولاً ثم التفاوض”، في مقابل النهج الأمريكي القائم على تقديم وعود سياسية فضفاضة دون ضمانات حقيقية.

وفي هذا السياق، تبرز الجاهزية العسكرية الإيرانية كأحد أهم العوامل التي منحت طهران هذا الموقف الصلب على الطاولة الدبلوماسية؛ فالجمهورية الإسلامية تتحدث من موقع يمتلك أوراق ضغط ميدانية قادرة على التأثير في الداخل الأمريكي ذاته، لا سيما وأن الولايات المتحدة باتت تعيش أزمات اقتصادية يومية جراء معادلة مضيق هرمز.

وهنا يأتي الإصرار الإيراني على الاعتراف بحق السيادة على مضيق هرمز كجزء أساسي من شروط بناء الثقة، باعتبار أن هذا الملف يمثل إحدى أهم نقاط القوة الاستراتيجية التي تمتلكها طهران في مواجهة واشنطن.

كما أن تأكيد إيران للوسيط الباكستاني أن استمرار الحصار البحري في بحر العرب وخليج عُمان بعد وقف إطلاق النار يعزز فرضية “عدم موثوقية التفاوض مع أمريكا”، يعكس حجم الشكوك الإيرانية تجاه النوايا الأمريكية، ويؤكد أن طهران تنظر إلى أي تحرك ميداني أمريكي باعتباره جزءاً من معركة الضغط السياسي والتفاوضي.

وتكشف هذه الرسائل أن القيادة الإيرانية تتعامل مع الميدان والدبلوماسية كجبهة واحدة متكاملة؛ فكل تحرك عسكري أو اقتصادي أو بحري بات ينعكس مباشرة على مسار التفاوض، وهو ما يفسر تمسك إيران بموقف صارم يمنع واشنطن من الفصل بين الضغوط العسكرية والمسار السياسي.

وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام مأزق متزايد؛ إذ إن قبول هذه الشروط يعني اعترافاً عملياً بفشل سياسة الضغوط القصوى، بينما يؤدي رفضها إلى استمرار حالة الاستنزاف السياسي والعسكري والاقتصادي، خصوصاً في ظل عجز واشنطن عن تغيير معادلات طهران التي فرضتها بالقوة، فضلاً عن الفشل الأمريكي في الحد من تأثيرات تلك المعادلات على الرغم من التهدئة الحاصلة.

وفيما تتحدث المصادر الإيرانية لوكالة فارس أن المقترح الأمريكي المكوّن من 14 بنداً صيغ بصورة أحادية لخدمة المصالح الأمريكية، فإن الرد الإيراني يأتي ليكون حاسماً عبر وضع شروط دقيقة ومحكمة، تنقل الكرة بالكامل إلى الملعب الأمريكي، وتفرض على واشنطن اختباراً عملياً لمدى جديتها في التهدئة.

وتؤكد هذه التطورات أن إيران تتعامل مع الضغوط الأمريكية بوصفها تهديداً وجودياً وجزءاً من معركة طويلة الأمد يمكن إدارتها واستنزافها، مستفيدة من جاهزية عسكرية متقدمة، وقدرة على التحكم بإيقاع التصعيد، وربط أي مسار سياسي باعتراف واضح بالحقوق السيادية والاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.

وبذلك، تبدو طهران اليوم أكثر ثقة بقدرتها على فرض قواعد اشتباك جديدة، تجعل أي تفاوض مستقبلي محكوماً بوقائع القوة التي أنتجها الميدان، لا بالرغبات الأمريكية أو الإملاءات الغربية، الأمر الذي يضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ إما القبول بالواقع الجديد، أو مواجهة استنزاف مفتوح في السياسة والميدان معاً.