• العنوان:
    انشقاق البحر.. بين فرعون الأمس وفرعون العصر
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

المشهد يتكرّر، وإن اختلفت الأسماء والوجوه.

فالتاريخ يعيد دروسه لمن أراد أن يعتبر، ويعيد مصارعه لمن أصر على العناد.

اليوم، يقف ترامب على ضفة البحر السياسي والعسكري، ويراه ينشق يابسًا أمام محور الجهاد الممتد من طهران إلى بيروت وصنعاء وغزة.

طريقٌ لم يكن موجودًا بالأمس، شقته إرادَة الصبر والتضحية والدم.

تمامًا كما وقف فرعون قديمًا يرى البحر ينشق لموسى عليه السلام وقومه، طريقًا للنجاة لم يخطط له بشر.

غرور القوة يصنع الهلاك

فرعون لم يتعظ من الآية.

رأى معجزة لا ينكرها عقل، لكن الكِبر أعماه.

ظن أن انشقاق البحر علامة ضعف في صفوف موسى، وأنها فرصته للانقضاض.

فاندفع بجنوده في الطريق اليابس، وكانت نهايته بيده.

البحر الذي أنجى المستضعفين هو ذاته الذي أغرق المستكبرين.

وترامب اليوم يكرّر المشهد بحذافيره.

يرى محور المقاومة يخترق الحصار، ويكسر معادلات الردع، ويفرض واقعًا جديدًا في الإقليم.

يرى التحولات الاستراتيجية الكبرى من باب المندب إلى شرق المتوسط، ومن الخليج إلى البحر الأحمر.

لكنه بدل أن يقرأها كآيات، يقرأها كتحديات يجب سحقها.

يهدّد، ويحشد الأساطيل، ويفرض العقوبات، ويظن أن الكلمة الأخيرة له.

وهذا هو جوهر الاستكبار الفرعوني: أن ترى الحقائق ثم تقلبها، وترى طريق النجاة للآخرين فتظنه طريق هلاكهم.

الجولة الأخيرة

ما يميز اللحظة الراهنة أنها لحظة مفصلية.

كُـلّ المؤشرات تقول إننا أمام الجولة الأخيرة.

لماذا؟

1. اكتمال عناصر القوة: محور الجهاد لم يعد جماعات متناثرة.

صار منظومة متكاملة عسكريًّا وسياسيًّا وشعبيًّا.

من صواريخ إيران الفرط صوتية، إلى مسيّرات اليمن، إلى ترسانة حزب الله، إلى صمود غزة.

2. انكشاف المشروع المقابل: المشروع الأمريكي الصهيوني وصل إلى ذروة عجزه الأخلاقي والسياسي.

لم يعد قادرًا على تسويق نفسه حتى داخل مجتمعاته.

3. انقلاب المعادلات: البحر الذي كانوا يسيطرون عليه صار يهدّدهم.

الممرات التي كانت آمنة لهم صارت ساحة اشتباك.

والحصار الذي فرضوه ارتد عليهم.

ترامب يعلم هذا، لكنه كفرعون، لا يستطيع إلا أن يمضي حتى النهاية.

فالاستكبار لا يسمح لأصحابه بالتراجع، حتى لو رأوا الهلاك رأي العين.

وعد الله لا يُخلف

سُنّة الله في الطغاة واحدة: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ}.

النهايات لا يصنعها البشر وحدَهم، إنما تصنعُها أعمالُهم حين تبلُغُ الذروة.

المجاهدون في المحور اليوم لا يقاتلون لأجل سلطة أَو نفوذ، بل لأنهم يرون أنفسهم يمشون في الطريق اليابس الذي شقَّه الله لهم وسط بحر الظلم العالمي.

وهذا هو الفارق الجوهري بينهم وبين فرعون العصر: هؤلاء يرون البحر آية، وترامب يراه ساحة معركة.

الجولة القادمة لن تكون كسابقاتها.

فكل ما قبلها كان تهيئة، وكل ما فيها كان استنزافًا.

أما الآن، فالبحر انشق، والطريق اتضح، والنهاية ستكونُ على يد من صبروا وصابروا ورابطوا.

فرعون الأمس هلك بالماء، وفرعون العصر سيهلك بغروره.

والتاريخ سيكتب أن الطغاة لا يتعلمون، حتى عندما ينشق لهم البحر.