• العنوان:
    السيادة المؤجَّلة: بين فريضة إعداد القوة وواقع الهيمنة الدولية
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    ليست القضية اليوم مُجَـرّد تعاطف مع فلسطين، ولا مُجَـرّد اعتراض على حصار الجمهورية الإسلامية في إيران، إنها اختبارٌ حقيقي لمفهوم السيادة في الوعي الإسلامي المعاصر: هل تملك الأُمَّــة قرارها، أم أنها لا تزال تتحَرّك داخل حدود ما تسمح به موازين القوة الدولية؟
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

إن الدعوات التي تحذّر من امتلاك أية قوة إسلامية لأدوات الردع، وفي مقدمتها التقنية النووية، تكشف خللًا مزدوجًا؛ خللًا في معايير العدالة الدولية، وخللًا في قراءة بعض النخب لطبيعة الصراع.

فالعالم الذي لم يمنعْ استخدامَ السلاح النووي في هيروشيما، لا يملك سندًا أخلاقيًّا حين يمنعُ الآخرين من تطوير قدراتهم الدفاعية، خَاصَّة إذَا كانوا في موقع استهداف دائم.

إن قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} لا يحدّد نوعًا معيَّنًا من القوة، بل يفتح الباب لكل ما يدخل ضمن مفهوم الاستطاعة في كُـلّ عصر.

وعليه، فإن حصرَ القوة في بعدها العسكري التقليدي، أَو فصلها عن بعدها العلمي والتقني، هو اختزال مخل بالنص وبالواقع معًا.

فالقوة في زمننا لم تعد بندقية فقط، فقد أصبحت معادلات فيزيائية، ومختبرات، وقدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها.

ومن هنا، فإن الحديثَ عن امتلاك أدوات الردع لا يمكن فصلُه عن بناء قاعدة علمية وتقنية مستقلة؛ لأن من لا ينتج المعرفة يظل تابعًا لمن ينتجها.

التاريخ الإسلامي يقدم نموذجًا مختلفًا عن الثنائية الزائفة بين القوة والعلم؛ إذ لم يكن ازدهارُ الطب والرياضيات والفلك ترفًا، فقد كان جزءًا من بنية حضارية متكاملة.

ولم يكن فتح البلاد قائمًا على البطش، إنما على إعادة تشكيل الواقع المعرفي والاجتماعي بما يحقّق قدرًا أعلى من العدل.

هذا المعنى يغيب في كثير من الطروحات المعاصرة التي تستحضر الماضي بوصفه مجدًا منقطعًا، لا؛ باعتبَاره تجربة يمكن تحليلها واستخلاص قوانينها.

في المقابل، يستخدم النظامُ الدولي المعاصر أدواتٍ أكثرَ تعقيدًا للهيمنة، حَيثُ تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة حصار، من خلال العقوبات، والتحكم في سلاسل الإمدَاد، والتفوق العسكري النوعي.

وهذا يفرض نتيجة مباشرة: من لا يمتلك أدوات القوة الحديثة، يصبح عرضة للابتزاز.

غير أن هذه النتيجة تحتاج إلى ضبط؛ لأن امتلاك القوة ليس هدفًا قائمًا بذاته، إنما وسيلة ضمن إطار قيمي.

الإشكال لا يكمن في السعي لامتلاك القوة، بل في غياب تصور واضح لكيفية توظيفها.

فالقوة إذَا انفصلت عن القيم تحولت إلى أدَاة تدمير، كما تثبت تجارب معاصرة عديدة.

كما يظهر في الخطاب السياسي داخل الأُمَّــة تناقض لافت؛ إذ يُدان العدوان الصهيوني من جهة، لكن في الوقت نفسه يتم التردّد أَو التحفظ تجاه أي مشروع يسعى لكسر التفوق الاستراتيجي لكيان الاحتلال الصهيوني الغاصب.

هذا التناقض يعكس أزمة في فهم طبيعة الصراع، الذي لا يمكن اختزاله في بعد أخلاقي مُجَـرّد، ولا في بُعد عسكري صرف، بل هو تداخُلٍ بين الاثنين.

الاكتفاء بالإدانة دون بناء قدرة ردع يجعل الخطاب فاقدًا لأثره العملي.

أما استحضار النصوص القرآنية المتعلقة بالنصر والتوكل، فيحتاج إلى قراءة منهجية لا عاطفية.

فالنصر في المنظور القرآني ليس نتيجة حتمية لمُجَـرّد الانتماء، بل هو ثمرة اجتماع الإعداد المادي مع الالتزام القيمي.

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} لا تعني تعطيل الأسباب، لقد تعني توجيهها ضمن منظومة أوسع تضبط الفعل الإنساني.

بناءً على ذلك، فإن التحديَ الحقيقيَّ لا يكمنُ في إطلاق دعوات عامة للنهوض أَو الحماس، إنما في إعادة بناء العلاقة بين العلم والقوة والسيادة.

فالعلم ليس عنصرًا ثانويًّا، بل هو الأَسَاس الذي تُبنى عليه القدرة، والقوة ليست غاية، بل أدَاة لحماية الحق، والسيادة ليست شعارًا، بل نتيجة مباشرة لامتلاك المعرفة والإمْكَانات.

إن القول بأن الليل سينجلي لا يحمل قيمة تحليلية ما لم يُربط بشروط موضوعية، لأن التاريخ لا يتحَرّك بالرغبات، بل بقوانين واضحة: من يملك القدرة يفرض شروطه، ومن يفتقدها يُفرض عليه.

وبين هذين المسارين تتحدّدُ مسؤوليةَ الأُمَّــة، لا بوصفها ضحية دائمة، إنما بوصفها فاعلًا مطالبًا بإعادة تعريف موقعه في معادلة القوة.