• العنوان:
    في حرب المصطلحات المستعرة.. ما أصل ومصدر مصطلح "وكلاء إيران"؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت | خاص: "وكلاء إيران" و"إيران ووكلاؤها".. مصطلح من أكثر المصطلحات التي استخدمها أعداء الأمة في حرب المفاهيم حتى يومنا هذا.
  • كلمات مفتاحية:

فمع بزوغ فجر المقاومة الشعبية اللبنانية عام 1982م، عقب اجتياح لبنان، وجدت آلة الحرب الصهيونية نفسها في مأزق أخلاقي وعسكري؛ فكيف لجيش نظامي أن يُهزم أمام فلاحين ومقاومين محليين؟ وحينها سقط كيان العدو كقوة لا تقهر.

وبإيعاز مباشر من أجهزة الاستخبارات الصهيونية "أمان والموساد"، بدأ ترويج مصطلح "أذرع إيران"، حيث كان وزير الحرب آنذاك، المجرم "أرئيل شارون"، هو أول من ضخ هذا المصطلح في الأوساط السياسية والإعلامية.


وسريعاً ما انتشر مصطلح "وكلاء إيران" لنزع الصبغة الوطنية عن المقاومة الإسلامية في لبنان، وتصويرها كجسم غريب مزروع في الأرض اللبنانية.

وبعدها بأشهر، تظهر المراجع التاريخية الموثقة، ومنها أرشيف الخارجية الأمريكية، تحولاً جذرياً ومفاجئاً في القاموس السياسي الرسمي في واشنطن؛ فبعد أن كانت التقارير الأمريكية تشير بوضوح إلى مقاومين أو مقاتلين محليين يدافعون عن أراضيهم المحتلة، توقفت هذه الرواية تماماً، وبدأ الساسة والإعلام الأمريكي باستخدام مصطلح "وكلاء إيران".

وكأحد ثمار اتفاقية التعاون العسكري والاستراتيجي الموقعة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة في نوفمبر من العام 1983م، تبنت واشنطن الرواية الإسرائيلية بالكامل، وجرى تبييض مصطلح "الأذرع" بمفهومه العبري، وتحويله إلى المصطلح الدبلوماسي العالمي: "وكلاء إيران".

ويعد وزير خارجية أمريكا "جورج شولتز" أول الساسة الأمريكيين الذين أطلقوا المصطلح عام 1984م، عقب عملية المقاومة اللبنانية التي لم تكن بعد قد سميت بـ "حزب الله"، والتي استهدفت المارينز الأمريكي في بيروت.

حينها سعى شولتز، بإيعاز من دوائر الاستخبارات الأمريكية والصهيونية، في خطابه الشهير عن "الإرهاب والعالم الحديث"، لتحويل المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني إلى جريمة دولية، باعتبارها امتداداً لعمل خارجي يهدف لتشريع استخدام القوة ضد المقاومة اللبنانية.

 وقال وزير الخارجية الأمريكي حرفياً: "علينا أن نكون مستعدين لاستخدام القوة، إن هؤلاء ليسوا سوى "وكلاء لطهران"، والتعامل معهم لا يتم كحركات محلية، بل كأذرع لدولة مارقة".

وفي سياق حرب المصطلحات المستعرة وتعميمها وترسيخها، استمرت محاولات تأصيل كذبة "وكلاء إيران" في تصوير التحركات الشعبية والمقاومة المسلحة للغزاة وكأنها أزمات مفتعلة بإيعاز خارجي.

وفي هذا السياق، يوضح "مامفورد" في كتابه بعنوان "حرب بالوكالة" (في الصفحة الـ 40)، أن الهدف من المصطلح هو "نزع الأهلية وحقها الأصيل في المقاومة والتصدي للغزو".

وأضاف الكتاب: "إن تبني مصطلح الوكالة من قبل إدارة ريجان كان استراتيجية لنزع الشرعية من خلال تصنيف الحركات المحلية كوكلاء"، وبهذا تمكنت واشنطن من تحويل النزاعات الأهلية المعقدة إلى جبهات في صراع عالمي، مما منحها المصوغ الأخلاقي والقانوني للتدخل.

دليل آخر يأتي من وثائق البنتاغون، حيث يكشف المؤرخ العسكري "ديفيد كريست" في كتابه الاستقصائي "The Twilight War"، كيف تحول المقاوم إلى وكيل ضمن بروباغندا استخباراتية إعلامية تسعى لضمان استمرار تدفق السلاح والمال الأمريكي إلى كيان العدو الإسرائيلي.

وأكد المؤلف أن مصطلح "وكلاء إيران" هو كذبة وظيفية صُممت لتسويق فكرة استهداف المقاومة أمام الرأي العام الغربي كضرورة أمنية دولية، وليس كقمع لشعب يطالب بحريته.

 ويشرح ديفيد كريست كيف استُخدم المصطلح كثغرة قانونية للالتفاف على الرفض الشعبي -في حينه- لتمويل حروب الصهاينة في المنطقة، وأضاف: "كان مصطلح "وكلاء إيران" هو المفتاح السحري الذي سمح للإدارة بتجاوز قيود قانون سلطات الحرب، فصُور الأمر كدفاع عن النفس ضد عدوان دولة أجنبية عبر وسطاء، وليس تورطاً في حرب ضد مقاومة محلية".

وفي دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، تظهر الدراسة بوضوح كيف تهدف المصطلحات إلى تغريب المقاوم عن بيئته؛ بهدف كسر الرابط النفسي بين المقاوم وحاضنته الشعبية، وتصوير المقاومين كمرتزقة لا كأصحاب قضية.

وتقول الدراسة في الصفحة الثامنة من مقدمته: "هدف الخطاب الغربي هو تقزيم هؤلاء المقاومين عبر مصطلح الوكالة، لتحويلهم إلى أدوات وظيفية مسلوبة الإرادة، وهو التأطير الذي سمح للقوى الدولية بفرض عقوبات وشن ضربات عسكرية، معتبرة إياهم أهدافاً مشروعة".

وفي السياق، تتوالى الأدلة التاريخية التي تثبت أن الصهيونية تقف خلف مصطلح "وكلاء أو أذرع إيران"، والتتبع التاريخي لأصل ومصدر المصطلح يثبت أنه صناعة استخباراتية بامتياز، أُطلقت في الثمانينيات كغطاء دبلوماسي وعسكري لتحويل المقاومة الناجمة عن الاحتلال والقمع إلى عمالة عابرة للحدود؛ وذلك لشرعنة تصفيتها واستهدافها بعيداً عن مواثيق الأمم المتحدة التي تكفل للشعوب حق تقرير المصير ومقاومة الغزاة.

أبعاد حرب المصطلحات 

وفي صدد معرفة أبعاد حرب المصطلحات في المنطقة، يرى نائب مدير دائرة التوجيه المعنوي، العميد عبد الله بن عامر، أن ضخ مصطلح "وكلاء إيران" وتكثيفه إعلامياً وسياسياً هو "سردية" تهدف لترسيخ مفهوم يسعى من خلاله العدو إلى نزع الشرعية عن المقاومة وإضفاء "طابع الشرعية" على الكيان الإسرائيلي نفسه.


ويوضح بن عامر في حديثة للمسيرة هذا المساء، أن الهدف الرئيسي من ربط حركات المقاومة في اليمن وفلسطين ولبنان بإيران هو إيهام الرأي العام بأن هذه الجهات "ليس لها أهداف خاصة بها"، وتصوير تحركاتها كأنها "تنفيذ لأجندة خارجية" وليست نابعة من دوافع وطنية أو دينية إيمانية.

وأشار إلى أن اليمن استطاع تثبيت "الموقف الديني الإيماني" أمام الرأي العام، خاصة بعد عملية السابع من أكتوبر التي أثبتت استقلالية قرار المقاومة وتوحد المحور خلف "نصرة فلسطين" وليس خلف إيران.

وعن تاريخ المصطلحات وأثرها النفسي، استعاد بن عامر تجارب تاريخية مشابهة، مثل مصطلح "محور الشر" و"الإرهاب"، الذي سوقها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن في مطلع القرن الحادي والعشرين، معتبراً أن هذه المصطلحات تعمل كحاجز نفسي يهدف إلى "حرف الناس عن طبيعة المواجهة الحقيقية ضد العدو الصهيوني، وتوفير مبرر لبعض الأنظمة للارتماء في الحضن "الأمريكي الإسرائيلي" تحت ذريعة محاربة ما يسمى بـ "الأجندة الإيرانية"، وتغييب دور "الدول المركزية مثل "مصر والعراق واليمن وسوريا"، لصالح أدوار دول وظيفية.

وفي تحليله لدور دول الخليج، الوظيفي خدمة للأجندة الصهيونية، اعتبرها العميد بن عامر دولاً "غير وازنة حضارياً" لكنها تملك ثقلاً مالياً يُستخدم كـ "أمين صندوق" وواجهة عربية وإسلامية يحتمي خلفها العدو الصهيوني، وتمول الحروب العدوانية الأمريكية ضد شعوب الأمة.

وعن الدور السعودي أشار بن عامر إلى أن دورها بات بوضوح في "يد الأمريكي والصهيوني"، مستشهداً بحقائق تاريخية تعود لعام 1948م، وصولاً إلى تورطها الاستخباراتي الأخير في اليمن عبر خلايا التجسس التي تعمل بالاشتراك مع "الموساد" و"CIA".

ووصف بن عامر صعود الإمارات الأخير بأنه نتاج "ضبط أمريكي" يهدف لتوسيع الخلافات الإقليمية، معتبراً تحركاتها في المنطقة خدمة لما يسمى بـمشروع "إسرائيل الكبرى"، وكاشفاً عن وجود دور قديم لمكتب "الموساد" في أبو ظبي حتى قبل مرحلة التطبيع المعلن.

 ودعا بن عامر إلى تجاوز هذه المصطلحات "المعشعشة في الرؤوس"، مؤكداً أن المنطقة أمام "صراع إسلامي صهيوني" يستهدف الجميع.

 وحذر من أن محاولات تهيئة الرأي العام نفسياً عبر الدعاية الكاذبة (مثل قضية القنبلة النووية الإيرانية، وامتلاك الأسلحة النووية"  تهدف لجعل الشعوب تقف في "المنطقة الرمادية"، بينما يفرض الواقع ضرورة التحرك الجمعي لمواجهة المخطط الصهيوني الذي يسعى لإخضاع الأمة بالكامل.