• العنوان:
    عقول يمنية في مواجهة المستحيل.. فلسفة الإرادَة وعبقرية الانبعاث
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    إذا أراد اللهُ لشعبٍ أن ينهضَ من عثرته، جعل في كدحه صلاة، وفي عقله نورًا، وفي حاجته مفتاحًا لملكوت الخلق والإبداع. وما العقل اليمني، في ميزان الحقائق، إلا قطعة من الأزل نُحتت من صخور جباله الشمّاء، فجاءت صُلبة لا يلين لها عود، صافية لا يُكدّرها عجز.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

إن هذا الذي يسمونه مستحيلًا ليس في حقيقته إلا وهمًا من أوهام الضعف، وضعه العجزُ حجابًا بين المرء وبين سرّه الإلهي، فإذا جاء اليمني بعزمِه انقشع الحجاب، فإذا المستحيلُ ترابٌ تطؤه الأقدام.

تأمل في هذا الإنسان الذي أحاطت به الخطوب من كُـلّ جانب، وحاصره الضيقُ حتى ظن الواهمون أنه هالك لا محالة، فإنه لم يزدد إلا توهجًا، كأنما الحصار لديه هو البوتقة التي تُصهر فيها المعادن لتمتاز خبيثها من طيبها.

إنه لم يبحث عن النجاة في استجداء الآخرين، بل بحث عنها في طوايا نفسه، وفي معامل فكره، وفي ورشات صنعته المتواضعة؛ هناك، حَيثُ يمتزج العرق بمداد اليقين، وُلدت المعجزة، فصارت الحاجة هي القوة التي تفتق الأذهان، وأضحى العوز هو الروح التي تنفخ الحياة في الجمادات، فتستحيل مخلفات الردى أدوات للهدى والبناء.

إن الاعتماد على الذات في منطق العقل اليمني هو معراج روحاني نحو كمال الحرية وليس تدبيرًا اقتصاديًّا فحسب؛ إذ كيف يكون حرًّا من يأكل من فأس غير فأسه، أَو يستضيء بنور ليس من زيت مشكاته؟

إن كُـلّ آلة يمنية الصنع، وكل فكرة تفتقت عنها عبقرية هذا الشعب في زمن الجدب، هي في جوهرها وثيقة استقلال مكتوبة بدم القلب، وهي برهان ساطع على أن الروح إذَا استعلت على قيود المادة صيرت المستحيل ممكنًا، والصعب ذلولًا.

يا أيها المبدعون المرابطون في ثغور الفكر والابتكار، إنكم لا تصنعون آلات فحسب، أيضًا تصنعون معنى اليمن الجديد؛ اليمن الذي يأبى أن يكون ظلًا لغيره أَو صدى لصوت سواه.

إنكم تثبتون للعالم أن العبقرية هي إيمان يشع من قلب المحنة، وأن اليد التي تتوكل على خالقها، ثم على ساعدها، هي اليد التي ترفع لواء المجد فوق قمم الدهر.

فامضوا في طريقكم، فإنما المستحيل كذبة كبرى، والحقيقة هي ما تصنعه عقولكم الجبارة تحت عين الله.