• العنوان:
    باب المندب بين القانون والربحية: لماذا لا تملك اليمن تذكرة مرور مثل قناة السويس؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

في خضم النقاشات المتزايدة حول موقع اليمن ودوره في الممرات البحرية الاستراتيجية، تلقيتُ اتصالًا من صديق عزيز من الكويت تربطني به صلة تمتد لأكثرَ من عقد من الزمن، ويكنُّ لليمن تاريخًا وشعبًا محبةً صادقة واحترامًا راسخًا.

وقد عبّر لي عن اعتزازه بما أظهره اليمن في السنوات الأخيرة من صمود استثنائي أمام محاولات الغرب بقيادة أمريكا لإخضاعه بذريعة تأمين حرية الملاحة" في مضيق باب المندب؛ زعم يخفي في جوهره هدفًا آخر لا يخفى على أحد، وهو خدمة المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

لقد برهنت صنعاء أنها قادرةٌ على الوقوف ندًا للقوى العظمى في القرن الحادي والعشرين، بعد أن أجبرت الأساطيل الأمريكية على التراجع من البحر الأحمر إثر تكبدها خسائر فادحة في العتاد والذخائر، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البحث عن مخرج عبر وساطة سلطنة عُمان، تمخض عن تفاهم يقضي بوقف الهجمات على اليمن مقابل التزام صنعاء بعدم استهداف السفن الأمريكية.

 من رحم هذه التطورات، راود صديقي الكويتي سؤال لافت اقترح عليَّ من خلاله إمْكَانية أن تفرض اليمن رسومًا على السفن العابرة لباب المندب؛ باعتبَاره شريانًا حيويًّا للتجارة العالمية.

لم أجب عن سؤاله حينها، غير أن الفكرةَ ظلت عالقة في ذهني، ودفعتني إلى البحث والتدقيق في مدى قانونيتها على ضوء أحكام القانون الدولي، وهو ما يقدمه هذا المقال.

عند النظر في هذا الطرح، لا بد من التمييز بين حالتَين قانونيتين مختلفتين تمامًا: قناة السويس التي تعد ممرًّا اصطناعيًّا من صنع الإنسان، ومضيق باب المندب الذي يُعد مضيقًا طبيعيًّا يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

 قناة السويس تخضع لاتّفاقية القسطنطينية لعام 1888 التي منحت مصر حقَّ فرض رسوم عبور تستخدم في صيانة القناة وتطويرها وإدارتها، وهي بذلك جزء من السيادة المصرية الكاملة، مع التزامها بضمان حرية الملاحة في السلم والحرب.

أما باب المندب فهو مضيق طبيعي يخضعُ لأحكام اتّفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 التي أرست قواعدَ دوليةً صارمة للمضائق المستخدمة في الملاحة الدولية، ومن بينها باب المندب، حَيثُ يسري نظام العبور العابر " الذي يمنح السفن التجارية والعسكرية حق المرور المتواصل والسريع دون أن يحق للدولة الساحلية عرقلته أَو تعليقه.

 هذا الفارق الجوهري يجعل اليمن غير قادرة قانونيًّا على فرض رسوم مرور عامة كما تفعل مصر في قناة السويس.

 غير أن القانون الدولي يتيح للدول الساحلية أن تفرض رسومًا مقابل خدمات محدّدة تُقدَّر للسفن العابرة، شرط أن تكون هذه الرسوم متناسبة مع التكلفة، معلنة مسبقًا، غير تمييزية، ومرتبطة بخدمات فعلية مثل توفير أنظمة الملاحة، صيانة العوامات الضوئية، تشغيل محطات مراقبة حركة السفن، خدمات الإرشاد البحري، عمليات الإنقاذ والطوارئ، ومكافحة التلوث.

 في هذه الحالة لا تعد الرسوم رسومًا عن المرور بل مقابلًا مباشرًا لخدمات ضرورية لحماية الأرواح والبيئة البحرية وضمان سلامة الملاحة.

ومن الناحية العملية، يحتاج اليمن إلى تأسيس هيئة مختصة بإدارة شؤون الملاحة في المضيق، تصدر لوائحُ دقيقة تحدّد طبيعة الخدمات وأسعارها وتضمن الشفافية والمساءلة، مع إخطار المنظمة البحرية الدولية بكل القوانين والأنظمة ذات الصلة.

 إلا أن الواقع الميداني يجعل تطبيق هذه الرؤية محفوفًا بالتحديات، فاليمن يعيش حالة من الانقسام وعدم الاستقرار الأمني والسياسي، وهو ما يقوّض قدرته على إدارة مرفق دولي حيوي كمضيق باب المندب بطريقة موثوقة، الأمر الذي يثير شكوك المجتمع الدولي ويضعف القبول بأي ترتيبات مالية جديدة.

 ورغم هذه التعقيدات، يظل باب المندب فرصة استراتيجية لليمن إذَا ما أحسن استثمارها في إطار القانون الدولي، فبدلًا من الدخول في مغامرة سياسية وقانونية محفوفة بالمخاطر عبر فرض رسوم مرور غير مشروعة، يمكن لليمن أن يعزز مكانته بتحويل المضيق إلى مركز عالمي للخدمات الملاحية عالية الجودة، يقدمها وفق معايير شفافة ويجعلها مصدرًا دائمًا للدخل الشرعي والمستدام، في الوقت الذي يحافظ فيه على موقعه كممر دولي مفتوح يحظى بالثقة الدولية.

 إن خاتمة هذا النقاش تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بجدوى مالية أَو قانونية، وإنما بمستقبل اليمن في معادلة الجغرافيا السياسية المتغيرة، ففي عالم يشهد تحولات كبرى في موازين القوى، حَيثُ تصعد دول جديدة وتنكفئ أُخرى، يصبح باب المندب ورقة استراتيجية لا تقل أهميّة عن قناة السويس أَو مضيق هرمز.

غير أن هذه الورقة لن تؤتي ثمارها عبر تحدي القانون الدولي أَو الدخول في صدام مع القوى الكبرى، بل من خلال إدارة ذكية تحول اليمن من طرف معطل إلى طرف مؤسّس لشراكات بحرية واقتصادية وأمنية متينة.

وبذلك، فإن الطريق إلى تحويل باب المندب من مُجَـرّد مضيق جغرافي إلى أصل جيوسياسي يتطلب رؤية متكاملة تستثمر الموقع والشرعية والقانون في آنٍ واحد، لتمنح اليمن مكانة تليق بصموده التاريخي ودوره المرتقب في رسم خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين.