-
العنوان:(نص + فيديو) المحاضرة الرمضانية الثالثة والعشرون للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 24 رمضان 1447هـ 13 مارس 2026م
-
المدة:00:00:00
-
الوصف:
-
كلمات مفتاحية:
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا
مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ
مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ
وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ
المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ
اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ
أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ
وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ
عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
في سياق الآيات المباركة، عن الوحي والبعثة بالرسالة
لموسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، تحدَّثنا
عن بعضٍ من النقاط المهمة، وكتلخيصٍ لبعض النقاط التي لها علاقةٌ بالموضوع:
-
سبق لنا
من خلال الدروس الماضية، من بداية القصة، كيف أنَّ
الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يهيئ بالإرهاصات حتَّى ما قبل خلق الرسل والأنبياء
"صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم"، يمهِّد لذلك ببعضٍ من الإرهاصات المهمة.
-
وعرفنا-
حتَّى فيما يتعلَّق بقصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"- كيف
أنَّ الله أخبر والدته وبشَّرها بأنَّه سيجعله من المرسلين: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7].
-
وكذلك
عرفنا كيف أنَّ الأنبياء والرسل "صَلَوَاتُ
اللهِ عَلَيْهِم"، يحظون بإعدادٍ إلهيٍ خاص لمهمتهم العظيمة المقدَّسة، منذ خلقهم،
ونشأتهم، وفي مسيرة حياتهم، حتَّى القيام بهذه المهمة، حتَّى يحين وقت التنفيذ للمهمة،
وحينها يحظون بالمزيد والمزيد من الرعاية الإلهية، والتوفيق الإلهي.
هم أيضاً يحظون في تربيتهم وإعدادهم بالرعاية على المستوى الذهني،
والنفسي، والبدني، وبالتربية التي يحصلون فيها على زكاءٍ عالٍ، ورشدٍ عظيم، وكذلك في
الحفظ لهم، وصيانتهم، والتسديد لهم، بما يصونهم من كل ما يمكن أن يسيء إلى مهمتهم،
وكذلك في سلامتهم من المؤثرات السلبية في مجتمعاتهم، والبيئة التي ينشؤون فيها، فهم
يحظون أيضاً بالتمهيد الذهني والنفسي، والتهيئة للمهمة العظيمة التي يقومون بها.
ولذلك
عندما تأتي مرحلة البعثة- بنفسها- البعثة بالرسالة،
والتكليف الإلهي بالرسالة، لا تأتي من دون أي مقدِّمات، ومن دون أي تهيِّئة ذهنية ونفسية،
بل كما شرحنا، وكما عرفنا من خلال الآيات المباركة، ما ذكرناه في هذا التلخيص.
في
لقاء نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، في ذلك
المقام العظيم، في مسألة البعثة بالرسالة والوحي إليه بها، قرأنا في الآيات المباركة
مضمون الوحي في بداية البعثة بالرسالة، ما هي العناوين الكبرى، ما هي الأسس التي تبدأ
بها المهمة الرسالية؛ وتحدَّثنا على ضوء ذلك في المحاضرة الماضية.
ومن
الواضح أنَّ البعثة بالرسالة تبدأ بعناوين معيَّنة، وأسس
جامعة، ثم المسيرة بنفسها ما بعد ذلك، هي مسيرة ارتباط للرسل والأنبياء بالوحي، تستمر
مسألة الوحي إليهم في تدبير الله الحكيم "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في إطار
مهمتهم الرسالية، وبحسب التدبير الإلهي، يعني: هناك ما يتعلَّق بمقامات عملية،
بظروف عملية، بتوجيهات عملية، وهناك ما يتعلَّق بتوقيتات في تدبير الله الحكيم لمسألة
الشرائع، ومسألة الأوامر، ومسألة النواهي، فتواكب مسألة الوحي تواكب مسيرة حياتهم منذ
البعثة حتَّى الوفاة، تأتي بشكلٍ منتظم، وهو هنا- مثلاً- في لقاء البعثة بالرسالة،
وفي الوحي بالبعثة بالرسالة، أتت خلاصة معيَّنة، وعناوين أساسية، وهي كافية في هذا
المقام، لكن سيتلوها الكثير والكثير في مقامات، ومناسبات، وظروف، وأوقات أخرى، فيما
هو يتعلَّق بالشرائع، فيما هو يتعلَّق بالأوامر والنواهي، فيما فيه الهداية تجاه مواقف
معيَّنة... وهكذا، فالرسالة الإلهية هي مسيرة هدى، تبدأ من التعليمات بالوحي، وتستمر
مع رسل الله طول حياتهم.
ما
بعد أن أخبره الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالمهمة الرسالية، وبالمضمون
في الوحي، في المضمون الأول لها في المحتوى، الذي يحتوي العناوين الكبرى والأسس المهمة،
خاطبه الله بقوله: {وَمَا تِلْكَ
بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا
عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}[طه:17-18].
كنَّا
تحدَّثنا أيضاً عن أنَّ الأنبياء "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم" والرسل، في
لقاء التكليف بالرسالة، يرون من المعجزات والآيات ما يرسِّخ يقينهم، ويطمئنهم، ويتحرَّكون
على بيِّنة وثقة تامَّة في مهماتهم بالرسالة والنبوَّة، وهنا يرى موسى "عَلَيْهِ
السَّلَام" الآيات العجيبة، التي ستكون آيات له أيضاً في أدائه لمهمته الرسالية،
ومعجزات تدل بشكلٍ قاطع على صدق نبوَّته ورسالته.
قد
يكون السؤال هذا بالنسبة له مفاجئاً، حينما
يسأله الله هذا السؤال، وهذا من نوع الأسئلة التي يقال عنها: (الاستفهام التقريري)،
يعني: ليس سؤالاً للاستفسار؛ بل هو لتقرير موضوع معيَّن، فمثلاً:
هنا بيده عصا، والمسألة واضحة يعني، والله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو من
يعلم الغيب والشهادة، ولا يخفى عليه شيء، ولا يحتاج إلى أن يسأل عن شيءٍ حتَّى يعلم
به، هو العالم بكل شيء؛ لكن هنا في إطار هذه المهمة العظيمة والكبرى، وتجاه
ما يواجهه موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" من تحديات وغيرها، تأتي الآية العجيبة
التي لها أدوار متعدِّدة، وهي: (آية العصا)، أدوار كآية، ومعجزة، وسلاح فعَّال، وفي
نهاية المطاف حتَّى كوسيلة للفرج، وسيأتي أيضاً حتَّى فيما بعد في قصة بني إسرائيل،
في قصة الماء... وغير ذلك.
فائدة
هذا السؤال هنا لموسى "عَلَيْهِ السَّلَام":
أنَّه يلفت نظره ويهيِّئه نفسياً للمعجزة العجيبة، حينما يحوِّل الله تلك العصا التي
بيده إلى حيَّة، يحييها، ويجعل منها حيَّةً تسعى، فالسؤال في المقدِّمة هو يلفت- أولاً-
نظره، ويهيئه نفسياً لهذه المعجزة العجيبة، ويقرِّر في نفسه عندما يرى العصا وقد أحياها
الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وجعلها حيَّةً تسعى، أنَّها بالفعل نفس العصا
التي كانت في يديه، وليست شيئاً آخر، وأنَّها سيكون لها أدوار أخرى عجيبة جداً في مقابل
مهامها السابقة التي كان يستفيد منها فيها، فالسؤال يلفت نظره لذلك.
{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا}[طه:18]،
يعني: أعتمد عليها مع المشي، وعادةً ما تستخدم العصا للتوكؤ عليها، حتَّى في
مرحلة الشباب، يعني: ليست فقط خاصةً بالشيخوخة، يستفاد منها في الأعمال، في
الحركة البعيدة والقريبة... وغير ذلك.
{وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي}[طه:18]،
يعني: أضرب بها أغصان الشجر، لتسقط أوراقها، لتأكلها غنمي.
{وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}[طه:18]،
يعني: حاجات أخرى، أبهمها تأدباً، ولعله كان متفاجئاً من هذا السؤال في ذلك
المقام.
{قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى}[طه:19]،
يعني: اطرح العصا من يدك، {فَأَلْقَاهَا}[طه:20]،
وهنا كانت المفاجأة، {فَإِذَا هِيَ
حَيَّةٌ تَسْعَى}[طه:20]، أحياها
الله على الفور، بمجرَّد أن ألقاها إذا به يراها قد جعلها الله {حَيَّةٌ تَسْعَى}[طه:20]،
يعني: تمشي وتتحرَّك بسرعة، هنا كانت مفاجأة لنبي الله موسى "عَلَيْهِ
السَّلَام"، تفاجأ بها، وفي آيةٍ أخرى من (سورة القصص): {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا
جَانٌّ}[القصص:31]،
يعني: كما في حركة بعض الثعابين والحيَّات السريعة والخفيفة في حركتها واهتزازها،
{وَلَّى مُدْبِرًا}[القصص:31]،
يعني: هرب، هرب من منها، فقد تفاجأ منها، وخاف وهرب، ولم يلتفت أو يرجع؛ ولهذا
قال: {وَلَمْ يُعَقِّبْ}[القصص:31]،
يعني: لم يلتفت إلى خلفه، ولم يرجع.
في
تلك الحالة- ولا يلام موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"؛
لأنها كانت حالة مفاجئة جداً، أنَّ تلك العصا التي كان يتوكأ عليها، ويهش بها
على غنمه، أحياها الله حيَّةً، فإذا بها تظهر أمامه بشكلٍ مفاجئ {حَيَّةٌ تَسْعَى}[طه:20]،
في حركتها السريعة والخفيفة والمخيفة- أثناء هروبه أتاه النداء من الله؛ ليطمئنه:
{يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ
مِنَ الْآمِنِينَ}[القصص:31]،
هذا في (سورة القصص)، ناداه الله باسمه {يَا مُوسَى}[القصص:31]،
طمأنة: {أَقْبِلْ}[القصص:31]،
يعني: عُدْ وأقبل، {وَلَا تَخَفْ}[القصص:31]،
اطمئن يعني، ليس هناك أي خطر عليك من هذا، {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}[القصص:31]،
مِمَّن يحظون من الله بالأمن، وهذه بشارة له، ففي النداء هذا طمأنه الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى": أن محضر الوحي هو محضر رحمة، وكرامة، وأمن؛ فليطمئن، وليعد
إلى المكان، وبشَّره أيضاً بأنه من الآمنين، فهو من رسل الله وأنبيائه، الذين يحظون
بأمنه.
وعاد
موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، شعر
بالاطمئنان من هذا النداء من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، عاد إلى المكان،
وحينما عاد إلى المكان وقد اطمأن، شاهد العصا وهي لا تزال حيَّةً، لا تزال في الحالة
التي قد جعلها الله عليها: {حَيَّةٌ تَسْعَى}[طه:20]،
فأتاه الأمر من الله، في الآية المباركة من (سورة طه): {قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى}[طه:21]،
يعني: يأخذها وهي لا تزال حيَّة، وفور أن يأخذها وهي حيَّة، يحوِّلها الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى" على الفور إلى عصا، تعود إلى حالتها، يعيدها الله إلى حالتها السابقة،
عصاً خشبيةً جامدةً، بمنافعها السابقة، يتوكأ عليها، ويستخدمها في استخداماتها السابقة.
هنا
قد يتبادر إلى الذهن، مثلاً: لماذا لم يخبر الله موسى قبل
ذلك، أنها ستتحوَّل تلك العصا بقدرة الله يحوِّلها ويجعلها حيَّةً تسعى، بحيث لا يتفاجأ
أصلاً من الموضوع؟
لعل
من الدروس المهمة أنه سيعيش التجربة: تجربة
المفاجأة، حينما يحوِّل الله العصا تلك، يجعلها حيَّةً تسعى، كيف هي المفاجأة؟ فارق
كبير بين أن يعيش المفاجأة، وكتجربة هو جرَّب بنفسه أن يعيش تلك المفاجأة، وبين
ألَّا يعيش تلك التجربة، وأن يكون قد عرف مسبقاً بأنَّ الله سيجعلها حيَّةً تسعى، فتكون
المسألة أقل في مستوى التأثُّر النفسي، والتفاعل النفسي، وحينما عاش التجربة فعلاً،
وتفاجأ هو، جرَّب أن يشهد هذه المفاجأة بشكلٍ مفاجئ، هو يستوعب جيِّداً كيف سيكون أثرها
على الآخرين، يعني: حينما يذهب إلى فرعون، كيف ستكون الصدمة لفرعون حينما تأتي
المفاجأة، حينما يلقي العصا ويجعلها الله حيَّةً تسعى، بل جعلها ثعباناً عظيماً، فكيف
ستكون المفاجأة؟
فأن
يعيش الإنسان تجربة شيءٍ ما بنفسه، هناك فارق كبير بين
أن يكون عاش التجربة بنفسه، وبين أن يكون- مثلاً- قد عرف مسبقاً بالقدر الذي
يُخَفِّف كثيراً من أن يستوعب أهمية وأثر ومقدار هذا الأثر للمفاجأة بنفسها، هذا مفيد
له يعني، وهو اطمأن، وكسر الحاجز أمام هذه الآية العجيبة، يعني: فيما بعد يصبح
الموضوع بالنسبة له موضوعاً اعتيادياً، لا يتفاجأ به هناك عند فرعون، أو في مواجهة
السحرة، أو في أي مقامٍ آخر.
{قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى}[طه:21]،
هنا درس عظيم فيما يتعلَّق بهذه الآية العجيبة، والمعجزة التي اختارها الله لموسى "عَلَيْهِ
السَّلَام"، في مقارعة طغيان طاغيةٍ من طغاة التاريخ، من أسوأ الطغاة، من أكبر
الطغاة، من أجرم الطغاة على مرِّ التاريخ هو فرعون، فرعون بما يمتلكه من إمكانات، وقدرات
عسكرية، واقتصادية، وسياسية، والدولة كاملة تحت نفوذه وسيطرته، وبأمره ونهيه، فموسى
"عَلَيْهِ السَّلَام" سيذهب إلى مقارعة ذلك الطاغية، بكل ما يمتلكه ذلك الطاغية
من قدرات إمكانات، ومعه تلك العصا، التي كان يستخدمها لتلك المنافع المحدودة جداً:
يهش بها على غنمه، يتوكأ عليها، ومآرب أخرى من الأشياء الاعتيادية.
هذا
درسٌ مهمٌ جداً في الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وكما
يقول شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ": ((موسى الرجل الفقير، الذي لا يمتلك الأسلحة والإمكانات
التي لدى فرعون، ولا الجيش الذي مع فرعون، في يده عصا، وهو متَّجهٌ إلى مصر بزوجته
وأغنامه ومواشيه، قال الله له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ
عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ
أُخْرَى}[طه:17-18]: [ليس لها دور أكثر من هذا فيما أرى]، أراد الله أن يجعل
من تلك العصا قوَّةً ترعب فرعون وقومه، فمن يثقون بالله، إذا بلغ الناس إلى درجة الوثوق
القوي بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فإنَّه من سيجعل الأشياء البسيطة
ذات فاعليةٍ كبيرة))، هذا الدرس فعلاً، الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى" يجعل حتَّى للأشياء البسيطة تأثيرها الكبير، حينما يثق المؤمنون به،
يتوكَّلون عليه، ويستجيبون له، ويتحرَّكون وفق هديه وتعليماته.
يقول
أيضاً وبتصرف واختصار: ((عصا
موسى كانت ترعب فرعون، كانت تتحوَّل إلى حيَّة، وترهب آل فرعون جميعاً، قضت على كلِّ
ذلك الإفك الذي عمله السحرة، وكانت عبارةً عن سلاح، وعبارةً عن وسيلةٍ للفرج، ولها
أدوار متعدِّدة، ضاعت كل قوَّة فرعون، وجبروته، وجيوشه، وآلياته العسكرية، وحصونه،
أمام تلك العصا، التي قال عنها موسى: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي}[طه:18]))، هذا مختصر من بعض كلام
شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ".
فهي
آية عجيبة، والدرس منها هو هذا: أنَّ الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى" يجعل للأشياء البسيطة تأثيراً عظيماً، حينما يتحرَّك المؤمنون بثقةٍ
بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتوكُّلٍ على الله، ووفق هديه وتعليماته،
وأنَّ الله يفتح لهم أيضاً الآفاق الواسعة من فضله ورحمته، بما يهيئه لهم، ويهديهم
إليه، حتَّى يصلوا إلى مراحل ومستويات كبيرة.
هذه
كانت معجزة موسى "عَلَيْهِ السَّلَام" الأولى والكبرى: معجزة العصا.
ثم
أضيف إليها أيضا آية ثانية، يقول الله له: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}[طه:22-23]،
هذه الآية أيضاً هي آية عظيمة وعجيبة، أمره الله أن يضمم يده إلى جناحه، يعني:
يدخلها من داخل ثوبه، في الآية الأخرى- مثلاً- من (سورة النمل): {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ
بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}[النمل:12]،
وفي الآية من (سورة القصص): {اسْلُكْ يَدَكَ
فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ
الرَّهْبِ}[القصص:32]،
فنجد في الآيات المباركة ما يفيد أنه يدخلها من مدخل القميص الذي يلبسه، يسمَّى في
اليمن [الفِقْرَة]، يدخل يده من هنا إلى جانبه، جانب الإنسان يسمَّى جناحاً؛ لأنه
في موقع الجناح من الطائر، يعني: موقع ضلوع الإنسان في جانبه، فهو يدخل يده،
يقال: باتِّجاه الجانب الذي فيه القلب، يدخلها في ذلك الجانب، ثم يخرجها، حينما يخرجها-
بعد أن كان أدخلها إلى جانبه وضمها- يخرجها وقد صارت بيضاء نورانية، ببياض النور، وصفاء
البياض ونقائه، بشكلٍ عجيب، ثم تعود في ما بعد إلى شكلها الطبيعي، يعني: لونها
الطبيعي، كبقية جسمه فيما كانت عليه سابقاً، هذه الآية أيضاً آية عجيبة: عندما
يخرجوها وقد صارت مضيئةً ببياضها النقي ونورها، {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى}[طه:22]؛
لأن النص المحرَّف الذي لدى اليهود، يشوِّه هذه الآية، يقولون: [أنه أخرجها
مبروصةً كالثلج]، القرآن الكريم يبيِّن الحقيقة، ليست كذلك، بل آية جميلة جداً، نورانية،
ببياض النور.
{آيَةً أُخْرَى}[طه:22]، يعني:
إضافةً إلى آية العصا، {لِنُرِيَكَ
مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}[طه:23]، فهي
في البداية أولاً آيات لموسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، يزداد بها إيماناً، يزداد
بها ثقةً؛ بحيث يتحرَّك وهو يمتلك ثقةً عالية بقوَّة حِجَّته وبرهانه، ولأهميتها
حتَّى على المستوى المعنوي، في مقابل ما يواجهه من تحديات، وصعوبات، ودعايات، لا يتأثر
بأي شيء.
وكما
شرحنا سابقاً، الأنبياء والرسل "صَلَوَاتُ اللهِ
عَلَيْهِم"، يرون من الآيات والمعجزات ما يرسِّخ يقينهم، ويجعلهم على ثقة عالية
جداً، وليس لديهم أي التباس، أو شكوك... أو أي شيء من هذا القبيل.
هنا
أيضاً نتحدَّث باختصار أيضاً عن المعجزات والآيات للأنبياء أنفسهم،
يعني: سبق الإشارة إلى ذلك في قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}[الأنعام:75]،
نجد أيضاً فيما يتعلَّق برسول الله محمد "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"،
أنَّ الله قال بشأنه: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}[النجم:18]،
حتَّى في قصة الإسراء فيما بعد، الإسراء إلى المسجد الأقصى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا
حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}[الإسراء:1]؛
فالله يريهم من الآيات ما يزيدهم يقيناً، اطمئناناً، ثقةً، قوَّةً معنوية في
مواجهة ما يواجهونه من تحديات، وصعوبات، وتشكيك وصد، وكفر، وتكذيب، وشبهات... وغير
ذلك.
أيضاً
يؤيِّدهم بالمعجزات الدَّالَّة على صدق نبوَّتهم ورسالتهم،
أنَّهم صادقون حينما يقولون: أنَّ الله بعثهم بالرسالة والنبوَّة، وتتنوع المعجزات
مع الرسل، بحسب المهام، والظروف، وطبيعة التَّحَدِّيات... واعتبارات أخرى، يعني:
قد تختلف الحالة، مثلاً: نوعية المعجزات التي مع موسى، نوعية المعجزات التي
مع عيسى "عَلَيْهِمَا السَّلَام"، نوعية المعجزات التي مع خاتم الأنبياء
رسول الله محمد "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، مثلاً:
المعجزة الكبرى لخاتم الأنبياء رسول الله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى
آلِهِ وَسَلَّمَ" هي معجزة مميَّزة وخالدة، مميَّزة: في أنها ذات عطاء
دائم، تقدِّم الهدى، وباقية للأجيال، تعيش مع كل جيل، أو يعيش معها كل جيل ويشاهدها،
وهي: القرآن الكريم، الذي قال الله عنه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ
يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88]،
القرآن الكريم هو المعجزة الكبيرة، قال عنها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}[البقرة:23]،
قال عنه أيضاً في القرآن الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9].
نعود
إلى قصة موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، بعد
أن أراه الله الآيتين المعجزتين، بما يجعله هو أولاً على يقينٍ عظيم، وثقةٍ تامَّة،
واطمئنانٍ كامل، وروحٍ معنويةٍ عالية؛ بيَّن له مهمته الرسالية: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:24]،
{اذْهَبْ} يعني:
كرسول من الله ربِّ العالمين، اذهب بالرسالة رسولاً من عند الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى"، الذي هو ربُّ العالمين، {إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:24]،
فتجاوز حده كعبدٍ لله، ومارس الطغيان في كل المجالات: ظلماً للناس، وإضلالاً
لهم، وإفساداً لهم، إفساداً شاملاً في كل المجالات، واستعباداً لعباد الله، وتكبُّراً
عليهم... كل أشكال الإجرام، والفساد، والمنكر، كلها كانت تحت هذا العنوان: (الطغيان)،
يعني: يمارسها فرعون بمستوى فظيع، بمستوى رهيب، تجاوز فيها كل الحدود.
فالطغيان
عنوانٌ جامع، واتِّجاه قوى الطاغوت لممارسته، وتوظيف إمكاناتها
لذلك، يعني: كلما كانت لديها إمكانات أكثر؛ كلما كانت أكثر خطورةً، حينما
توظِّفها لنشر الفساد، لنشر المنكرات، يعني: أُمَّة قوية، تمتلك الإمكانات الهائلة،
ثم تتَّجه اتِّجاه الظلم، اتِّجاه الإفساد في الأرض، اتِّجاه الباطل، والخدمة للباطل،
والإضلال للناس، والاستعباد للناس؛ تصل إلى مستويات خطيرة في ذلك؛ لأنها
توظِّف كل إمكاناتها، كل قدراتها لذلك، كذلك إمبراطورية، أو دولة، أو طاغية يمتلك إمكانات
وقدرات، ويوظِّفها بكلها، ويفعِّلها بأجمعها في خدمة ذلك، في خدمة الإجرام، والفساد،
والضلال، والباطل، والمنكر، والاستعباد للناس؛ يطغى، يعني: يصل إلى تجاوز
لكل الحدود في ذلك؛ فتكون النتائج خطيرة على الناس في واقع حياتهم؛ لأن
مصدر ذلك الظلم، وذلك الفساد، وذلك الإجرام، وذلك الإضلال: قوَّة متمكِّنة،
وظَّفت كل ما بيدها من وسائل وإمكانات وقدرات لذلك؛ ولهذا نجد أن حالة الطغيان
هي حالة خطيرة جداً في واقع البشر.
ولذلك
من المهام الكبرى لرسالة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": أن تواجه
الطغيان، وأن تسعى لتقويض الطغيان، بل إنَّ الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى" هو بالمرصاد للطغاة؛ ولهذا قرأنا- فيما سبق- قول الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى": {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ
(7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا
الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي
الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ
عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر:6-14]،
فالله هو بالمرصاد للطغاة دائماً، سنَّة من سننه؛ لأن حالة الطغيان تصل بالحياة
في واقع المجتمع البشري إلى مستويات خطيرة جداً، يعني: تشكِّل تهديداً كبيراً
على استمرارية الحياة في المجتمعات البشرية، وتُفقد المجتمع الإنساني والبشري قيمته
الإنسانية، وتؤثِّر على الأمور تأثيراً سيئاً، فالطغاة يصلون في إمكاناتهم إلى درجة
الغرور، حينما تخضع لهم المجتمعات؛ يزداد غرورهم، إلَّا أنَّ سنَّة الله لهم
بالمرصاد.
فهنا
نجد من الواضح الدور الأساس للرسالة الإلهية في مواجهة الطغيان:
{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:24]،
يعني: وأنت برسالة الله ستواجه طغيانه، ستعمل على إنهاء هذا الطغيان.
موسى
"عَلَيْهِ السَّلَام" تقبَّل المهمة دون تردُّد، بالرغم
من عظمها؛ لأنه سيذهب إلى مواجهة أكبر طاغية في عصره وزمنه، هنا نتأمل أنه تقبَّل
هذه المهمة، لكن ما الذي سيطلبه من الله عوناً في أداء تلك المهمة، التي يواجه فيها
طاغية عصره، وربما من أطغى طغاة البشرية على مرِّ التاريخ، وما سيواجهه من جهته ومن
جهة أعوانه، تقدَّم بطلباته ودعائه، {قَالَ رَبِّ
اشْرَحْ لِي صَدْرِي}[طه:25]، هذا
الدعاء الذي ابتدأه بهذا، هو تلبية لأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"،
واستجابة لله؛ وإنما من واقعه هو كإنسان ضعيف، يحتاج إلى الله في كل شيء، يطلب
من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ما يحتاج إليه عوناً في مهمته العظيمة
تلك.
{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}[طه:25-26]،
في مقدِّمة ما دعا به: طلب من الله أن يشرح صدره، هذا بحد ذاته يدل على وعي
كبير، ورشد عظيم؛ لأن أول متطلبات المهمة هي فعلاً ذلك، يعني: مع الهدى
الواضح الذي سيؤتيه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والمعجزة البيِّنة، مع
كل ذلك بالتأكيد سيواجه التكذيب، والصد، والحرب الدعائية... وغير ذلك، سيواجه الكثير
من جهة فرعون وقومه مِمَّا يغضبه، ومِمَّا يحزنه، ومِمَّا يستفزُّه، وسيلقى الكثير
من الإساءات والتهديدات، وهذه العوامل النفسية: من غضب، من انفعال، من حزن،
من استياء... وغيرها، هي ذات تأثير على الإنسان، أحياناً تؤثِّر على الإنسان في أدائه
لمهمته، وفي مستوى أدائه لهذه المهمة؛ ولذلك طلب من الله "سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى" أن يشرح له صدره؛ لأنه بحاجة إلى سعة الصدر؛ ليتخلص
من الضيق، وليمتلك قدرةً هائلةً على التَّحَمُّل النفسي؛ حتَّى يتحمَّل
ما يواجهه من صد، وتكذيب، وإساءات، واستفزازات، بشكلٍ قوي، لا يؤثِّر على أدائه لمهمته
العظيمة والمقدَّسة.
وهذا
درس مهم جداً في أهميَّة سعة الصدر، في مقام الدعوة إلى الله، وفي
كل مواقع المسؤولية، وفي النهوض بالمسؤوليات المهمة، يحتاج الإنسان إلى سعة الصدر،
إلى التَّحَمُّل النفسي؛ حتَّى يكون أداؤه سليماً من الانفعالات الناتجة عن
الضيق النفسي، أو عن حالة الانفعال، أو عن أي تأثيرٍ آخر: سواءً ما يحزن الإنسان، أو
يغضبه، أو يبعث عنده حالة الاستياء والانفعال... وغير ذلك.
الإنسان
بحاجة إلى أن يكون واعياً بأهمية هذه المسألة في مقام المسؤولية،
في أي مستوى من مستويات المسؤولية، يحتاج الإنسان إلى سعة صدر؛ ولهذا قال أمير
المؤمنين علي "عَلَيْهِ السَّلَام": ((آلَةُ
الرِّيَاسْة سَعَةُ الصَّدْر))، (الرِّيَاسْةُ) هنا:
الرئاسة في أيِّ مستوى، يعني: ليس فقط رئيس جمهورية، أو رئيس بلد، يعني:
حينما ترأس أي عمل، حينما تكون مسؤولاً على رأس أي عمل، أو مهمة، تحتاج إلى سعة صدر،
وأن تتعامل بناءً على ذلك، أن يكون لديك تحمُّل تجاه ما يستفزك، تجاه ما يسوؤك، تجاه
ما يغضبك، تجاه ما يبعث عندك حالة الاستياء والانفعال؛ حتَّى يبقى أداؤك العملي
سليماً من حالة الانفعال، الناتجة فقط عن ما استفزك، أو أغضبك، أو أحزنك، أو دفعك إلى
حالة الانفعال، يعني: يبقى الأداء العملي خالصاً فيما يخدم المهمة العملية،
وفيما يناسبها، لا يخرج عمَّا يناسب المهمة إلى ما يعبِّر عن الحالة النفسية؛ لأن
الإنسان إذا أصبح تصرفه العملي وفقاً لحالته النفسية، وليس وفقاً لمتطلبات الأداء العملي،
فهذا بالتأكيد يؤثِّر سلباً على أدائه العملي؛ لأنه أصبح يتصرف بما يشفي غيظه،
بما يفرِّغ به، غضبه، بما ينفِّس به عن حالة الانفعال لديه؛ فأصبح يخدم حالته
النفسية، بدلاً من أن يخدم المهمة العملية، التي هو متحمِّلٌ مسؤوليةً تجاهها.
هذه
مسألة مهمة، وتستحق من الإنسان الدعاء، أن يدعو الله بهذا
الدعاء: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}[طه:25]،
وأن يكون الإنسان حذراً من حالة الضيق، والانفعال، والنزق في مهامه العملية، ألَّا
تكون هي الحالة المسيطرة عليه، والمتحكِّمة في أدائه؛ لأن لها تأثيرها السلبي
على المهام العملية، أحياناً إلى درجة: تفشل الأداء العملي، وتنفِّر كثيراً
من الشخص، حتَّى على مستوى رشده، على مستوى زكاء نفسه، على مستوى علاقاته مع الناس،
لها تأثيرها السيء جداً؛ لأن الذي يقابل سعة الصدر: الضيق، الانفعال،
التَّسَرُّع بناءً على ذلك لاتِّخاذ مواقف وتصرفات ليست راشدة، ولا صائبة، ولا تليق
بالمسؤولية.
حالة
النزق قد تتحوَّل إلى تأثير سلبي على المهام العملية، حالة
الحِدَّة، الإمام علي "عَلَيْهِ السَّلَام" قال عن الحِدَّة والانفعال غير
المنضبط، قال: ((الحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الجُنُون))،
يعني: حالة ليست راشدة، ليست في إطار يتصرف الإنسان فيه وهو راشد، ((الحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الجُنُون؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا
يَنْدَم، فَإِنْ لَمْ يَنْدَم فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِم))،
يعني: إذا كان راضياً عمَّا يفعله، نتيجةً لحدَّته، وانفعاله، ونزقه؛ فَجُنُونُهُ
مُسْتَحْكِم، هو بعيد عن الرشد، عن العقل، عن الفهم، عن الحكمة، ويتصرف بناءً
على انفعالاته بشكل طائش وعبثي؛ للتنفيس عن حالته الانفعالية والغضب.
هذا
درس مهم جداً في كل مواقع المسؤولية، في كل مهمةٍ عملية، والإنسان بحاجة إلى أن يلتجأ
إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ثم
هذه الطاقة والقدرة على التَّحَمُّل النفسي، تساعد
الإنسان على أن يعمل بمقتضى ما تفرضه المسؤولية، ما يخدم المسؤولية، ما يليق بأداء
تلك المسؤولية، وتلك المهمة.
نكتفي بهذا المقدار.
نَسْألُ
اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا
يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ
جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه،
إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ
عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
(نص + فيديو) المحاضرة الرمضانية الثالثة والعشرون للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 24 رمضان 1447هـ 13 مارس 2026م
(نص + فيديو) كلمة السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي بمناسبة يوم القدس العالمي 23 رمضان 1447هـ 12 مارس 2026م
( نص + فديو) المحاضرة الرمضانية الثانية والعشرون للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 22 رمضان 1447هـ 11 مارس 2026م
(نص + فيديو) المحاضرة الرمضانية الحادية والعشرون للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 21 رمضان 1447هـ 10 مارس 2026م
المشاهد الكاملة | تخرج دفعات مقاتلة من الكليات العسكرية البرية والبحرية والجوية بالعاصمة صنعاء 20-03-1446هـ 23-09-2024م
بيان القوات المسلحة اليمنية بشأن تنفيذ عملية عسكرية نوعية استهدفت عمق الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة بصاروخ فرط صوتي استهدف هدفا عسكريا مهما في يافا المحتلة. 15-09-2024م 12-03-1446هـ
مناورة عسكرية بعنوان "قادمون في المرحلة الرابعة من التصعيد" لوحدات رمزية من اللواء 11 للمنطقة العسكرية السابعة