• العنوان:
    لماذا عليٌّ دون غيره؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

في كُـلّ مرحلةٍ من مراحل التاريخ الإسلامي يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: لماذا علي بن أبي طالب؟ ولماذا يحتل هذه المكانة الاستثنائية في الإسلام؟

وهل كان ذلك مُجَـرّد تفضيلٍ بشري أَو صراعٍ سياسي كما يصوّره البعض، أم أنه امتداد لسنّة إلهية راسخة في الاصطفاء والاختيار؟

إن الإجَابَة عن هذا السؤال لا يمكن أن تنفصل عن فهم قاعدةٍ قرآنية كبرى: أن الاصطفاء الإلهي ليس خاضعًا لرغبات البشر ولا لحساباتهم، بل هو قرار إلهي يجري وفق حكمة الله في اختيار من يحمل الرسالة ويصونها.

إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن قضية الاصطفاء والتفضيل الإلهي حقيقة متكرّرة في مسيرة البشرية.

فالله سبحانه لم يجعل كُـلّ الأماكن سواء، ولا كُـلّ الأزمنة متساوية، ولا كُـلّ البشر في المنزلة نفسها.

فقد اختار الله الأرض لتكون موطن الحياة دون بقية الكواكب، واصطفى شهر رمضان من بين الشهور، وجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر.

كما خصّ أربعة أشهر بالحُرمة دون غيرها.

وعلى مستوى البشر، يخبرنا القرآن أن الله اصطفى أنبياءه فقال:

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إبراهيم وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

ولم يكن الاصطفاء مقتصرًا على الأنبياء فقط، بل امتد إلى البيئات التي نشأوا فيها؛ فاختيرت قريش من بين قبائل العرب، ثم اختير بنو هاشم من قريش، ثم جاء الاصطفاء الأعظم حين بعث الله خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه واله من بينهم.

وبهذا المنطق الإلهي ذاته يأتي السؤال: لماذا استُخلف علي؟

إن الحديث عن علي بن أبي طالب لا يمكن اختزاله في شخصية تاريخية عادية؛ فالرجل لم يكن من الباحثين عن سلطة ولا من عشاق المناصب.

لقد نشأ علي في بيت النبوة، وتربّى في كنف الرسول منذ طفولته، حتى قال النبي عنه: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».

كان إعداد علي إعدادًا استثنائيًّا منذ البداية، وكأن العناية الإلهية كانت تهيئه لدورٍ أعظم في مسيرة الأُمَّــة.

وفي ليلة الهجرة، حين أحاطت قريش ببيت النبي لاغتياله، كان علي هو الذي نام في فراشه معرضًا حياته للموت.

لم يكن ذلك مُجَـرّد موقف شجاعة، بل تجسيدًا مبكرًا لشخصيةٍ مستعدة للتضحية بكل شيء؛ مِن أجلِ الرسالة.

ومنذ تلك اللحظة أصبح علي حاضرًا في كُـلّ مفاصل التاريخ الإسلامي.

في بدر وأحد والخندق.. لم يكن الإمام علي قائدًا من بعيد، بل كان دائمًا في الصفوف الأولى.

في بدر كان من أبرز فرسان المعركة.

وفي أحد كان من القلة التي ثبتت مع النبي حين تفرق كثيرون.

أما في الخندق فقد تجلّت شجاعته في أعظم صورها.

حين خرج الفارس الشهير عمرو بن عبد ود متحديًا المسلمين، تردّد الجميع أمامه، فوقف علي وحده يطلب الإذن لمواجهته.

وعندها قال النبي عبارته الخالدة: «برز الإيمان كله إلى الكفر كله».

كانت تلك المواجهة لحظة مفصلية أنقذت المدينة وأظهرت معدن علي الحقيقي.

وفي إحدى الغزوات حين خلّف النبي عليًّا في المدينة، حاول المنافقون التشكيك في مكانته، فخرج علي للحاق بالنبي.

عندها قال له الرسول كلمته الشهيرة:

«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

كانت هذه الكلمات إعلانا واضحًا عن المنزلة الخَاصَّة التي يحتلها علي في مشروع الرسالة.

وفي معركة خيبر تعثرت الجيوش الإسلامية أمام حصون اليهود.

وعندها قال النبي: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله».

كانت الأنظار كلها تتجه نحو من سينال هذا الشرف.

وفي اليوم التالي دعا النبي عليًّا رغم أنه كان يعاني من رمدٍ في عينيه، فمسح النبي عينيه بيده الشريفة، ثم سلّمه الراية.

فكان الفتح العظيم على يديه.

ثم جاءت اللحظة التاريخية الكبرى في حادثة غدير خم حين رفع النبي يد علي أمام آلاف المسلمين وقال:

«من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

كانت تلك اللحظة إعلانا صريحًا بأن عليًّا ليس مُجَـرّد صحابي عظيم، بل امتداد لخط القيادة الذي يحفظ الدين بعد النبي.

حين تجاهلت الأُمَّــة البُوصلة

لكن التاريخ يخبرنا أن الأُمَّــة لم تلتزم دائمًا بتلك التوجيهات، فدخلت في صراعات وانقسامات تركت آثارها العميقة عبر القرون.

ولعل كَثيرًا من مظاهر الضعف التي تعيشها الأُمَّــة اليوم ليست إلا نتيجة الابتعاد عن القيم التي جسدها علي: العدل، الشجاعة، الصدق، والوفاء للدين.

فالأمم التي تفقد بوصلتها الأخلاقية لا يمكن أن تحافظ على قوتها مهما امتلكت من إمْكَانات.

علي.. الطريق الذي لا يموت

إن إحياء ذكرى استشهاد الإمام علي لا ينبغي أن يكون مُجَـرّد مناسبة للبكاء أَو الحزن، بل فرصة للتأمل في الطريق الذي مثّله.

لقد كان علي نموذجًا للقائد الذي يقدّم المبدأ على المصلحة، والحق على القوة، والعدل على السياسة.

وإذا كانت الأُمَّــة تبحث اليوم عن طريقٍ للنهوض والخلاص من أزماتها، فإن سيرة علي تقدم درسًا واضحًا:

العودة إلى قيم العدالة والشجاعة والصدق التي قام عليها الإسلام الأول.

وهكذا يبقى الإمام علي، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، رمزًا خالدًا للحق، وصوتًا للعدالة، ومنارةً تهدي الباحثين عن طريق الكرامة والعزة.