• العنوان:
    المشروع القرآني في مواجهة المشروع الصهيوني ..اليمن يمثل الأمة
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    خاص| عباس القاعدي| المسيرة نت: يحيي اليمنيون هذه الأيام ذكرى أليمة واستثنائية، هي الذكرى السنوية لشهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي "رضوان الله عليه"، وتفرض هذه الذكرى حضورَها الخاص وأثرَها العميق في الوجدان والشعور، لما تحمله من دلالاتٍ إيمانيةٍ وإنسانيةٍ متفرّدة.

وتحضر روحُ شهيد القرآن كأنها تعود لتحلّق في الآفاق، فتُعطّر المشهد بأجواء إيمانيةٍ خالصة، وتضفي عليه طابعًا روحانيًا صافيًا، في الوقت الذي تبدو فيه روحه المطمئنة وكأنها تبارك هذا الموقف، وتؤازر هذا التحرك الإيماني الجهادي لشعب الإيمان والحكمة، الذي يغدو أمةً تواجه أعداء الله، وتضرب الباطل في صميمه وأساسه وجوهره، ممثّلًا في ثنائية الإجرام: أمريكا والعدو الإسرائيلي.

وتُلقي ذكرى شهيد القرآن، رضوان الله عليه، بظلالٍ متفرّدة، تمتزج فيها معاني الشموخ والعزة والروحانية بالإيمان، في ظل حالةٍ من الحزن العميق، فيما يتجلى، عند التأمل والعودة إلى تلك المرحلة وتلك الأيام، حجمُ الظلم والاستهداف والأذى الذي يتعرّض له الشهيد القائد على يد الطغاة والمجرمين، في صورةٍ تكشف طبيعة المعركة بين الحق والباطل.

وتحضر ذكرى شهيد القرآن، هذه الأيام بيننا حضورًا خاصًا ومكثفًا، على نحوٍ لا يتحقق في بقية الأيام، مع أننا –كما يؤكد السيد القائد يحفظه الله– نعيش هذه الذكرى في إطار مسيرة قرآنية متواصلة لا تنفصل عن واقعنا اليومي.

ويبرز للاهتمام الشعبي والجماهيري دورٌ كبير، إلى جانب الدور الفاعل للإعلام والنشاط الثقافي، من ندواتٍ وفعاليات وإنتاجات فنية متنوعة، تسهم جميعها في إحياء هذه المناسبة وتعميق الوعي بدلالاتها.

ويواكب ذلك تسليط الضوء على جوانب عظمة المشروع القرآني في ضوء الأحداث والمتغيرات الجارية، وإبراز عظمة مؤسسه وما تعرّض له من ظلمٍ وقهرٍ على أيدي الطغاة والمجرمين من رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم الخونة علي محسن وعلي عفاش ومن سار في ركابهم من المنافقين.

وتابع العالم خلال الأيام الماضية حلقاتٍ توثيقية خاصة عرضتها قناة المسيرة، توثّق وقائع الحرب الأولى، وما شهدته من ثباتٍ وتضحيةٍ وبطولاتٍ فريدة، تقابلها وحشيةٌ وإجرامٌ واستباحةٌ لحرمات الله، وظلمٌ فادح طال أحد أولياء الله بما لا يمكن وصفه، لتغدو تلك الأيام بحق كربلاء العصر وجريمة الزمان.

وتتجلّى استثنائية ذكرى شهيد القرآن هذا العام في ظل التحولات الكبيرة والمتغيرات الهائلة التي يشهدها اليمن، وتمتد آثارها إلى مستوى العالمين العربي والإسلامي، وعند التأمل في حياة واستشهاد شهيد القرآن في ضوء هذه التحولات، تتضح أكثر فأكثر عظمة هذا القائد، وعمق علاقته بالله سبحانه وتعالى، التي تجري على يديه –بفضل الله– هذه التحولات الكبرى التي يعيشها الجميع منذ سنوات وحتى اليوم، فيما يحمل القادم مزيدًا من التقدم والانتصار للمشروع القرآني بإذن الله وتوفيقه.

يجهلُ عظمةَ شهيدِ القرآن رضوانُ اللهِ عليه من لا يتأمّلُ في مآلاتِ نهضتِه ونتائجِ تحرّكِه، ولا يقرأُ بوعيٍ عميقٍ مستوى ثقتِه المطلقة بالله وتوكّلِه الصادق عليه، فمكانةُ ذلك الشهيد لا تُقاس بالكلمات، بل تُقاسُ بما انتهت إليه مسيرتُه، وبالثباتِ الأسطوري الذي واجه به ظلمًا وقهرًا لو أُنزِل على الجبالِ الرواسي لتصدّعت.

في العام 2004م، يرتكبُ الظالمون جريمةَ العصر، فيستحلّون حرماتِ الله، ويحشدون الجيوش والبشمركة والمنافقين، متجاهلين ما رأوه من آياتٍ بيّنات، وما لمسوه من صدقِ نوايا ونصحٍ خالصٍ حتى لهم، كان يحمله السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوانُ الله عليه، لكن وهمَ القوة والغطرسة يعمي بصائرهم، فيتجاوزون حدودَ الله، ويسفكون دماءَ المظلومين المجاهدين، حتى يصلوا إلى شهيدِ القرآن، فيستقوون عليه بجحافل الجنود، وبعشرات الآليات والطائرات والدبابات والمدافع، وبكل أدوات البطش، ليظفروا به حيًّا جريحًا، ثم يُقدموا على قتله ظلمًا، في واحدةٍ من أبشع الجرائم.

ولا تمضي سوى سنواتٍ قليلة، حتى يتحوّل دمُه الطاهر إلى لعنةٍ تطاردُ أولئك القتلة والمجرمين، عملاءَ أمريكا و” إسرائيل”، وتأتي أحداثُ ما يُسمّى بالربيع العربي لتكون فاتحةَ مكرِ الله بهم، ثم يتواصل هذا المكر الإلهي، وتتراكم تبعاتُ الجريمة، ويُساق المجرمون إلى مصائر لم تخطر لهم على بال، ويأتيهم الله من حيث لا يحتسبون، وسرعان ما يحيقُ بهم الخزيُ والعارُ جزاءَ ما اقترفوه بحقّ وليٍّ من أولياء الله، لم يكن له من سلاحٍ ولا ناصرٍ ولا حليفٍ إلا الله، ولا زادَ له إلا ثقته المطلقة بربّه.

من يتأمل الأحداث دون العودة إلى تلك الأيام، ودون استحضار ماضي أولئك الظلمة والقتلة والمجرمين، وكيف كانوا في موقع السيطرة والهيمنة والإجرام، قد لا يستفيد من دلالات ما يجري اليوم، رغم عِظَم هذه الأحداث، التي تقترب في حقيقتها من المعجزة، بل تمثّل معجزة حقيقية في هذا العصر.

وحين يكذّب البعض بالحقائق، حتى مع قيام المعجزات، فإن ما نشهده في هذه الأيام يتجلى كمعجزة عنوانها القرآن الكريم، المعجزة الخالدة، والحجة الدائمة على حياة المسلمين ومحطّاتهم، ولا يمكن للأمة أن تتعامل مع القرآن الكريم بوصفه مجرد آيات تُكتب أو تُتلى دون أن يكون لها أثرها العملي في الواقع.

ومن هنا يتضح أن السر والعامل الأساس يكمن في وجود القيادة التي تعيد الأمة إلى القرآن، قيادة تمتلك المواصفات والقدرات التي تمكّنها من النهوض بواقعٍ منهار، مهزوم، مشرذم، واقعٍ يصيب الناس بالإحباط واليأس، والناظر إلى حال العرب والمسلمين يُصاب بالعجز، لأن محاولات التغيير غالبًا ما تفشل من حيث تبدأ، ويتحوّل الساعي للإصلاح إلى إنسان مثقل بالخيبة والانكسار.

وتبدو الأمة اليوم ممزقة، متناحرة، يأكل بعضها بعضًا، فيما يعمل أعداؤها على تغذية صراعاتها وتمزيق صفوفها، حتى صار كثير من أبنائها ينفذون مخططات الأعداء، ويخلصون لخدمة خصوم أمتهم أكثر من إخلاصهم لأنفسهم، فأي واقع هذا الذي ترزح فيه أمة واقعة تحت هيمنة أعدائها، وتحت حكم فئة النفاق التي حاربت كل عوامل وحدتها وتعافيها؟

أمام هذا المشهد، تبرز الحاجة الحتمية إلى قيادة استثنائية، بمواصفات مختلفة، وتتجلى عظمة شهيد القرآن رضوان الله عليه، إذ نجح في استنهاض المجتمع المسلم في أصعب الظروف، وفي أشد حالات التمزق والضعف والتفكك، واستطاع أن ينهض بالشعب اليمني ويوحّده بأساليب بسيطة، غير معقدة ولا مكلفة، لكنها عميقة التأثير وفعّالة النتائج.

وعندما يبدأ بتوعية من حوله، يطلب من الجميع موقفًا واضحًا أمام تحرك أمريكا والعدو الإسرائيلي، وأمام مشاريع الاستعمار الدولية والإقليمية بكل إمكاناتها وقدراتها، موقفًا واحدًا باللسان، يجسّد تحمّل المسؤولية، ويعبّر عن الوعي والالتزام في مواجهة الأعداء.

في المقطع السابق، يردّ شهيد القرآن على من كانوا يقولون في ذلك الوقت: ماذا نعمل؟ حيث قال لهم: اصرخوا، ألستم تمتلكون أن تنادوا؟ «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام».

وهذا الشعار، يُعد سلاح وموقف، وله أهمية كبيرة، ولا بدّ منه في تحقيق النصر في هذه المعركة، التي نرسّخ من خلالها في أذهان أبناء الشعب اليمني والأُمَّة الإسلامية أن أمريكا هي الإرهاب.

الشعار جزء من المشروع القرآني، لكن كثيرين لم يفهموا عمق معناه، أو لم يستوعبوا ما الذي يعنيه هذا الشعار الذي يصدح به المؤمن في المسجد أو في أي مناسبة أو يوم الجمعة، وكان البعض يسأل: ما الفائدة؟ هل تسمع أمريكا؟ هل تسقط أمريكا لأنكم ترفعون هذا الشعار؟ وأنتم فقط تجرّون على أنفسكم المشاكل.

لكن الواقع اليوم أثبت أن الشعار يحمل معنىً وقيمةً عميقتين، وأنه كان ولا يزال سلاحًا وموقفًا، ينبع من المسلم، الذي يجعل منه جزءًا من أمة تهتف به، ويصبح وسيلة للتعبئة والحشد، وترتيب الصفوف وتنظيمها، كما أن الشعار يسقط من الإنسان الخوف من الظالمين والمتجبرين.

والكل يعرف أن الشعار في تلك الفترة لم يكن كما هو عليه اليوم، بل كان نادرًا وصعبًا، وكان الشعار في تلك الأيام أشبه بحال سيدنا إبراهيم عليه السلام أمام النمرود، حين هدده بالإحراق بالنار، لكنه أعلن العبودية لله بلا تردد.

وكان فتية الشعار في تلك الأيام كفتية أهل الكهف، الذين يقول الله تعالى فيهم: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم، إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا انشططنا)، وهذه القصة تجسد معاني الثبات والثقة بالله، وتعد من أعظم القصص القرآنية.

لذا، فإن فتية الشعار وشباب الشعار كانوا كفتية أهل الكهف، في وقت سادت فيه الرهبة من أمريكا والنظام التابع لها، لم يثنِ القمع ولا التنكيل ولا الترهيب هؤلاء عن إطلاق الشعار والصرخة، والبراءة من أعداء الله والإنسانية: أمريكا و"إسرائيل".

المواقف كانت كبيرة ومذهلة، مخيفة ومرعبة للكثيرين، ولا يزال الجميع يتذكر تلك الفترة، لكن من ربط الله على قلوبهم، كان بمجرد أن ينطق ويصرخ، يحسّ بطمأنينة وثبات لا مثيل لهما. فالمسألة ليست مجرد هتاف أو شعار، بل تحمل مسؤولية كبيرة في إطار الموقف القرآني، وفي إطار الاستجابة لله سبحانه وتعالى، تحت راية وتوجيه علم من أعلام الهدى، الذي حمل على عاتقه التحرك الجهادي القرآني في مواجهة جاهلية العصر وطغاة هذا الزمان: أمريكا و"إسرائيل".

وفي ظل غياب الأمة، وخنوعها وذلها وهزيمتها الحضارية والتاريخية التي يعيشها المسلمون، لا مثيل لها، هزيمة لا تليق بهؤلاء المسلمين الذين يسمون أنفسهم مسلمين، أمة القرآن، أمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآلة وسلم.

يتحدث شهيد القرآن بحقائق وواقع يعرفه ويعيشه كل العرب والمسلمين، وهو واقع الخزي والهوان الذي تعيشه الأمة الإسلامية والعربية، وواقع المهانة والهزيمة والتبعية لأعدائها. ويقر كل مسلم بأن ما يعيشه هذا الزمان ليس الوضع الطبيعي الذي يليق بهذه الأمة التي شرفها الله وكرمها بقوله: «أنتم خير أمة أخرجت للناس».

ويعترف الجميع أيضًا بأن الأعداء يتحركون ضد هذه الأمة لاستهدافها، وأنهم يشكلون خطرًا وجوديًا عليها؛ الأمة التي أرسل الله إليها آخر أنبيائه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآلة وسلم، ويختلف الناس فقط حول طبيعة التحرك، فالجميع يعترف بالخطر وبحالة الهزيمة والهوان والذل والاستباحة، لكن الاختلاف يكمن في سؤال واحد: كيف ترفض الامة هذا الواقع؟ كيف تثور عليه؟ كيف تغيّره؟ كيف تستعيد كرامتها وإنسانيتها كأمة مسلمة في هذا العالم؟ وما هو المشروع الذي يمكن أن ينتشل هذه الأمة من حالة الخزي والذل والاستباحة التي تعيشها تحت أقدام أعدائها؟

والحقيقة أنه لا توجد مشاريع حقيقية أصلًا، لأن الحكام والحكومات هم جزء من الهيمنة الأمريكية والغربية على الشعوب، وهم جزء من المؤامرة، ويمثلون الخطر نفسه، وهم السكين المسمومة التي تطعن بها هذه الشعوب.

ولهذا، ولم يكن هناك مشروع حقيقي للتحرر أو لاستنهاض الأمة لاستعادة كرامتها وعزتها، إلا هذا المشروع: مشروع القرآن الكريم، مشروع شهيد القرآن رضوان الله عليه السيد حسين بدر الدين الحوثي.

يشير السيد القائد إلى أن ذكرى شهيد القرآن في اليمن ليست مناسبة موسمية تمر مرور الكرام، بل هي ذكرى يعيشها الشعب اليمني يوميًا، لأن المشروع القرآني منهجٌ قرآنيٌ يصنع الوعي، وينير الدرب، ويُلهم المعارف، ويضيء البصائر، والأحداث هي الشاهد الأبرز على ذلك.

وفي اليمن، يعيش الشعب المشروع القرآني كمسيرة عظيمة لأمة مجاهدة ثابتة تحمل الراية، وتنتصر للإنسانية، وللدين، وللعروبة، وللإسلام، وهو ما يتجسد بوضوح في موقف اليمن والشعب اليمني في هذه المرحلة وفي هذه الأيام.

وقد فقد البعض الثقة في الحركات الدينية التي تتحدث باسم القرآن والدين والإسلام، بسبب أن بعض الحركات دلّست الدين واستخدمته للدنيا، وأن أنظمة وحكومات وظفت الدين لتكريس الظلم، وتدجين الأمة لصالح أعدائها، وخداع الشعوب، لتجعلها تطيع الحكام العملاء الفاسدين باسم الإسلام والقرآن والسنة، وباسم طاعة ولي الأمر.

وأصبحت نتائج نشاط كثير من تلك الحركات سلبية في أوساط المجتمع العربي والإسلامي، وعلى مستوى الأثر الذي تحدثه عند الأمم الأخرى، بحيث صارت شاهدًا على أن الإسلام قابل للهزيمة، وأنه لا يمثل مشروع حياة.

لكن الأيام كشفت أن كثيرًا من تلك التيارات والأحزاب الدينية هي جزء من المشروع الأمريكي، وأن بعض الذين كانوا في المنابر يحملون مواقف دينية ظاهرية، اليوم ينحازون إلى أمريكا وإلى عملائها، عندما يصلون إلى السلطة، أو حين يطلب منهم الممول موقفًا ضد من يعادي أمريكا والعدو الإسرائيلي.

أما المشروع القرآني، مشروع شهيد القرآن، فيعيد الاعتبار للإسلام والقرآن بشكل فعلي وعملي، من خلال الثبات والموقف الحق في مواجهة أعداء الله، في كل المراحل السابقة، وصولًا إلى المواجهة المباشرة مع أمريكا وإسرائيل، وهنا تتجلى المصداقية.

فالإسلام ليس مجرد شعارات، ولا مجرد مزايدات في المنابر، بل هو موقف وواقع، وعندما يأتي وقت الجهاد، ووقت كلمة الحق، والمواجهة، يهرب الكثير من رموز الحركات الدينية، ويغادر الميدان، بينما يثبت الشعب اليمني في هذه المسيرة المباركة.

ومن كان يتوقع في زمن الغطرسة والطغيان الأمريكي أن يأتي من أبناء الأمة من يمتلك الإيمان والشجاعة والرؤية والبصيرة، ليحمل راية الجهاد بحق، ويساند غزة، ويمتلك بفضل الله وسائل القوة والأعداد التي تخوض المعركة، فالموقف ليس مجرد موقف أدبي أو سياسي، بل هو معركة عسكرية تُطلق فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ويُحاصر العدو الصهيوني في البحار، ويُغرق السفن التابعة له، ويُضرب البارجات وحاملات الطائرات الأمريكية، بكل شجاعة وثبات وإيمان وبطولة ليس لها نظير في تاريخ الأمة.

ومن أوصل اليمن والشعب اليمني إلى هذا المستوى من القوة في الثبات، والقوة في الإيمان، والقوة في السلاح، والقوة في نفسية أبنائه، ومن أوصل الناس إلى هذا المستوى من الإنجاز والنجاح في كل المجالات، غير القرآن الكريم، وشهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي – رضوان الله عليه؟


اليوم، وبعد فترة ليست طويلة من استشهاد ورحيل شهيد القرآن، تتضح الأحداث التي تلت استشهاده وحتى اليوم، لتشهد جميعها على عظمة هذا الرجل ومكانته عند الله، وتدل أيضًا على عظمة المشروع الذي أسسه.

وتتجلى هذه العظمة أكثر عندما يذكر السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، بقوله: "أي أصالة أعظم من أن يكون هذا المشروع قرآنيًا مرتبطًا بهوية هذه الأمة وهذه الشعوب المسلمة؟" فالمشروع ليس مشروعًا مستوردًا من الشرق ولا من الغرب، وليس مشروعًا مذهبيًا ولا مناطقيًا، بل هو مشروع قرآني أصيل، يمثل ويجسد انتماء أكثر من ملياري مسلم في هذا العالم.

الكثير من الصادقين في البحث عن الحق والحقيقة، ومع تتابع المتغيرات ومتابعة المواقف التي يسطرها الشعب اليمني في ظل قيادة السيد عبد الملك، يبدؤون اليوم بفهم حقيقة هذا المشروع، واستيعاب أبعاده وأهدافه، ومدى عمق أثره في مسار الأمة.

وفي المقابل، تبرز حقيقة ما حلّ بالمشاريع التي ادّعت تمثيل الأمة وراحت تتهاوى واحدة تلو الأخرى، فهناك مشاريع تحت العنوان الديني تلاشت، كما أشار السيد القائد في خطاباته، ومن ذلك ما حدث في اليمن مع حزب الخونة الإصلاح، الذي افتضحت شعاراته الكاذبة، وخطابات رموزه وقادته حول فلسطين وغزة وتحرير الأرض، وأصبحت كذلك مكشوفة، وصار موقفهم الحقيقي مع أمريكا والعدو الإسرائيلي، وليس مع غزة، ويعملون ليل نهار لتمكين اليهود والصهاينة من الأراضي المقدسة، بالإضافة إلى ذلك يرى الجميع كيف يقف الإصلاحيون والوهابيون إلى جانب العدوان الصهيوني والأمريكي على الشعب اليمني، بسبب موقف اليمنيين من غزة.

ومن ضمن المشاريع التي رُميت لتكون شريكًا وخدعة لأبناء الأمة، ظهرت المشاريع التكفيرية، مثل القاعدة وداعش التي يتحدث قياداتها باسم الإسلام والجهاد، وتدّعي تمثيل الشعوب، بينما الحقيقة أنها صنيعة أمريكية صهيونية لتشويه الإسلام وخداع المسلمين، وتوظيفها لتحقيق أهداف الدول الاستعمارية، وما يجري في سوريا من تحويل قيادات النصرة التكفيرية إلى قادة سياسيين، هو دليل واضح على ذلك.

كما ظهرت مشاريع قومية، لكنها سقطت بسرعة أمام العدو الإسرائيل، حيث هُزم عبد الناصر في عام 1967، وانتهى المشروع القومي إلى التآمر والتسميم والإقصاء، وكذلك ظهرت أحزاب كثيرة، كل حزب يدعي أنه يحمل مشروعًا، سواء كانت أحزابًا يسارية واشتراكية تابعة للاتحاد السوفيتي، أو أحزابًا ليبرالية موالية لأمريكا والغرب، وكل هذه المشاريع اختفت، ولم تترك أثرًا يذكر في واقع الأمة.

واليوم، يبرز مشروع تغريبي متصهين تحت مسمى "الديانة الإبراهيمية" والتطبيع، هذا المشروع يسعى لتصوير الولاء لليهود والطاعة لهم كحل للسلام، والتخلي عن الإسلام والعروبة، وما يؤلم أن بعض الفئات في الأمة تستقبله بالترحيب، بينما تنسلخ عن هويتها وتتنكر لدينها.

كل هذه المشاريع، مهما كان ظاهرها دينيًا أو قوميًا أو سياسيًا، هي مشاريع غربية لا علاقة لها بهوية الأمة، ولا تمثل مصلحة الشعوب، وفي الوقت الذي يعيش فيه العرب والمسلمون بلا مشروع حقيقي، يتحرك العدو الإسرائيلي بمشروعه بشكل متسارع وممنهج، لتحقيق أهدافه على حساب الأمة ودينها وهويتها ومستقبل أجيالها.

اليوم، وبعد طوفان الأقصى، وصلت التصفيات والدوري إلى المرحلة النهائية، وأصبح في المنطقة مشروعان فقط: الأول المشروع القرآني، والثاني المشروع الصهيوني الذي يطمح ويهدف إلى إلحاق الدول العربية به، وبالمقابل، لا قدرة للأنظمة على مواجهة هذا المشروع الخبيث، الذي صار يفرض القيود على الحكام العرب والأنظمة العربية، حتى أصبح حكامها إما عملاء راضين بالعمالة، يعملون في إطار المشروع الصهيوني، أو أنظمة عاجزة لا تقدر على مواجهة المشروع الإسرائيلي بكلمة أو موقف سياسي أو ثقافي أو فكري، حتى على مستوى خطبة الجمعة.

وبالتالي، فإن اليهود والأمريكيون ينظرون إلى المشروع القرآني بطبيعة، أنه مشروع يشكل عليهم خطورة، وذلك أن وجود هذا المشروع يعني أن محيطه من الشعوب العربية والإسلامية قد يتعرف عليه، وقد ينتمي إليه، وقد يصبح جزءًا منه، ليصبح أمةً أوسع وأكبر مما هو عليه اليوم في اليمن.

وفي هذا السياق تأتي الحروب الإعلامية والثقافية التضليلية الشرسة والواسعة اليوم، ضمن الحملات التي تشبه في أهدافها ومضمونها ما كان يفعله نظام صنعاء ومعه العدو السعودي خلال الحروب الستة، التي رافقها حملات تضليل كبيرة وواسعة في الإعلام، وفي المساجد، وفي المنابر، وفي الأماكن العامة، حتى لا يتعرف الناس على طبيعة هذا المشروع، حتى لا ينتموا إليه، ولا ينخرطوا فيه. وفي ذات الوقت، كانت حملات التضليل تستبطن أيضًا الترهيب وإخافة الناس.

وهذا واحد من أهداف حملات التضليل: إخافة الناس من الانتماء إلى هذا المشروع، لأنهم سيكونون عرضة للعقاب من قبل أمريكا وأدواتها. وعلى كل حال، كلما أوقدوا نارا للحرب، أطفأها الله، إن الله يدافع عن الذين آمنوا، وكان حقًا علينا نصر المؤمنين.


 المشروع المبارك والعظيم صار هو الوحيد الذي يمثل الأمة العربية والإسلامية، ويجسده ويحمل رايته الشعب اليمني العظيم، الذي يمثل الأمة، ويتقدم صفوف الأمة وأحرار العالم، ويتفوق بفضل على جيوش وبلدان وأنظمة وحكومات عربية وإسلامية، التي لا وزن لها ولا قيمة، ولا أثر لها في ميزان الفعل الحضاري.

المشروع القرآني أنتج أمة ثابتة، صادقة، صابرة، مجاهدة، لا تقايض الحق، ولا تضعف في موقف الحق، حتى ولو انطبقت السماء على الأرض، ولو تآمر كل من في الكون ضد هذه الأمة، فإن المسيرة لا يمكن أن تضعف، ولا يمكن أن تراهن وتبيع الموقف لصالح الأعداء مقابل السلامة أو مقابل سلطة أو مال أو غير ذلك. لا، هي لا تضعف أمام التهديد والوعيد.

وقد شن الأعداء حروبًا تلو الحروب، حتى كلّوا وملّوا وهزموا، كما قدموا إغراءات وعروضًا، لكنهم خابوا وسقطوا وفشلوا. الأمة الإسلامية بكلها، بدولها، بجيوشها، بشعوبها التي تصل إلى ملياري مسلم، وبما تمتلكه من إمكانات جبارة، وبمساحتها التي تعد من أكبر الأمم على وجه هذه الأرض، لم تستطع أن تنهض بموقف واحد تجاه أعدائها على مدى المئة عام الماضية.

إلى أن جاء مشروع شهيد القرآن في اليمن، السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه. ما هذا بالموقف الذي عجزت عن النهوض به الأمة العربية والإسلامية بكلها، وبإمكاناتها ومقدراتها؟