• العنوان:
    كيف تصدّر المشروع القرآني معركة الوعي اليوم؟
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    المسيرة نت | محمد ناصر حتروش: يشكّل الواقع الفكري والسياسي في اليمن، وفي المحيط الإسلامي عمومًا، انعكاسًا مباشرًا لمرحلة دولية مضطربة، تتسارع فيها التحولات الجيوسياسية، وتتعمّق معها أنماط الهيمنة الغربية التي تسعى إلى إعادة تشكيل وعي الدول والمجتمعات، وصياغة مفاهيم جديدة للسيادة والاستقلال والقرار.

وفي هذا الإطار، تبرز مقاربات فكرية تؤكد أن ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم لا يمكن فصله عن مسار تاريخي ممتد من الاستهداف المنهجي، تقوده قوى النفوذ العالمية، وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني، الذي عمل بصورة متدرجة ومنظمة على ضرب الهوية الدينية والثقافية للأمة، والتغلغل في بناها السياسية والاقتصادية، بما يخدم إعادة تشكيل وعي الأجيال وتشويه صورتها عن ذاتها وعن محيطها الحضاري والإنساني.

وتؤكد هذه الأطروحات أن الأزمة الحقيقية التي تعيشها الأمة الإسلامية تتغذى على اختلالات داخلية عميقة، أبرزها غياب الرؤية الجامعة، وتآكل المشروع النهضوي، وافتقار الساحة إلى قيادة تمتلك القدرة على المبادرة وصناعة التحول.

وفي قراءة نقدية مغايرة، يُشار إلى أن الارتهان للخارج أضحى خيارًا استراتيجيًا معتمدًا لدى أنظمة سياسية راهنت على الالتحاق الكامل بالمحور العالمي الذي تقوده واشنطن باعتباره صمام أمان لبقائها في السلطة، حيث كرّس هذا الخيار تبعية ممتدة انعكست آثارها على توجهات القرار العام، وأُسس الاقتصاد الوطني، ومضامين التعليم، وصولًا إلى إعادة تشكيل البنية الثقافية والقيم السائدة في المجتمع.

وفي سياقٍ موازٍ، تتبلور رؤية فكرية مختلفة تدفع باتجاه استحضار القرآن الكريم كإطار مرجعي لفهم تحولات الواقع، بوصفه نصًا كاشفًا لقوانين الصراع الإنساني عبر التاريخ، ومفسّرًا لصور الهيمنة والاستعلاء في كل مرحلة، ومرشدًا لبناء موقف أخلاقي وإنساني واضح، يستند إلى الاستقلال في القرار ويتحرر من منطق الوصاية الخارجية.

في هذا السياق، يرى عدد من المفكرين والباحثين أن المشروع القرآني يُطرح كإطار عملي لإعادة بناء الوعي، واستعادة الاستقلال في القرار، وتحويل لحظات التحدي الوجودي إلى فرصة لإعادة صياغة موقع الأمة في معادلات التاريخ والحضارة، حيث يفيد الدكتور حمود الأهنومي أن الواقع اليمني، كما واقع الأمة الإسلامية عمومًا، يفرض نشوء مشروع جامع يعالج اختلالات متراكمة عبر قرون.

اختلال الداخل بوابة الهيمنة الخارجية

ويؤكد في حديث خاص لـ«المسيرة» أن الأزمة تبدأ من الجانب الثقافي، حيث تتراكم مفاهيم مغلوطة تؤدي إلى ضياع الوعي، وتعطيل القدرة على الفعل، وتكبيل المجتمعات عن بلورة مشروع نهضوي مستقل، موضحًا أن القرار في العالم الإسلامي أصبح مسلوبًا، وأن الأنظمة تتسابق للتموضع ضمن الإطار الذي ترسمه الولايات المتحدة وإسرائيل، في لحظة تاريخية تتوسع فيها مشاريع الهيمنة والاستباحة.

وفي البعد الاقتصادي، يشير الأهنومي إلى غياب أي نموذج استقلالي حقيقي، حيث تُدار الاقتصادات بمنطق التبعية، وتُسلب أدوات السيادة الاستراتيجية. ويعتبر أن أخطر ما في المشهد يتمثل في تحوّل الاسترضاء والانقياد إلى قناعة راسخة، تُقدَّم باعتبارها الخيار الطبيعي للعصر، وتُسوَّق الحضارة الغربية كنموذج أوحد يستحق التقليد والتفاخر.

ويرى الأهنومي أن انهيار الاتحاد السوفيتي أطلق مرحلة القطب الواحد، التي استُثمرت أحداث سبتمبر فيها لتكريس الهيمنة المطلقة، لافتًا إلى أن المشروع القرآني ينظر إليها كفرصة تاريخية إذا ما أُحسن التحرك ضمن رؤية إيمانية واعية.


القرآن في مواجهة الطغيان المعاصر

ورغم تغلغل الفكر الماسوني وهيمنته الفكرية والسياسية والاقتصادية على مختلف دول العالم، إلا أن العودة إلى القرآن الكريم تُعد الخيار الأنجع لمواجهة هذا الفكر والتغلب عليه.

وحول هذه الجزئية يقول الدكتور الجزائري نور الدين أبو لحية: "إن العودة إلى القرآن الكريم تشكل المدخل الأساس لفهم الواقع المعاصر. هذه العودة، وفق طرحه، لا تكتفي بالتفسير التقليدي، وإنما تستحضر القرآن ككتاب وعي وبصيرة واستشراف، قادر على تفكيك أنماط الصراع، وكشف مواقع الطغيان في كل عصر، بعيدًا عن حصر النص في الماضي".

ويوضح أبو لحية في حديث لـ«المسيرة» أن القراءة القرآنية الصادقة تنظر إلى القرآن باعتباره بيانًا دائمًا لأصناف الناس ومواقفهم، سواء كانوا مستكبرين أو مستضعفين، مؤمنين أو كافرين، موضحًا أن الخطأ الشائع يكمن في ربط الآيات بالسياق التاريخي فقط، ما يفقد النص قدرته على تفسير الواقع المتجدد.

ومن خلال هذا المنهج، يرى أن النموذج الأمريكي يجسد صورة الطغيان المعاصر، وأن الموقف العملي يقتضي البراءة من المستكبرين ومواجهتهم بأشكال متعددة، مشيرًا إلى مناطق النفوذ والتأثير، ولا سيما في الجزيرة العربية، حيث تتقاطع المصالح السياسية مع السيطرة على المقدسات.

ويحذر من التدخل الأمريكي في تفاصيل الحياة التعليمية والثقافية بعد أحداث سبتمبر، معتبرًا أن هذا التدخل يستهدف تشكيل الوعي من الداخل، مقارنًا بين هذا الموقف ومواقف بعض الحركات التي سعت إلى تلميع صورتها أمام الولايات المتحدة، فدخلت في تناقضات أفقدتها بوصلتها.

ووفقًا لأبو لحية، فإن الثبات على الموقف القرآني، كما تجلّى في التجربة اليمنية، يقدم نموذجًا لحركة فاعلة قادرة على الصمود والتأثير.

المشروع القرآني كسفينة إنقاذ للأمة

وتكمن أهمية المشروع القرآني، الذي أسس مداميكه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، في كونه ركّز على مفهوم الاستهداف بوصفه مدخلًا لفهم مسار الأمة الحديث، معتبرًا أن إدراك حجم الخطر يمثل الخطوة الأولى في أي مشروع تحرري.

وبحسب الناشط الثقافي الدكتور قيس الطل، فإن المشروع القرآني مثّل محطة مفصلية أعادت الاعتبار للأمة الإسلامية، وربطت إدراك حجم التحديات بوجوب بلورة رؤية واضحة، وصياغة مشروع متكامل، ووجود قيادة قادرة على تحويل الوعي إلى فعل.

وفي حديثه لـ«المسيرة»، يؤكد الطل أن الأمة تعيش حالة استهداف شامل، يشمل مختلف المجالات، في ظل عدو يتربص بها باستمرار، موضحًا أن المشكلة لا تكمن فقط في هذا الاستهداف، وإنما في الفراغ الداخلي الناتج عن غياب الرؤية والمشروع والقيادة.

هذا الفراغ، بحسب طرحه، يفتح الباب أمام تبعية مطلقة، يتحكم عبرها الأمريكي والإسرائيلي في مفاصل الأمن والاقتصاد والتعليم والثقافة، ما يؤدي إلى سلب القرار السياسي وتشويه الهوية.

ويشير إلى أن الأجيال تنشأ ضمن مناهج صاغها الخارج، وأن الاقتصاد يُدار وفق نماذج ربوية غربية، فيما تتحول الأنظمة إلى أدوات تنفيذ، رابطًا هذا الواقع بتغييب التربية الإيمانية التي كانت تشكل عنصر حماية للمجتمع.

ويختم الطل حديثه بالقول:"يبرز دور شهيد القرآن في إعادة إحياء الشعور بالمسؤولية، وتقديم مشروع قرآني يُشبه بسفينة نجاة، قادرة على إنقاذ الأمة من الغرق الحضاري"، لافتًا إلى أن هذا التحرك جاء نتيجة قراءة مبكرة وعميقة لطبيعة الخطر الأمريكي الصهيوني.

في الخلاصة، يعكس المشهد الراهن صراعًا عميقًا على الوعي والاتجاه والمعنى، فالتحديات التي تعصف بالمنطقة تجاوزت حدود السياسة والاقتصاد، لتطال البنية الثقافية والتعليمية، حيث تُعاد هندسة الإدراك الجمعي على نحو يخدم أنماط الهيمنة ويحدّ من قدرة المجتمعات على إنتاج فعل مستقل.

وفي خضم التحولات القاسية واختلال موازين القوة، يبرز المشروع القرآني بوصفه نموذجًا نوعيًا يتجاوز منطق الصراع التقليدي، ويطرح معادلة مختلفة في مواجهة الهيمنة والاستكبار. فاعتماده على بناء الوعي، وإعادة تشكيل الإنسان قبل الأدوات، يمنحه قدرة على الصمود والمراكمة والتأثير، بعيدًا عن الارتهان للتفوق المادي أو المالي.

ويمكن القول إن المشروع القرآني يقوم على امتلاك رؤية تحررية قادرة على تحويل القيم إلى أفعال، ليغدو إطارًا جامعًا لإعادة تعريف الصراع، وصياغة أفق يتجاوز حدود اللحظة.