• العنوان:
    إيران في مواجهة "الهندسة العكسية"
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    في اللحظة التي تظن فيها العواصمُ الغربية وكَيان العدوّ الإسرائيلي أن "القلعة الإيرانية" قد بدأت في التصدع، تأتي القراءة المتأنية للمشهد لتكشف عن تعقيدات تتجاوز صور الحرائق في الشوارع أَو هُتافات الغاضبين من الغلاء.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

ما يحدُثُ في إيران اليوم ليس مُجَـرّدَ "غضبة جياع" عفوية، ولا هو انهيارٌ تلقائي للدولة؛ فهو في جوهره تطبيق عملي وشرس لمفهوم "الحرب الهجينة"، حَيثُ يمتزج البارود الاقتصادي بفتيل الاستخبارات الأجنبية، في محاولة لإعادة هندسة هُوية المنطقة، وسحق النموذج "الإسلامي السيادي" الذي تمثِّله طهران.

من الضروري جِـدًّا تصحيحُ البُوصلة التحليلية التي يحاول الإعلام الغربي تزييفَها؛ فمصطلح "الانهيار" الذي يملأ الشاشات هو مصطلحٌ سياسي وليس اقتصاديًّا بحتًا، كما أن إيران، بامتلاكها بنية تحتية صُلبة، وصناعات محلية تغطّي كُـلّ شيء من الدواء إلى الصواريخ، وشبكات خدمات – كهرباء وماء – تعمل بانتظام، لا تعيش حالة "الدولة الفاشلة" ولا المجاعة، كما يزعم الغرب والأمريكيون.

ولعل أخطر ما في هذه الموجة ليس التخريب المادي، بل "التخريب العقائدي"، فالشعارات التي تم ضخُّها وتلقينُها لبعض المجموعات التخريبية، والتي تنادي بعودة نظام "الشاه" وتلميع صورة ابنه، تكشف عن جوهر المعركة، فالغرب لا يحارب إيران فقط لبرنامجها النووي، بل يحاربها لـ"هُويتها الإسلامية الثورية".

إضافة إلى ذلك، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمثل نموذج الدولة التي تتبنى "الجهاد المقدَّس"، وترفض الهيمنة الغربية، وتدعم حركات التحرّر، وهذا النموذج هو النقيض الجذري لنظام الشاه، الذي كان يمثل "الشرطي الأمريكي" في الخليج، والحليف الاستراتيجي لكَيان الاحتلال الصهيوني.

كما يسعى الغرب وأمريكا إلى اقتلاع العقيدة السياسية التي بُنيت عليها الجمهورية الإسلامية، واستبدالها بنظام "مسخ" فاقد للهُوية، يعيد إيران إلى بيت الطاعة الأمريكي، ويجعل من طهران عاصمة صديقةً لكَيان الاحتلال الصهيوني، تدور في فلك التطبيع بدلًا عن قيادة محور المقاومة.

لقد سقطت ورقةُ التوت تمامًا عن الدور الصهيوني سابقًا، وكان كيان العدوّ يعتمدُ سياسة "الغموض"، لكن تصريحات نتنياهو وغانتس وبينيت الأخيرة، ودعمهم العلني والتحريضي للمخربين، واعترافات الأمن الإيراني بضبط خلايا تديرها "الموساد"، تؤكّـد أننا أمام "غرفة عمليات حربية" مفتوحة، وأن الانتقال من "العمل السري" إلى "التحريض العلني" يؤكّـد أن الاستراتيجية الصهيو-أمريكية الحالية هي "الإنهاك من الداخل"، إدراكًا منهم أن المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران مكلفة ومستحيلة، فكان البديل هو تفجير المجتمع من داخله باستخدام "صاعق الغلاء".

غير أن القارئَ الحصيفَ لا يرى في الحرائق المشتعلة في بعض المؤسّسات الحكومية مُجَـرّد شغب، بل يراها "تمهيدًا ناريًّا" لعمل عسكري محتمل؛ فالمخطّط يسير وفقَ تراتبية خبيثة:

إشغال الدفاعات: الهدفُ هو إغراقُ الحرس الثوري والأجهزة الأمنية في حروب شوارع بمدن متعددة، مما يشتت القيادة والسيطرة، ويخلق ثغراتٍ في "الوعي الظرفي" للدفاعات الجوية.

صناعة الذريعة: استدراج النظام لاستخدام القوة، لتفعيل مبدأ "مسؤولية الحماية" دوليًّا؛ مما يمنح واشنطن الغطاءَ القانوني والإنساني لتوجيه ضربات جوية دقيقة لمنشآت نووية أَو عسكرية تحت ذريعة "حماية الشعب الإيراني"، وهو ما يفسر تهديدات ترامب بأن "الصبر نفد".

في المقابل، تدرك القيادة في طهران أبعادَ اللُّعبة جيِّدًا؛ فتصريح رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأن "أيَّ عدوان سيضع القواعد الأمريكية والأراضي المحتلّة في مرمى النيران" هو رسالة ردع استراتيجية حاسمة.

طهران تقول بوضوح: "لن تحرقوا بيتَنا من الداخل وتتفرجوا من الخارج".

أية محاولة لاستغلال الفوضى الداخلية لشَنِّ عدوان خارجي ستواجَهُ برَدٍّ إقليمي شامل، ولن تكون المعركة محصورة في شوارع طهران، بل ستمتد لكيان العدوّ في الأراضي الفلسطينية المحتلّة والقواعد الأمريكية في المنطقة.

نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، فإيران تواجه استحقاقا مزدوجًا: ضرورة معالجة "النزيف الاقتصادي" الذي يوجع شعبها، وفي الوقت ذاته الصمود أمام أشرس "حرب ناعمة وخشنة" تستهدفُ وجودَها.

المخطّط لا يستهدفُ تغييرَ "نظام حكم" فحسب، بل يستهدفُ "محوَ هُوية"؛ يريدون إيران بلا إسلام سياسي، وبلا روح جهادية، وبلا سيادة.. يريدونها "إيران الشاه" المستكينة، لكن، وكما أثبتت التجارب، فإن الدولة التي صمدت لأربعة عقود تحت الحصار، تمتلك من "المناعة العقائدية" وأوراق القوة ما يجعل رهان "السقوط من الداخل" مغامرة محفوفة بمخاطر إحراق المنطقة بأسرها.