-
العنوان:إيران.. إعادة إنتاج القوة في عصر الضغط الأقصى
-
المدة:00:00:00
-
الوصف:
-
التصنيفات:مقالات
-
كلمات مفتاحية:
تاريخ العقود الأربعة الماضية يبيّن أن ضغوط أمريكا والغرب المتصاعدة والمُهندسة بالقوة الصُّلبة والناعمة لم تؤدِّ إلى انهيار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإعادتها إلى دائرة التبعية السابقة.
على العكس، سرّعت من عملية أمننة
البيئة الوطنية، ودَفعت طهران من عقيدة التحفّظ الاستراتيجي نحو عقيدة توازن القوى،
وُصُـولًا إلى تبنّي استراتيجية المواجهة المباشرة.
أما سياسة الاغتيال المنهجي، التي
استهدفت قائد الثورة ومجموعة متنوّعة من السياسيين، والقادة العسكريين الكبار، والعلماء
النوويين البارزين، والنخب العلمية، فهي -في التحليل الدقيق للعلاقات الدولية- لا
تعبّر عن اقتدارٍ هيمني لواشنطن.
الاغتيالات
تجسيدٌ ملموسٌ للاستعصاء الاستراتيجي في مواجهة فاعلٍ ثوريٍّ مراجِعٍ أعاد تعريف
قواعد اللعبة عبر تأصيل القوة محليًّا.
وقد أَدَّى الرد الإيراني الحاسم
والمتكافئ على المصالح الأمريكية إلى ترقية نموذج الردع التقليدي من حالة دفاعية
سلبية إلى فاعلية هجومية نشطة.
ولم يقتصر هذا التحول على رفع كلفة
التدخلات الأمريكية المستقبلية أمام صانعي العقيدة الأمنية في البيت الأبيض بصورة
غير مسبوقة، فقد أسهم أَيْـضًا في تثبيت أبعاد القوة الصُّلبة الإيرانية بوصفها
عاملًا حاسمًا في المعادلات الإقليمية.
وعلى صعيد التحولات الإقليمية، وبعد
سنواتٍ من ضبط النفس الاستراتيجي في مواجهة بعض الدول المجاورة التي عملت، علنًا
وسرًّا، ضمن تحالفٍ غيرِ مقدس مع أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، وأسهمت من خلال
مشاركتها في العقوبات واستضافتها لبُنى عسكرية عابرة للإقليم، في أداء دور الذراع
الميدانية لاحتواء إيران؛ فإن طهران قد غيّرت اليوم من مقاربتها.
فقد تجاوزت مرحلةَ الصمت، وردّت
بصورة مباشرة ومتكافئة على السلوكيات المنافية لحسن الجوار.
هذا الفعلُ المقتدرُ، وبغضّ النظر عن
أبعاده العملياتية، يكشف عن قدرة إيران على الاستهداف الدقيق وإدارة الأزمات في
الحدود المحيطة.
ومع ذلك، فإن هذه الردود الموجّهة لا
تتعارض مع الاستراتيجية الكبرى لإيران في مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ لا تزال طهران تؤكّـد
على ضرورة التفاعل الشامل بين دول المنطقة، وتشكيل تحالفات أمنية محلية، ووضع
حَــدٍّ لعصر التدخلات التدميرية الأجنبية.
وتؤمن إيران بأن الأمنَ المستدام لا
يتحقّق إلا في ظل التعاون الإقليمي، ومن دون حضور العناصر الثالثة العابرة للإقليم.
ومن المحاور الجوهرية الأُخرى في هذا
النزاع، يبرز التناقض البنيوي والأَسَاسي في الآليات الدبلوماسية.
فبينما تتزين أمريكا في ظاهرها
الدبلوماسي بقناع التعامل المتعدد الأطراف، فإنها في واقع الممارسة، ومن خلال استمرارها
في استراتيجية “الضغط الأقصى” ونهج “الحرب في منتصف المفاوضات”، قد كرّست فعليًّا نموذجًا
لعدمِ الثقة.
النكث
المتكرّر بالعهود، وانتهاك بنود الالتزامات الدولية، وتوظيف أدوات القهر والإكراه
أثناء الحوارات،
قد
عزّزت القناعةَ بأن أمريكا ليست دولة ذات شخصية اعتبارية جديرة بالاحترام على المستوى
الدولي، ولا شريكًا ملتزمًا.
أمريكا
الرمز والنموذج الأبرز لسياسة القوة غير الأخلاقية في العالم.
إن حضور الجمهورية الإسلامية على
طاولة المفاوضات ليس نابعًا من استئصال أَو أملٍ في تغيير ماهية الطرف المقابل، هو
فعلٌ عقلانيٌّ محضٌ لاستيفاء الحقوق المشروعة، وإثبات تفوق الدبلوماسية المقتدرة
في مواجهة منطق القوة.
ومع إدراك الجمهورية الإسلامية
الكامل بأن الاتّفاقياتِ المطروحة تفتقر إلى الضمانات الهيكلية والدعم التنفيذي
اللازم، فإنها تسعى فحسب إلى تثبيتِ مكانتها القانونية والعملياتية في النظام
الدولي.
إن إيران -استنادًا إلى تجربتها
المعاشة في الدبلوماسية الهجومية والاستقرار الاستراتيجي- تدرك يقينًا أن أيَّ اتّفاقٍ
ليس إلا نتيجةً لتغيُّر موازين القوى لصالح طهران، وليس ثمرةً لحُسْنِ نية الطرف
الآخر.
ومن هُنَا فإنَّ عدمَ الثقة البنيوي
في الاتّفاقيات، متجذِّرٌ في الحقائق التاريخية وماهية النظام السلطوي الحاكم في
البيت الأبيض.
إذن.. تظهر إيران اليوم كفاعلٍ خرج
من أَتون العواصف السياسية والأمنية المتتالية، بوصفها اللاعب الإقليمي الأكثر
خبرةً وتجذرًا استراتيجيًّا.
هذه إيران الجديدة، وبينما تحملُ على
جسدها أثقالَ العقوبات الجائرة، فإنها تقف صُلبةً على مبادئها، متسلحةً بمعرفة
عميقة بالعدوّ وإدراكٍ دقيق لقواعد اللعبة في الفضاء العالمي الفوضوي.
وفي غدِ تثبيت الأوضاع، لن تبرز إيران
كقوة مؤثرة وحاسمة فحسب، إنها تسعى لإعادة كتابة هندسة النظام الأمني الإقليمي، على
أَسَاس التآزر الإقليمي والأمن الداخلي، لا بناءً على إملاءات القوى العابرة
للأقاليم.
إن هذا الصمود التاريخي هو شهادةٌ
على نهاية عصر الهيمنة المفروضة، وبداية عهدٍ تضمن فيه الدبلوماسيةُ الإيرانية
المقتدرة، المقترنة بالردع الفاعل، السلامَ والاستقرارَ المستدامَين في منطقةٍ
خاليةٍ من هيمنة الغرباء.
* خبير في الشؤون السياسية، صحفي وناشط إعلامي إيراني
تغطية خاصة | تفاهمات على الطاولة الإيرانية.. ومعادلات المقاومة في لبنان.. وخروقات الكيان الصهيوني في غزة 26-12-1447هـ 12-06-2026م
تغطية خاصة | حول أمريكا: مأزق في الميدان، وتخبط في صياغة سردية الحرب مع إيران.. لبنان: نزيف دائم في قوات العدو 26-12-1447هـ 12-06-2026م
الحقيقة لا غير | وقفة مع الثائر الأفريقي توماس سانكارا ونهضته الاقتصادية في مواجهة الاستعمار الفرنسي | 27-12-1447هـ 13-06-2026م
الحقيقة لا غير | ماذا فعلت بريطانيا لزرع الكيان الصهيوني في الأراضي العربية الفلسطينية؟ | 30-11-1447هـ 17-05-2026م
الحقيقة لا غير | وقفة مع بيان السيد القائد حول الإساءة الأمريكية اليهودية للقرآن الكريم | 29-11-1447هـ 16-05-2026م