• العنوان:
    من وحي الهجرة النبوية
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

تُصاغ هُوية الشعوب والأمم وفق مفاهيم محدّدة تمثل في المجمل نواميس تصوغ الإطار العام في توجّـههم بما يناسب تلك الأنماط من النظريات التي خطتها أيادي أناس يعتبرونهم مرجعيتَهم.

ومع مرور الوقت تتحول تلك الطقوس والأساطير إلى خلفية تاريخية يأخذون منها الدروسَ ويستفيدون من تجارب أسلافهم، وهم بذلك يصنعون لهم كيانًا مستقلًّا وهُوية يستندون إليها.

وإذا ما عدنا إلى واقعنا كمسلمين قبل أن يَمُنَّ الله علينا بالرحمة المهداة محمد صلى الله عليه وآله، سنجد أن الواقع العام واقعٌ يبعث على الحزن والأسى، عبارة عن قبائل متناحرة، حياتُهم قائمةٌ على الظلم والجور والتسلط، وجهل وتخلف، وقبائل تعيشُ في زاوية مظلمة من التاريخ والعالم على حَــدٍّ سواء، والبعض الآخر من مجتمع العشائر العربية مُجَـرّد تابع لإمبراطوريات ذلك الزمن.

ورغم جهوده -صلوات الله عليه وآله- في فترة دعوته لقريش لإخراج الناس من وضعية التشرذم والتناحر والتبعية إلى وضعية: (كنتم خير أُمَّـة أخرجت للناس)، ولن تكون أُمَّـة تستطيع أن تقوم بمهام الرسالة الإلهية ما لم يكن لها منهج وقيادة وكيان، حتى في حيز جغرافي بسيط.

عمل الرسول الكريم مع ثُلَّةٍ من المؤمنين المستضعفين على نشر الدعوة في موطنه قريش بكل الأساليب والطرق، إلا أنه لاقى وأصحابَه صنوفَ العذاب من كفار قريش.

واستشهد البعض منهم صابرين محتسبين، وقضت إرادَة الله أن ينتقل الرسول الأعظم ومن معه إلى بيئة تكون لهم ملاذًا آمنًا ومجتمعًا يتحلى بالوعي والمسؤولية، يكون اللبنة الأولى والقاعدة الصُّلبة للانطلاق إلى مراحل أوسع وأهم وأكبر.

فكان المجتمع الكفؤ لذلك هو مجتمع يثرب "الأوس والخزرج"، القبيلتان اليمانيتان اللتان حازتا قَصَبَ السَّبَق في نصرة الرسول والرسالة، وبهما استبدل الله بدلًا من قريش.

حَيثُ كانت من أهم الأسباب التي دفعتهم إلى التخاذل والتنصل -ثم اتِّخاذ موقف العداء- الارتباط بالمستكبرين والجبابرة والظلمة، وتأثير أحبار اليهود عليهم في حياكة ونسج خطط العداوة وبث الرعب وزراعة الأحقاد، وملاحقة ومعاقبة كُـلّ من يتحَرّك تحت لواء الرسول الكريم.

وبما أن المسلمين يعتزون كَثيرًا بالتاريخ الهجري، إلا أن الكثيرَ -وللأسف الشديد- لا يسمحون لأنفسهم باستقراءِ معانيه ومدلولاته، والأسباب التي دفعت النبيَّ الكريمَ إلى الهجرة، ومِن وراء ذلك، ثم لم يتمعنوا فيما توحي إليه الهجرة، وفيما أحدثته من متغيِّرات كبرى بفضل قيادة الرسول الأعظم، والتفاف الأنصار والمهاجرين الذين آووا ونصروا وضحّوا، وهم كما وصفهم الله:

 (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)، ثم لم يكلف الكثيرُ منا نفسَه النظرَ من واقع الاستبصار لمعرفة ما هي معايير أُولئك الذين نالوا شرف احتضان الرسالة، ولماذا هم بالذات دون غيرهم من القبائل.

ولذا فإن الاعتزازَ بالهجرة النبوية كتاريخٍ وحسب لا يجدي، لأن المطلوبَ هو التعمُّقُ فيما يوحيه هذا التاريخُ والتمعن في أهميته من الناحية الروحية والعملية وفق المفهوم القرآني، كون الهجرة النبوية تمثل ميلادًا للهُوية الإسلامية الجامعة.

ولأن واقع أكثر من مليارَي مسلم يشهد أن أُولئك الذين خذلوا رسول الله وآذوه وحاربوه وعقدوا التحالفات مع اليهود وغيرهم في مواجهته ومحاربته -صلوات الله عليه وعلى آله- وما يدعوهم إليه، فيما يجعلهم لو أنهم اتبعوه ونصروه أُمَّـة عزيزة بعزة الله، ينالون به خير الدنيا والآخرة، إلا أنهم وقفوا في وجه الرسالة وتخندقوا في صف المستكبرين، وانتصروا لذواتهم وما يملي عليهم شياطين الإنس والجن، كانت نتيجة خِذلانهم هي الخسران والتلاشي: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ).

كان نصر الله لرسوله بالتفاف الأنصار حوله حبًّا وإيمانًا صادقًا يتوارثونه حتى اليوم.

حَيثُ يقدم الشعبُ اليمني -إلى جانبِ المؤمنين في محور الجهاد والمقاومة- المواقفَ العظيمة نصرةً للقضية الفلسطينية والمستضعفين في الأرض، ومواجهة الغطرسة الأمريكية والاستكبار العالمي، ودك القواعد والبوارج الأمريكية بكل قوة وثبات رغم قلة الإمْكَانات.

فما يزال عمار بن ياسر والأشتر وأبو ذر وسلمان لهم امتداد في الإيمان والشجاعة والصبر والتضحية والولاء، امتدادا أصيلًا يجسد الهُوية الإيمانية الصادقة.

ومناسبة الهجرة النبوية اليوم تكشف بأن قريشًا ما زالت تمارسُ محاربةَ الرسول، وما زالت عنجهيتها وكِبْرَها ونِفَاقَها وتحالُفاتُها مع اليهود وتسييرها لقوافل التجارة وإخراجها للمردود المالي تموينًا للمقاتلين من جيش الكفر، ما يزال موجودًا، يتجسد في نظام آل سعود ومنظومة النفاق الإعرابي الذين يناصبون المستضعفين العداء من أُمَّـة محمد -صلوات الله عليه وعلى آله-، وينفقون التريليونات من الدولارات تموينًا لعمليات الشيطان الأكبر، وتحولوا كأنظمة وجيوش إلى سياج أمني لحصن خيبر المتمثل في كيان الاحتلال الصهيوني، ولم تفقه قريش العصر حتى اليوم قوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ).