-
العنوان:الإنسان.. ساحة الصراع الأولى
-
المدة:00:00:00
-
الوصف:
-
التصنيفات:مقالات
-
كلمات مفتاحية:
كل يوم نسمع عن معركة جديدة، وعن تقدم هنا، وتراجع هناك.
لكن هناك معركة لا تظهر على الخرائط
العسكرية، ولا تُذاع نتائجها في النشرات الإخبارية.
إنها الأهم، بل إنها الأَسَاس.
وهي التي ستقرّر كُـلّ المعارك الأُخرى.
فالذي يراقب ما يجري على حدود غزة، وفي
سواحل اليمن، وفي جنوب لبنان، وفي جبال إيران، يظن أن الفصل الأخير من هذه
المواجهة الطويلة سيكتب هناك.
ولكنه يغفل عن حقيقة قديمة، أثبتها القرآن
قبل أن تثبتها الوقائع: أن المعركة الأولى والأخيرة تدور في مكان لا تصل إليه
الصواريخ، ولا تخترقه الطائرات، ولا تراه أقمار التجسس.
تدور فيك أنت.
في قلبك.
في عقلك.
في زوايا روحك التي لا يطلع عليها
إلا خالقك.
ليست القوة المادية وحدَها من تصنع
النصر.
تأمل كيف انهارت حضاراتٌ كانت تضرب
بها الأمثال في القوة.
عاد وثمود، وفرعون وجنوده، وأمم لم
تكن يومًا قليلة العدد ولا ضعيفة الإمْكَانات.
لم يسقطوا لأن عدوهم كان
أكثر عددًا، ولا لأن أسلحتهم كانت أقل تطورًا.
سقطوا لأنهم تآكلوا من
الداخل.
سقطوا لأن بناءهم
الإيماني والأخلاقي كان واهيًا، فلم يلبث أن انهار على أهله.
لقد نبهنا الله إلى هذه الحقيقة
بوضوح في كتابه، حَيثُ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنفسكُمْ
لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
تأمل هذه الآية جيِّدًا.
هي تؤسِّس لمبدأ عظيم، تخفى على كثيرٍ
من المصلحين والقادة، أن السلامة من ضرر الآخرين، والمنعة أمام المكائد، تنبع من استقامة
النفس واهتدائها، قبل أن تنبع من أية تحصينات خارجية.
فالآية لم تقل: ائتلفوا مع القوى
الكبرى.
قالت: {عَلَيْكُمْ أنفسكُمْ}.
لأنها إن صلحت، صلح بها كُـلّ شيء.
وإن فسدت، فسدت بإفسادها الأرض كلها.
العدوّ يستغل ثغراتنا، ولا يملك قوة
ذاتية..
ونحن في خضم هذه المواجهة المفتوحة
مع أعدائنا، نخطئ إذَا ظننا أنهم أقوياء بقوتهم.
القرآن يصور لنا، في قصص بني إسرائيل
تحديدا، طبيعة هذا العدوّ.
إنه لا يملك قوة ذاتية مطلقة.
طريقته الأَسَاسية هي البحث عن
الثغرات في نفوسنا، لينفذ منها ويحدث الخلل.
العدوّ، كما أراه الله لنا في كتابه،
لا يستطيع أن يؤذينا إلا من حَيثُ نؤذن له.
حين يجد جدارنا الداخلي متماسكًا، وحين
يرى أن قلوبنا معمورة بالإيمان، وأن عقولنا مضيئة بالبصيرة، وأن أخلاقنا محصنة
بالتقوى، يقف عاجزًا.
سلاحُه الوحيدُ هو أن يجد فينا نقطة
ضعف، فيوسعها وينفخ فيها حتى تصير هوة تسقط فيها الأُمَّــة.
لذلك هو يحاول اليوم أن يزرع اليأس
في قلوب أمتنا، أن يشكك في ثوابتنا، أن يلهينا بصغائر الأمور عن كبائرها، أن يركز اهتمامنا
على خلافات هامشية ليضيع الجهد في غير موضعه.
كُـلّ هذا لأنه يعلم أن الأُمَّــة
متى تمسكت بجوهرها، متى اهتمت ببناء إنسانها أولا، فإنه يصبح عاجزًا.
لا سلاح لديه يخترق ذلك السور المنيع،
سور القيم والأخلاق والإيمان.
لمّا قادت قلة البصيرة إلى هزيمة
النفوس
وقد تصدق هذه الحقيقة أبشع صورها في
تاريخنا، حينما لم يعد فسادُ البصيرة قاصرًا على الأُمَّــة العادية، فقد تعدى إلى
جيش الإمام علي عليه السلام في معركة صفين.
كان جيش الحق بقيادة أمير المؤمنين
على وشك إنهاء الشر إلى غير رجعة، بعد أن كاد يقتل معاوية وفلول جيشه.
وهنا أدرك عمرو بن العاص أنه لا مفرَّ
من الهزيمة، فدبَّر خُدعةً ماكرة: أمر جندَه برفع المصاحف على أسنة الرماح، يصرخون:
"كتاب الله حكم بيننا".
هل كان هذا إلا خُدعةً حقيرة؟ بلى.
لكن العجب أن بعضَ جيش الإمام علي صدَّقها،
وأصر على قبول التحكيم، رغم تحذيراته المتكرّرة صلواتُ الله عليه من أنها مكيدة.
لقد قال لهم: "هم يرفعون
المصاحف استكبارًا لا استكانة، واستضعافًا لا استسلامًا".
بل ذهب بعضهم كالأشعث بن قيس إلى
حَــدِّ الخيانة، فأصر على أن يكون ممثلُ الإمام في التحكيم أبا موسى الأشعري، ليتواطأ
مع عمرو بن العاص في إخراج النتيجة التي خذلت الحق وثبتت الباطل.
لماذا حدث هذا؟ لأن أُولئك القوم لم
يكن في قلوبهم من البصيرة والوعي ما يكفي لصدِّ هذه المؤامرة.
لقد امتلكوا القوة المادية والسيطرة
على أرض المعركة، لكنهم افتقدوا الجنديةَ الربانية، فانخدعوا بظواهر الأمور وتركوا
جوهرها.
فكانت النتيجة خروج الخوارج الذين
أضلوا الأُمَّــة، وتمكين معاوية وانتقال الخلافة إلى ملك عضوض، وكلها كوارث أتت
من ثغرة داخلية في النفوس.
هذا هو الخطر الذي لا تراه الأسلحة.
إنها ثغرة صغيرة في فَهم الدين، أَو وهن
في الإخلاص، أَو قلة في التربية الإيمانية، تجعل الفرد والمجتمع عرضة للانخداع
بأبسط الحيل وأوهاها.
بين وعد الكوفة وغدرها.. حين يخون
الإيمان
وتأتي الكوفة لتقدم لنا الدرس الأكثر
إيلامًا.
حين بعث الإمامُ الحسين عليه السلام
ابن عمه مسلم بن عقيل إليها، ليتفقد أنصارَها ويأخذ منهم البيعة، فإذا بهم يتدفّقون
عليه كالسيل.
ثمانية عشر ألفًا بايعوه، أَو يزيدون،
يصرخون: "يا منصور يا منصور!"، يملؤون الدارَ غصصًا، ويجدّدون العهود
لنصرة أهل البيت.
ولكن! حين سمع والي الكوفة عُبَيد
الله بن زياد بن أبيه بقدومه، دب الرعبُ في قلوبهم، فإذا بالذي كانوا يعدون بالآلاف
يتسللون ليلًا، يتوارون في بيوتهم، يتركون مسلمًا وحيدًا في دار هانئ بن عروة.
فخرج مسلم وبيده سيفه، ليس معه إلا
نفرٌ قليل، وقاتل حتى استشهد، بعد أن رفع صوتَه يائسًا: "يا لأهل الكوفة! أين
الألوف؟ أين الثمانية عشر ألفًا؟ أين البيعة؟ أين العهود؟"
لم يقتل مسلمًا سيف ابن زياد، قتله
غدر الكوفة.
قتله أن الجيش لم يكن يملك البصيرة
التي تثبته عند البأس، ولا الإخلاص الذي يمنعه من الرضوخ للضغوط.
لقد كان بناؤهم الداخلي واهيًا، فلم
يتحملوا لحظة واحدة من الضغط، وتنكروا لوعدهم، وخذلوا ابن عم نبيهم، ثم لم يلبثوا
أن فعلوا نفس الشيء مع الحسين نفسه حين وصل إلى كربلاء.
خِذلان مسلم ثم الحسين لم يكنْ
بسَببِ قلة العتاد، بل بسَببِ فساد البصائر، وضعف اليقين، وهشاشة البناء الإيماني
والأخلاقي.
وبذلك أثبتوا لآخر الزمان أن الهزيمةَ
تبدأ من داخل النفوس قبل أن تبدأ من أسوار المدائن.
البناء الداخلي.. هو الجهاد الأكبر
لقد فهم الأولياءُ هذه الحقيقة، فكانوا
يبدأون بإصلاح وضعهم الداخلي قبل أن يخرجوا لإصلاح غيرهم.
كانوا يربون أنفسَهم على الجندية
الربانية، فيصبح الواحد منهم جنديًّا لله في معركة إصلاح قلبه، قبل أن يخرجَ إلى ميدان
الحياة.
وكانوا يعمقون بصيرتهم ووعيهم؛ لأن
الهزائمَ التاريخية للأُمَّـة كانت بسَببِ ضعف البصيرة والإيمان الناقص الذي جعلها
عاجزة عن قراءة السنن وفهم الواقع.
وكانوا ينطلقون من نظرة شاملة
تكاملية للإسلام، رافضين الفهم التجزيئي الذي يفصل بين العبادة والجهاد، أَو بين
الدعوة والعمل.
فالقرآن منهج حياة كامل يهدف إلى بناء
الإنسان ليقيم القسط، وليس مُجَـرّد مجموعة عبادات منفصلة.
وهذا المنهج يكفي لهداية البشرية، كما
قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.
النصر يبدأ من الداخل
نحن اليوم في حاجة إلى إعادة تعريف
النصر.
النصر الحقيقي أن تنشئ جيلًا لا يخشى
الشهادة في سبيل الله، وليس أن تدمّـر دبابة العدوّ فقط.
النصر الحقيقي أن تمتلك قلوب أبنائك
فلا يستطيع أحد اختطافها.
النصر الحقيقي هو أن تظل واقفًا على
الحق حين يتخلى عنك الجميع، أن تنطق بالصدع حين يكلفك ثمنا غاليًا، أن تصون مبادئك
حين تصبح السلعة الأغلى.
كل صاروخ يبنى، وكل طائرة تصنع، وكل
خطة عسكرية ترسم، لا قيمة لها إذَا كان الجندي لا يعرف لماذا يقاتل، وَإذَا كان
المجتمع لا يحمي ظهر جيشه، وَإذَا كان القاضي يظلم، والتاجر يغش، والإعلامي يكذب.
لأن المعركة تبدأ من هناك، من داخل
كُـلّ واحد منا.
ومن هناك ستنتصر.
أَو تسقط.
فأيُّ الطريقين تختار؟
تغطية خاصة | تفاهمات على الطاولة الإيرانية.. ومعادلات المقاومة في لبنان.. وخروقات الكيان الصهيوني في غزة 26-12-1447هـ 12-06-2026م
تغطية خاصة | حول أمريكا: مأزق في الميدان، وتخبط في صياغة سردية الحرب مع إيران.. لبنان: نزيف دائم في قوات العدو 26-12-1447هـ 12-06-2026م
الحقيقة لا غير | وقفة مع الثائر الأفريقي توماس سانكارا ونهضته الاقتصادية في مواجهة الاستعمار الفرنسي | 27-12-1447هـ 13-06-2026م
الحقيقة لا غير | ماذا فعلت بريطانيا لزرع الكيان الصهيوني في الأراضي العربية الفلسطينية؟ | 30-11-1447هـ 17-05-2026م
الحقيقة لا غير | وقفة مع بيان السيد القائد حول الإساءة الأمريكية اليهودية للقرآن الكريم | 29-11-1447هـ 16-05-2026م