• العنوان:
    حين تصطدم أوهامُ البشر بصخور المشيئة الربانية
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

إن الكون كله -بحركته وسكونه، برزقه وعطائه- يسيرُ وفق هندسة إلهية بالغة الدقة، لا مجال فيها للمصادفة أَو العبث.

ومن أعظم الحقائق التي يرسّخها القرآن الكريم في نفوس المؤمنين هي حقيقة السيادة المطلقة لله عز وجل في توزيع فضله وكرمه؛ فالخلق خلقه، والأمر أمره، والعطاء عطاؤه، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

حتمية الفضل الإلهي وسعة العطاء

عندما يريد الله سبحانه وتعالى أن يمُنَّ على عبدٍ من عباده بنعمة —سواءٌ أكانت عِلمًا، أَو تمكينًا، أَو رزقًا، أَو رفعة— فإن هذا العطاءَ لا يخضعُ لمقاييس البشر المادية، حتمًا يتدفق من خزائن رحمة الله التي لا تنفد.

قال تعالى: "مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (فاطر: 2).

إن جملة "ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ" تضع حدًّا حاسمًا لكل تساؤلات البشر القاصرة.

لماذا أوتي فلان ولم يؤتَ علان؟

الجوابُ هو الحكمةُ الإلهية، وهي المبدأ الذي يورث في قلب المؤمن الرضا والسلام الداخلي، لعلمه أن "اللَّهَ عَلَىٰ كُـلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

في مقابل هذا الفضل، تظهر فئة من البشر ضاقت قلوبُهم بنور اليقين، وامتلأت بحسدٍ أسودَ وضغينة قاهرة.

هؤلاء هم الذين يحاولون بأوهامهم وحِيَلِهم الماكرة أن يضعوا عوائقَ أمام قطار القدر، فيسعَون إلى قطع أرزاق العباد، أَو سلب النِّعم التي أنعم الله بها على غيرهم.

إن هؤلاء لا يدركون أنهم بحسدهم ومكرهم لا يحاربون الشخصَ المُنْعَم عليه فحسب.

هم في الحقيقة يعترضون على حكم الله: وكأنهم يخطئون اختيار الخالق في توزيعه، ويتحدون المشيئة الإلهية بمحاولتهم إغلاقَ بابٍ رزق فتحه الله.

العبدُ الحقُّ يسلّم للأمر ويرضى بالقسمة، أما الطاغيةُ الباغي فيرى في فضل الله على غيره تهديدًا لكيانه ومستكبره، تمامًا كما فعل إبليس حين حسد آدم، وكما فعل فرعون حين رأى في موسى زوال ملكه.

لقد توعد الله هؤلاء الماكرين بأن كيدَهم سيرتد إلى نحورهم، وأن محاولتهم الحجب والمنع هي محض سراب:

"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ..." (النساء: 54).

ومن كان الله خصمَه وعدوه؛ بسَببِ بغيه على عباده الصالحين، فإن عاقبته الهلاك والخُسران المبين؛ فالله يمهل ولا يهمل، ويمد للمعتدي في طغيانه حتى إذَا أخذه لم يفلته.

إذن.. الرسالة التي يجب أن يستوعبها كُـلُّ صاحب حق، وكل مصلح يسعى لخدمة مجتمعه ودينه، هي أن قوةَ الماكرين هشة، وحيل المخادعين باطلة ما دام العبد متحصنًا بالقوي المتين.

فإذا مَنّ الله عليك بفضل، واستعملك في طاعته وخدمة خلقه، فلا تلتفت لمَن يحاولون إطفاء نور الله بأفواههم.

والحمد لله على فضله وكرمه، وهو على كُـلّ شيء قدير.