-
العنوان:كيف أنقذ الغديرُ الأُمَّــةَ من التخبط؟
-
المدة:00:00:00
-
الوصف:
-
التصنيفات:مقالات
-
كلمات مفتاحية:
يا صديقي اسمَحْ لي بدقائقَ من وقتك ونتكلمَ عن الولاية من منظور الواقع العملي، ضع جانبًا القوالب الجاهزة التي حصرت هذا اليوم العظيم في زوايا السجال المذهبي الضيق.
تعال ننظُرْ إلى المشهد بعين رجل
دولة، ومخطّط استراتيجي يرى المشهد بأكمله، ويتجاوز حسابات اللحظة.
ما جرى في غدير خم قبل أكثر من 14
قرنًا لم يكن مُجَـرّد إشادة شخصية بمكانة الإمام علي، أَو لفتة عاطفية لتطييب
الخواطر.
نحن هنا أمام قرارٍ بنائي واستراتيجي
بامتيَاز.
خطوة مفصلية رسمت ملامحَ المستقبل، وهندست
مفهومَ الدولة الحقيقي في بيئة لم تألَفْ يومًا معنى النظام المؤسّسي المستدام.
دعنا نقرأْ تفاصيلَ ذلك اليوم بعقلية الحفاظ على الأُمَّــة وإدارة المخاطر
الاستباقية.
الرسول صلوات الله عليه وعلى آله
وسلم كان يعلمُ بدُنُوِّ الأَجَل، والوحي يلمِّحُ لذلك، والواقع يفرض استحقاقاته
بقوة.
كانت الدولة الإسلامية الناشئة تعيشُ
ذروةَ اتساعها الجغرافي.
القبائل دخلت في الدين أفواجًا، نعم،
ولكن الوعي السياسي والولاء للمشروع الجامع لم ينضج بعد في العقول بالشكل الكافي.
وهنا يبرز الخطر الأكبر الذي يهدّد أية دولة وليدة: هو الفراغ السياسي المفاجئ.
كيف يمكن حمايةُ هذه الأُمَّــة من
الانهيار والارتداد بمُجَـرّد غياب قائدها ومؤسّسها؟
وهنا تتجلى الحكمة القيادية الباهرة
في أبهى صورها.
الاختيار الجغرافي والزمني لم يكن
عفويًّا أبدًا؛ فغديرُ خم هو نقطة التقاء وتفرّق طرق القوافل، والموقع الاستراتيجي
الذي يضمن وصول البلاغ الحاسم إلى أطراف الجزيرة العربية كافة، قبل أن ينعزل كُـلّ
وفد في صحرائه البعيدة.
لو تم إعلانُ الرسول الأكرم ولايةَ
الإمام علي في مكة، لتاهت الفكرة في غمرة انشغال الناس بالمناسك وكثرة الشواغل.
ولو تأجل إلى المدينة، لغابت وفود
القبائل وجماهير الولايات الأُخرى.
لقد كان اختيارا دقيقًا للحظة الحَرِجَة
والموقع الذكي، لحماية الأُمَّــة من التخبُّط، وتحصينها من الفراغ القيادي، وضمان
استمرار مسيرة الهداية دون ارتباك.
تتباهى الفلسفةُ السياسيةُ الحديثة
في الغرب بنظريات العقد الاجتماعي، والتي تقول إن شرعية الحاكم تأتي من رضا
المحكومين
لكن يوم الغدير قدّم نموذجًا يتجاوز
هذه النظريات البشرية القاصرة بقرون طويلة، واضعًا أسسًا أمتنَ لربط الأُمَّــة
بقيادتها.
الخطاب النبوي في ذلك اليوم المشهود
لم يأتِ بصيغة أمر معزول عن وعي الأُمَّــة، بل اهتم بالتثبيت النفسي والاعتراف
الواعي من الأُمَّــة أولًا.
النبي صلوات الله عليه وعلى آله وسلم
أراد أن يتحوَّلَ التكليفُ الإلهي بالولاية إلى التزام طوعي، وتسليم نابع من
البصيرة؛ لتقوم الأُمَّــة بمسؤوليتها في حماية هذا الخط الإيماني عن قناعة وإدراك
كاملين.
حين سأل النبي صلوات الله عليه وآله
وسلم الحشود: (ألسْتُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهِمْ؟)
لم يكن هذا الاستفهام مُجَـرّد سؤال
عابر، لقد كان تثبيتًا للمرجعية والولاية الإيمانية العليا في أُمَّـة الإسلام.
الحشود صرخت بصوت واحد:
"بلى".
هنا بالذات، قامت الحجّـة البالغة، واكتمل
الإقرار الجماعي المشهود الذي لا يدع مجالًا للشك أَو التراجع.
بعد هذا الإقرار التام مباشرة، جاء
البلاغ الحاسم والتكليف الإلهي: (من كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه).
هذا الإعلانُ لم يكن صفقةً تُدار
وراء الكواليس أَو في غرف مغلقة، فقد كان أكبرَ إشهاد علني ومباشر شهدته تاريخ
الجزيرة العربية.
شفافيةٌ ومكاشفة أمام عشرات الآلاف، تلتها
بيعةٌ مباشرة وإقرارٌ فردي يرسخ الالتزام بهذا النهج والخط القيادي الإيماني
الجامع.
نحن نتحدث هنا عن مجتمع يعتمد
بالدرجة الأولى على الرواية والنقل الشفهي؛ والكلمة في الصحراء قد تذروها الرياح، أَو
يتطرق إليها التحريف والنسيان بمرور الأيّام إن لم تُدعم بصورة ذهنية راسخة، ومحفورة
في عمق الذاكرة.
كيف تضمن أن يعودَ ذلك البدوي إلى قبيلته
النائية وهو يحمل تفاصيل البلاغ الحاسم بكل أمانة ودقة، دون زيادة أَو نقصان؟
هنا تتجلَّى الحكمةُ النبوية في أعلى
مراتب التثبيت والبيان، عبر صناعة مشهد حي مشهود يلتصق بالوعي ولا يمكن لغبار
الزمن أن يمحوه.
في تلك الشمس الحارقة وهجير الصيف، جُمعت
أقتاب الإبل ورُصّت فوق بعضها، لتصنعَ منبرًا شاهقًا يراه المحتشدون كُلُّهم من
أبعد نقطة في ساحة الغدير.
وقف النبيُّ صلوات الله عليه وعلى
آله وسلم في الأعلى، وأمسك بيد علي، ثم رفعها عاليًا جِـدًّا أمامَ الوجوه والعيون،
حتى بان بياضُ إبطَيهما في لقطة تاريخية مهيبة حسمت كُـلّ لَبْس.
هذا البيان الجلي كان ترسيخًا لليقين،
وقطعًا لأعذار المتأولين.
المشاهدة المباشرة هنا سبقت الكلمات،
وحسمت معالم الحقيقة؛ فالرؤية العيانية قطعت دابر التشكيك المستقبلي ومحاولات
التزييف.
كل من شهد الغدير عاين تفاصيلَ ذلك
الرفع التاريخي بأمِّ عينيه.
وبذلك، تجاوز الحدث إطار النص
المسموع الذي قد تطويه عواصف النسيان، ليتحول إلى حقيقة مشهودة، ووعي حي يُنحت في
وجدان الأُمَّــة وذاكرة الأجيال المتعاقبة.
كانت الجزيرة العربية محكومةٌ بقانون
واحد صُلب لا يتزحزح: الدم، والنسب، والغلبة العصبية.
كانت القبيلة بمثابة الصنم الجاهلي
الذي يُطاع دون وعي، ويقودُ الناسَ إلى التناحر والشتات.
وجاء إعلانُ الغدير ليهدم هذا
المنظور الاجتماعي والسياسي العقيم بالكامل.
إن عبارةَ (من كنتُ مولاه فهذا علي
مولاه) نسفت مقاييسَ الزعامة الجاهلية القائمة على السن، أَو الثراء، أَو النفوذ
الطبقي والمصالح الضيِّقة.
لقد نقلت الأُمَّــة من مستنقع
الولاءات القبلية العصبية، إلى رحاب الولاية الإيمانية والقيمية، التي تعتمد على
الطاعة الواعية لأعلام الهدى.
علي بن أبي طالب، عليه السلام، لم
يكن يملك جيشًا قبليًّا يلوّح به، ولم يكن ثريًّا يشتري الولاءات والضمائر بأمواله.
لقد كان يملك ما هو أبقى وأعظم:
العلم الراسخ، القضاء العادل، الشجاعة الفدائية، والمبدأ الإيماني الصُّلب الذي لا
يلين.
الغدير هنا كان بمثابة التأسيس
الإلهي لولادة الهُوية الإيمانية الجامعة، العابرة للجغرافيا والقوميات.
رابطة مقدسة صهرت فئات المجتمع وأحرار
القبائل اليمنية والحجازية في إطار واحد.
كيان مستدام يُدار بالمقاييس الإلهية
والمؤهلات الإيمانية، لا على أَسَاس العِرق، والنسب، وحسابات الدم المعقدة.
إذًا يا صديقي المسألة أبعد بكثيرٍ
من مُجَـرّد نقاش فقهي حول دلالة كلمة.
الغدير كان مشروعًا ربانيًّا ومفصليًّا
لضمان بقاء الأُمَّــة، وحماية إرث الرسالة من التخبط والانحراف.
إنه التأسيسُ والمنهجُ الأسمى لكيفية تحصين المجتمع الإيماني، وتأمين مستقبل الأُمَّــة في أصعب المراحل الانتقالية والمنعطفات التاريخية؛ بلُغة الوعي، والبصيرة، والحكمة القيادية التي تحرس قيم الدين وتبني صرح الأُمَّــة.
الحقيقة لا غير | ماذا فعلت بريطانيا لزرع الكيان الصهيوني في الأراضي العربية الفلسطينية؟ | 30-11-1447هـ 17-05-2026م
الحقيقة لا غير | وقفة مع بيان السيد القائد حول الإساءة الأمريكية اليهودية للقرآن الكريم | 29-11-1447هـ 16-05-2026م
الحقيقة لا غير | معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو وسط تجاهل من قبل الحكومات العربية والإسلامية | 24-11-1447هـ 11-05-2026م