• العنوان:
    ليل الظالم وقنديل المستضعَف
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    من الذي يحاصر الآخر: أمريكا أم إيران؟ سؤالٌ يتردّد في أروقة السياسة ومجالس الفكر، وكأنما العالم في حيرةٍ من أمره أمام مشهدٍ يتجاوز حدود المادة ليدخل في ملكوت الروح والكرامة.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

أنس عبدالرزاق

إن الناظر بعين البصيرة التي وهبها الله لعباده المخلصين يدرك أن الحصار ليس في غلق المنافذ ومنع الأرزاق، بل الحصار هو انحباس الروح في زنزانة الخوف والتبعية، أَو انطلاقها في فضاء العزة والحرية والكرامة.

فمن هو المحاصَر حقًّا؟ أهو ذلك الذي يملك الأساطيل والقواعد والترسانات التي تمتد عبر القارات والبحار، لكنه يرتجف خوفًا من كلمة حق تُقال في وجهه؟ أم هو ذلك الذي يحيط به الأعداء من كُـلّ جانب، لكنه يأوي إلى ركنٍ شديد من الإيمان والثبات؟

إن القلم الذي يكتب بلسان المستضعفين الصامدين يرى أن أمريكا اليوم هي المحاصَرة في سجن أطماعها وغطرستها، وقيودها التي كبّلت بها نفسها قبل غيرها.

فكلما زادت في حصار الشعوب، ضاق عليها الخناق المعنوي، وانكشفت سوأتها الأخلاقية أمام ضمير الإنسانية.

إن إيران، التي يظن الجاهلون أنها محاصَرة، هي في الحقيقة التي تحاصر الهيمنة الأمريكية بصمودها وثباتها وتطورها الذاتي، الذي لم يأتِ من فراغ، بل من صُلب المعاناة وصقل الشدائد.

فالإنسان حين يتحرّر من عبودية الطاغوت يصبح هو المركز، وما حوله هو الهباء.

إن اللغة التي نكتب بها اليوم ليست مُجَـرّد كلمات، إنها تدفّق المعنى في عروق الحقيقة التي تقول إن الظلم، مهما طال به الأمد، فهو محاصر بحدود زواله، وإن الحق، مهما ضاقت به السبل، فهو واسع بمدى اتصاله بخالقه.

فالأمريكي يحاصر نفسه بجدارٍ من الكراهية يبنيه في كُـلّ أرض يطؤها، بينما الإيراني، وكل حر في هذا العالم، يفتحون آفاقًا من النور تكسر قيود الظلم وتتجاوز أسوار الظلام.

إننا أمام معادلة إلهية لا يفهمها إلا من قرأ سنن التاريخ بعين البصيرة؛ فالغلبة ليست لمن ملك القوة، بل لمن ملك الحق.

والحق اليوم يتجلى في تلك الوجوه الصابرة التي لا تنحني إلا لله، ولا ترهبها قرارات القوى الكبرى ولا تهديدات البيت الأبيض.

فالحصار في حقيقته هو حصار الإرادَة، فإذا تحرّرت الإرادَة سقطت كُـلّ الجدران، وتلاشت كُـلّ القيود، وصار المحاصَر هو السيد، والمحاصِر هو العبد الذليل في محراب الخوف والارتهان.

هكذا نعلم العالم أن حصاركم لنا هو الذي يحرّرنا منكم، وحريتكم المزعومة هي التي تستعبدكم، وتجعلكم أسرى لمخاوفكم التي لا تنتهي.

فمن يحاصر الآخر؟

إنها الروح تحاصر المادة، والحق يحاصر الباطل، في مشهد تاريخي سيخلّد أن القوة لله جميعًا، وأن النصر حليف الصادقين الذين لم يبيعوا دينهم بدنيا غيرهم، ولم يركعوا لغير خالق الأرض والسماء.

إنها معركة الوعي التي ننتصر فيها كُـلّ يوم بمداد الحق ودماء الثابتين، الذين رسموا بثباتهم حدود الوطن الأكبر الذي لا يحدّه حصار، ولا تنال منه مؤامرة.

فالنور لا يُحاصَر، بل هو الذي يطرد الظلام ويحاصره في زوايا النسيان والخُسران المبين.