• العنوان:
    كبرياء الطين.. وزئير الروح
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    إن من سنن الله في خلقه أن الطاغية إذَا استكبر في الأرض بغير الحق رأى في ماله وقوته وجبروته إلهًا يُعبد، حتى إذَا طغى واستغشى ثياب الغرور، سلّط الله عليه من الحق جندًا لا يراهم؛ لأنهم يخرجون من باطن الروح لا من ظاهر العتاد.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

أنس عبدالرزاق

هنالك تخرّ القوة التي كانوا يباهون بها ساجدةً لعجزها، ويستحيل الغرور الذي ملأ صدورهم ذلًا يتكسر على صخرة اليقين.

هذا ترامب الذي أوقد نار الحرب بصلف من يظن أن مفاتيح القدر في خزانة بيته، لم يدرِ أن النار التي أوقدها لا تحرق إلا أوهامه، وأن حديد أساطيله التي ملأت البحار ليس إلا زبدًا يذهب جفاءً أمام أقدام رجال غسلوا قلوبهم بماء الإيمان، فزادهم الله هدى، وجعل صمودهم سدًا منيعًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن هذه الهدنة التي اضطرت إليها واشنطن لم تكن عهدًا بين كفئين، بل كانت صك إفلاس معنوي وقّعته يد العجز الأمريكي أمام جلال الصمود في اليمن وعظمة الثبات في إيران.

هناك في اليمن، حَيثُ الصخور لا تصمت بل تنطق بالعزة، تهاوت طائراتهم "الريبر" كفراش حكم عليه بالاحتراق حين اقترب من نور الحق.

لقد أثبت هؤلاء المجاهدون أن الآلة مهما تعقدت تظل مُجَـرّد جماد لا روح فيه، تخضع لناموس الإرادَة التي لا تقهر.

أما في إيران، فقد تجلى النصر في صورة تذل لها رقاب المستكبرين؛ إذ خضعت واشنطن لشروط هي في حقيقتها توبة المغلوب الذي أدرك أن الضغط الأقصى لم يولد إلا انكسارا أقصى.

إن عبورهم الخاضع في هرمز، ورفعهم للعقوبات، ودفعهم للتعويضات، ليس إلا اعترافا بأن البحار لم تعد مرتعًا لعربدتهم، وأن الردع الذي كانوا يتبجحون به قد صار أثرًا بعد عين.

يا ويحهم، ظنوا أنهم يملكون الدنيا، فإذا بالقدر يصفعهم بالوعد الصادق، ويجبرهم على التراجع يجرّون أذيال الخيبة، بعد أن أدركوا أن الحرب على محور المقاومة ليست انتحارا عسكريًّا فحسب، بل هي انتحار استراتيجي تضيع فيه هيبة الأمم.

إن هذه الهدنة هي الفجر الذي انشق من ليل المعاناة، ليعلن للعالم أن الحق إذَا استند إلى القوة صار قدرًا لا يُرد، وأن الباطل مهما انتفش كبالون منفوخ يظل في جوهره زهوقًا.

لقد رأوا في عيون هؤلاء المقاومين الموت الذي هو سر حياتهم، وفي صواريخهم الحق الذي لا يُغلب.

هي ملحمة كُتبت بمداد الكبرياء؛ إن الشعوب التي تعشق الاستشهاد هي وحدها التي تملي التاريخ، وأن الطغاة مهما علوا في سماء الوهم فإن مصيرهم إلى زوال، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.