• العنوان:
    بعثنا عليكم
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    ​في رحاب النص القرآني الخالد، تبرز كلمة "بعثنا" كقوة محركة للتاريخ وقدر إلهي لا يملك أحدٌ ردَّه.. فمن الناحية اللُّغوية، لا يقتصر البعثُ على مُجَـرّد الإرسال، إنما هو الإثارة والتحريك من حالة السكون أَو العدم إلى حالة الفاعلية القُصوى والاندفاع نحو هدف محدّد.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

وحين يقولُ الله تعالى: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ)، فإنه يشير إلى إيقاظ قوة كامنة وتوجيهها لتسليطها على الظالمين، لتكون هذه القوةُ هي الأدَاةَ الإلهيةَ لتأديب من استكبر في الأرض بغير الحق.

إنها سُنة الاستئصال التي تبدأ حين يبلغ الفساد ذروتَه، فيأتي البعث ليعيد التوازن للأرض ويقطع دابر الذين ظلموا.

إن جرائمَ الصهاينة اليوم، من سفك للدماء وإبادة جماعية واستباحة للمقدسات، هي الشاهد الحي الذي يصدق ما ذكره الله في كتابه عن طبيعتهم في قوله ويسعَون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين.

هذا الفساد المستشري الذي نراه ليس قوةً ذاتية فيهم، إنما هو نتيجةٌ لواقع الضَّعف والوهن الذي أصاب الأُمَّــة حين تنصلت من مسؤولياتها وركنت إلى الحلول الاستسلامية.

ومع ذلك، يظل هذا العدوُّ الصهيوني هَشًّا في جوهره، فهو مجتمع يقومُ على الرعب النفسي والتفكك الداخلي، ويفتقر لأي رابط حقيقي بالأرض، مصداقًا لقوله تعالى: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ).

إن الذين يبتعِثُهم الله ليسوا مُجَـرّد جيوش تقليدية، إن هم عبادٌ لله أولو بأس شديد؛ عبادٌ تحرّروا من الولاءات الضيّقة وارتبطوا بالله وحدَه، وامتلكوا من الشجاعة والبأس ما يزلزلُ عروشَ المستكبرين.

وهُنا تبرز الحلقةُ المركَزية في مواصفات هذا البعث الإلهي، وهي حلقة الولاية التي تحصِّنُ الأُمَّــة من الاختراق والشتات؛ فالغلَبةُ والتمكين لا يتحقّقان إلا بالارتباط الصادق بمنهج الولاية لله ورسوله والذين آمنوا، وعلى رأسهم الإمام علي عليه السلام، الذي يمثّل الامتدادَ الإلهي للهداية والبأس في مواجهة الطغيان، مصداقًا لقوله تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

إن هذا الربط الإيماني هو الذي يمنح المجاهدين تلك الروحيةَ التي لا تُهزم، ويجعل من تحَرُّكِهم عملًا ربَّانيًّا مسدَّدًا بوعود النصر الإلهي.

لقد جاءت معركة السابع من أُكتوبر كبروفة مصغرة ومعاصِرة لصدق الوعيد الإلهي، حَيثُ شاهد العالم كيف تهاوت الأساطيرُ التكنولوجية أمام ثُلة مؤمنة جسدت هذه المعايير.

واليوم، تتجلى هذه الصورة في جبهات المقاومة الممتدة من فلسطين ولبنان واليمن والعراق إلى إيران، لتشكل معًا محورًا واحدًا يمثل الإرادَة الإلهية في مواجهة قوى الاستكبار.

إن السُّنة الإلهية تقضي بحتمية هزيمة كَيان الاحتلال وزواله، لكن هذه السنة مرتبطة بمدى استجابة الأُمَّــة لنداء الله والتمسك بخيار الولاية والجهاد، وهو الخيار الذي يضمن النصر والكرامة، بعيدًا عن فخ التولي والعمالة للباطل الذي يلحق صاحبه بالظالمين في قوله: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).

إن وعد الآخرة آت لا محالة، وما هذه التحولات إلا مقدمات لليوم الذي يسوء فيه المجاهدون وجوهَ الصهاينة، ويدخلون المسجد فاتحين كما دخلوه أولَ مرة.