• العنوان:
    كربلاء وفلسطين: وَحدة الجرح وامتداد المبدأ عبر التاريخ
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    يقف التاريخ أحيانًا أمام لحظات فارقة تتكثّـف فيها المعاني لتصبحَ عابرةً للزمان والمكان، ومن هذه اللحظات يبرز الرابط الوجودي والوجداني بين كربلاء الأمس وفلسطين اليوم.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

إن تأمل مشهد استشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام سبط الرسول الأعظم يضعنا أمام تساؤل مرير حول طبيعة الخذلان البشري؛ فكيف لابن بنت نبي الأُمَّــة أن يُذبح وحيدًا وبين ظهراني الأُمَّــة آلافٌ ممن بايعوه وبايعوا أباه وأخاه من قبل.

إن هذا التساؤل التاريخي ليس مُجَـرّد بكاء على الأطلال بل هو تحليل لظاهرة إنسانية تتكرّر اليوم في فلسطين بصورة أكثر جلاءً وقسوة فالمشهد الذي نراه في غزة والقدس وكل شبر من الأرض المحتلّة هو النسخة المعاصرة لواقعة الطف، حَيثُ يقف صاحب الحق مُجَـرّدًا من الناصر إلا من ثلة قليلة آمنت بأن الموتَ في عِز هو الحياة الأبدية، بينما يكتفي العالم بما فيه أُمَّـة المليارَين بدور المتفرج أَو المندّد بكلمات لا تسمن ولا تغني من جوع.

ويتجلى هذا الانحلال القيمي في أقسى صوره حين نرى جريمة إعدام الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال بدم بارد، بينما لا يتحَرّك للبعض ساكن، وكأن التبلد الوجداني أصبح هو اللغة السائدة، متناسين أن الصمت أمام التنكيل بمن ضحوا بحريتهم أَو محاولة تبرير الجلاد يعني أن المرء قد وصل إلى مرحلة من المسخ الهُوياتي، حَيثُ لم يعد يرى بعين أمته بل أصبح مرآة تعكس أماني الخصم وتبرّر ساديته.

إن المشاهد المروعة القادمة من خلف قضبان السجون هي المصفاة التي تفرز الصفوف فمن كان يدافع عن العدوّ أَو يسكت عن جرائم إعدام الأسرى هو في الحقيقة يعلن عن انتمائه الحقيقي الذي حُسم منذ زمن خلف الأبواب المغلقة.

إن التشابه بين الماضي والحاضر يكمن في الخذلان الذي لم يتغيّر جوهره رغم مرور ألف وأربعمِئة عام فالصمت الذي أحاط بالحسين في كربلاء هو ذاته الصمت الذي يلف أنين الأسرى وهم يواجهون الموت في زنازين الاحتلال وكما كانت القلة التي ناصرت الحسين تمثل جوهر الوفاء ونخبة الأحرار فإن الذين ينصرون فلسطين اليوم بصدق هم أحفاد الحسين في الموقف والمبدأ أُولئك الذين أدركوا أن الكرامة لا تُشترى بالسكينة الزائفة وأن الهزيمة الحقيقية هي أن تتبنى رواية عدوك عن نفسك وأن تفقد الإحساس بوجع إخوتك.

مدرسة الحسين علّمتنا أن الانتصارَ ليس دائمًا في الغلبة العسكرية بل في ثبات الموقف وانكسار السيف أمام الدم الطاهر وفلسطين اليوم بصمود أبطالها خلف القضبان وفي الميادين تثبت أن روح كربلاء لا تزال حية وأن شعار "هيهاتَ منا الذلة" ليس مُجَـرّد صرخة عابرة بل هو دستور الأحرار الذين يرفضون الركوع لغير الله مهما بلغت التضحيات وعظمت التحديات.

إن كربلاء وفلسطين هما في الحقيقة قضيةٌ واحدة قضية الحق الذي لا يموت بموت أصحابه بل يخلِّد بدمائهم التي تنبت ثورةً في كُـلّ عصر.