• العنوان:
    القواعد الأجنبية والسيادة.. منطق الرد وحدود الاشتباك
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    في ظل اتساع التصعيد المتسارع في المنطقة، يبرز سؤال جوهري يتجاهله كثيرون عمدًا أَو جهلًا: لماذا قصفت إيران القواعد الأمريكية في الخليج؟ ولماذا امتنعت دول أُخرى عن السماح باستخدام القواعد الأجنبية على أراضيها في حروب إقليمية؟
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

الإجَابَة لا تكمن في الشعارات، بل في فَهم عميق لمفهوم السيادة، وقواعد الاشتباك، والقانون الدولي، وحسابات الحرب والسلم.

استهداف إيران للقواعد الأمريكية لم يكن عملًا عبثيًّا أَو عدوانًا بلا سبب، بل جاء ردًّا مباشرًا على استخدام تلك القواعد كنقاط انطلاق لعمليات عسكرية ضدها.

فوفق الأعراف الدولية، أية دولة تسمح باستخدام أراضيها أَو أجوائها أَو قواعدها العسكرية لشن عدوان على دولة أُخرى، تصبح تلقائيًّا طرفًا في ذلك العدوان، وتتحمل تبعاته السياسية والعسكرية والقانونية.

ومن هنا نفهم أن الرد الإيراني لم يكن موجَّهًا ضد دول الخليج ككيانات سياسية أَو شعوب، بل ضد البنية العسكرية التي تحولت إلى أدَاة عدوان مباشر.

فالقانون الدولي لا يعترفُ بحيادٍ صوري حين تُستخدم الأرضُ الوطنية مِنصة لضرب دولة جارة.

القواعد الأمريكية التي شُنّ منها العدوان على إيران، هي ذاتها القواعد التي استُخدمت سابقًا في العدوان على العراق واليمن، وعلى كُـلّ دولة عربية خرجت عن سياسة كَيان الاحتلال الإسرائيلي وأمريكا في المنطقة.

ويبرز في المقابل موقف مغايرٌ في القرن الإفريقي، حَيثُ اتخذت جيبوتي قرارًا سياديًّا لافتًا عندما امتنعت عن السماح لأمريكا باستخدام القواعد العسكرية المتواجدة على أراضيها لقصف اليمن.

لم يكن هذا القرار بدافع العاطفة، هو نتيجة فهم دقيق لخطورة الانزلاق في حرب ليست جيبوتي طرفًا فيها، وإدراك أن السماح بذلك يعني إعلان حرب رسمي على دولة جارة، وما يترتب عليه من عواقب لا يمكن التحكم بها.

وينطبق المنطق ذاته على سبب امتناع القوات المسلحة اليمنية عن استهداف قاعدة دهلك الإسرائيلية في إريتريا.

فعلى الرغم من وجود القاعدة، إلا أن الحكومة الإريترية لم تسمح باستخدامها فعليًّا في شن غارات على اليمن، وكان استهدافها سيعني تجاوزًا لقواعد الاشتباك، وتحويل إريتريا من دولة محايدة إلى طرف مباشر في الصراع.

وهذا يوضح أن القرارات العسكرية المسؤولة لا تُبنى على النوايا أَو العواطف، بل على الوقائع المثبتة.

من هنا تتضحُ الفجوةُ الكبيرةُ بين مَن يُديرُ الصراع بعقل الدولة، ومن يورِّط بلادَه في أَتون الحروب خدمةً لأجندات خارجية.

فالسماح لأمريكا باستخدام القواعد العسكرية في دول الخليج والأردن لقصف دولة جارة كإيران، لا يمكن تبريره بأية ذريعة سياسية أَو أمنية.

الأخطر من ذلك هو المشاركة في اعتراض الصواريخ المتجهة نحو كَيان الاحتلال الإسرائيلي، ما يضع هذه الدول في موقع الشريك المباشر في العدوان، لا الوسيط ولا المتفرج.

سلوكٌ يعكس ارتهان القرار السيادي لإرادَة خارجية، ويحوّل الجغرافيا العربية إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية ولا يندرج ضمن مفاهيم الدفاع المشروع.

إن كَثيرًا من المؤشرات تؤكّـد أن العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران ما كان ليتم بهذه السهولة لولا الدعم اللوجستي والتمويني الخليجي، سواء المعلن أَو غير المعلن.

القضية هنا لا تتعلق بإيران وحدَها، بل بمبدأ عام: هل الدول العربية دول ذات سيادة حقيقية، أم مُجَـرّد قواعد متقدمة للقوى الكبرى؟ وهل تُحمى الأوطان بفتح الأجواء والقواعد أمام الجيوش الأجنبية، أم بتحييد البلاد عن صراعات تخدم العدوّ وتستنزف المنطقة؟

ما جرى ليس لغزًا، ولا يحتاج إلى تضليل إعلامي: من يسمح باستخدام أرضه لضرب الآخرين، يتحمل نتائج ذلك.

ومن يرفض، يحمي بلاده.

هكذا تُدار الصراعات بعقل الدولة، لا بعقل التبعية.