• العنوان:
    الخليج بين ابتزاز الحماية وفاتورة الحرب
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    لم تكن العبارة التي أطلقها الرئيس الأمريكي ترامب وهو يتفاخر بأنه عاد من الخليج بخمسة تريليونات دولار مُجَـرّدَ زلة لسان عابرة، كانت في حقيقتها تلخيصًا واضحًا لطبيعة العلاقة التي تحاول واشنطن فرضها على دول الخليج؛ علاقة تقوم على المال مقابل الحماية، وعلى الابتزاز مقابل البقاء.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

لكن ما يحدُثُ اليومَ في ظل العدوان على م قبل أمريكا وكَيان الاحتلال، يكشف بوضوح المعنى الحقيقي لتلك التريليونات التي دُفعت.

فبعد سنوات من صفقات السلاح الضخمة والقواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، تتكشف حقيقة المعادلة الأمنية التي صنعتها واشنطن في المنطقة.

القواعد الأمريكية التي قيل إنها لحماية الخليج تحولت اليوم إلى مِنصات عمليات عسكرية تنطلق منها الطائرات والصواريخ باتّجاه إيران؛ ما جعل هذه القواعد نفسها أهدافًا مباشرة في أية مواجهة عسكرية.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن ترد إيرانُ بضرب تلك القواعد التي تعتبرُها مصدرَ التهديد الرئيسي لأمنها القومي.

ومن زاوية القراءة العسكرية البحتة، فإنَّ ما يحدُثُ الآن يمثِّلُ انتقالًا للصراع من مرحلة الحرب غير المباشرة إلى مرحلة الاشتباك الاستراتيجي الواسع.

فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج لم تعد مُجَـرّد قواعد دعم لوجستي، بل أصبحت جزءًا من مسرح العمليات القتالية.

وهذا يعني أن دول الخليج التي سمحت بوجود هذه القواعد قد تجد نفسَها في قلب المعركة دون أن تكون هي صاحبة القرار في إشعالها.

المفارقة الأكثر خطورة أن واشنطن التي تتحدث دائمًا عن حماية حلفائها قد تعيد تكرار السيناريو الذي اعتادت عليه في حروب كثيرة.

فهي غالبًا ما تدخل الحروب لتحقيق أهداف استراتيجية محدّدة، ثم تنسحبُ عندما تصل الكلفة إلى مستويات مرتفعة، تاركة المنطقةَ تواجهُ نتائجَ الصراع.

وفي هذه الحالة قد تسعى أمريكا قبلَ أيِّ انسحاب محتمَل إلى توسيع دائرة المواجهة، بحيث تصبحُ دولُ الخليج جُزءًا مباشرًا من الحرب، سواء عبر التمويل أَو عبر تحويل أراضيها إلى خطوط مواجهة.

والأخطرُ من ذلك أن بعضَ التقديرات الاستراتيجية لا تُستبعَدُ أن يتمَّ دفعُ المنطقة نحو تصعيد واسع قد يشمل استخدام أسلحة مدمّـرة أَو محرمة دوليًّا في محاولة لفرض واقع جديد قبل أية تسوية سياسية.

هذا السيناريو إن حدث فلن يكونَ مُجَـرّدَ حرب عابرة، بل زلزالًا استراتيجيًّا يُعيدُ تشكيلَ موازين القوى في ما يسمى "الشرق الأوسط" كله.

لأن استهداف القواعد الأمريكية في الخليج يعني ببساطة أن الحربَ خرجت من حدود الجغرافيا التقليدية وانتقلت إلى عمق المنظومة العسكرية التي تدير النفوذ الأمريكي في المنطقة.

وفي هذه اللحظة تحديدًا يصبح السؤال الأكثر خطورة:

هل دول الخليج شريك في هذه الحرب أم مُجَـرّد ساحة لها؟

وهل التريليونات التي دُفعت لواشنطن كانت لضمان الأمن أم لتحويل المنطقة إلى خط دفاع متقدم عن مصالح أمريكا وأمن كَيان الاحتلال؟

إن قراءة المشهد من زاوية عسكرية وسياسية تشير إلى أن المنطقة تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي.

فإما أن تستمر معادلة القواعد والابتزاز والحروب بالوكالة، وإما أن تدرك دول الخليج أن أمنها الحقيقي لا يُبنى بالقواعد الأجنبية بل بسياسات توازن إقليمي تخفف من احتمالات الحرب وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحات صراع، خُصُوصًا أن هذه القواعد لم تحَرّك ساكنًا حين قُصفت قطر بطائرات صهيونية.

ولهذا فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط اندلاع الحرب، بل أن تتحول المنطقة كلها إلى وقود لصراع دولي، بينما يبقى قرار الحرب والسلم خارج حدودها.

هنا سوف تتحقّق مقولة ترامب بذبح البقرة، وهل يضر الشاة سلخ جلدها بعد ذبحها؟

أم أن دولَ الخليج ستعتبرها فرصةً لإخراج هذا المحتلّ الذي أهلك الحرث والنسل ونهب ثروات هذه الشعوب؟!