• العنوان:
    فضيحة العصر: انقسام أمريكي غير مسبوق حول العدوان على إيران.. والإعلام العربي يصوّره انتصارًا للإسلام؟!
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    بكل قسوة الواقع الذي تعيشُه المنطقة، وبكل ما يحمله المشهد من تناقضات صارخة، نقفُ اليوم أمامَ واحدة من أكثر لحظات الازدواجية السياسية والإعلامية إثارة للجدل في تاريخ الصراع.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

ففي اللحظة التي تشن فيها الولايات المتحدة وكَيان الاحتلال عدوانًا عسكريًّا على إيران، نجد أنفسَنا أمام مشهدين متناقضين تمامًا:

مشهد في واشنطن يعيش أزمة شرعية حقيقية، ومشهد في عواصمنا العربية يصوّر العدوان وكأنه حق شرعي استراتيجي يتم مباركته.

دعونا نكون صريحين إلى أقصى حَــدٍّ.

ما يحدث في واشنطن اليوم لا يمكن وصفُه إلا بأنه انقسام حادٌّ يضرب مؤسّسة القرار الأمريكية في الصميم.

صحيفة "الغارديان" البريطانية، التي لا يمكن اتّهامُها بالانحياز للمقاومة، كشفت النقاب عن حقيقة مدوية: معارضة داخلية تتصاعدُ في الإدارة الأمريكية نفسها.

مسؤولون أمريكيون يعترفون بأن الإدارةَ تتلقى انتقاداتٍ لاذعة، ليسَ بسَببِ المبدأ الأخلاقي للعدوان؛ بلْ بسَببِ غياب الخطة الاستراتيجية وعدم استشارة الكونغرس.

هذا يعني ببساطة أن القرارَ يفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية الداخلية، ويتحَرّك في منطقة رمادية لا يغطيها القانون ولا الإجماع الوطني.

وهنا يظهر التناقض الصارخ.

بينما يخرج وزير الحرب بيت هيغسيث ليهاجم الإعلام ويتهمه بنشر "الأخبار الكاذبة"، فإنه في الحقيقة يدق ناقوس الخطر.

لماذا يدافع بهذه العصبية؟

لأنه يعلم أن الإدارة الأمريكية تواجه أزمة ثقة داخلية، وأن ما تصفُه بالمكاسب العسكرية يواجه بتشكيك واسع حتى داخل المؤسّسات الأمريكية.

هذا الدفاع المحموم ليس إلا اعترافًا بأن الرواية الرسمية تواجه أزمة تصديق على أوسع نطاق.

لكن السؤال الذي يفضح كُـلّ شيء:

لماذا في الإعلام العربي والخليجي يصرّون على قلب الحقائق؟

لماذا يصرّون على تحويل هذا الارتباك الأمريكي الداخلي إلى "انتصار عسكري" و"قرار شرعي"؟

لماذا يركض الإعلامُ العربي والخليجي خلف تصريحات هيغسيث الدفاعية ويتجاهل تسريبات "الغارديان" والتسريبات الأمريكية التي تتحدث عن انقسام حاد في واشنطن؟

هذا ليس إعلامًا حياديًّا ولا مهنيًّا، بل انبطاحٌ مكشوف.

دعونا ننظر إلى الشعار الذي رفعته إدارةُ ترامب: "أمريكا أولًا".

هل ما يحدث اليوم هو "أمريكا أولًا" حقًا؟

الإعلام الأمريكي نفسه، الذي لا يمكن اتّهامُه بأنه يعادي أمريكا، يطرح السؤال بكل وضوح:

أليست هذه العملية في حقيقتها "إسرائيل أولًا"؟ عندما يكون الانقسام في واشنطن حادًا إلى هذا المستوى، وعندما يكون الكونغرس غائبًا عن القرار، وعندما تكون التبريرات هشة إلى درجة أن مسؤولين أمريكيين يصفونها بالغامضة، فإن السؤال يفرض نفسه: لمصلحة من يُدار هذا العدوان؟

المشهد الأكثر إيلامًا وإثارةً للشفقة هو ذلك "الإجماع العربي الصهيوني" الذي تحاول تصديره الأنظمة العربية.

تخيّلوا: في واشنطن انقسام حاد، إعلام يشكك، إدارة تدافع بصعوبة، كونغرس يطالب بدور أكبر ويشعر بالتهميش.

وفي المقابل، نجد بعضَ العواصم العربية والإعلام العربي المنحط يركضُ لتعزيز سردية العدوّ، ليصبح أكثر حرصًا على كَيان الاحتلال من الأمريكيين أنفسهم.

هذه هي المعادلة الصادمة: صورة إجماع عربي على دعم كَيان الاحتلال في الوقت الذي يتشكك فيه الأمريكيون في جدوى هذا الدعم!

هذا المقال نحاول فيه ألّا يكون تحليلًا سياسيًّا، بل تشريح جثة لمشهد عربي مأزوم.

في حروب اليوم، الانقسام الداخلي هو عامل قوة وضعف استراتيجي بحد ذاته.

عندما تكون الدولة المهاجمة منقسمة على نفسها، مشككة في قيادتها، غير موحدة خلف هدف استراتيجي واضح، فإن هذا يعني أن قوتها الضاربة تتحول إلى سيف عجوز.

العدوّ الذي يعاني من شرخ داخلي هو عدو مهزوم قبل أن تبدأ المعركة.

ما تحتاجُه اليوم الشعوبُ العربية في إعلامها العربي هو وقفةٌ صادقة مع النفس.

هل ستظل القنوات والإعلام بترديد النشيد الإسرائيلي الأمريكي؟

هل ستظل تصوّر الانقسام الأمريكي على أنه إجماع، والارتباك على أنه انتصار، والعدوان على أنه قرار سيادي محترم؟

الأيّام وحدها كفيلة بكشف من كان على حق.

لكن التاريخ لن يرحم إعلامًا كان أكثر حرصًا على صورة العدوّ من العدوّ نفسه.

لن يرحم إعلامًا خان أمانة الكلمة، وسار خلف السردية الزائفة، وتخلى حتى عن أبسط دور في فضح العدوان ونقد القرار وتحليل الواقع كما هو، لا كما تتمناه قوى العدوان.

هذه لحظة فضح، وكلما زاد انقسامهم، زاد وضوح حقيقتهم.

فهل يمتلك الإعلام العربي الجرأة ليرى الحقيقة ويعكسها، أم سيظل أسيرًا للانبطاح حتى النهاية؟