• العنوان:
    الإحسان.. من دفءِ الشعور إلى صرامة المسؤولية
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    في زمنٍ تتزاحم فيه الشعارات وتضيق فيه المسافات بين الألم واللامبالاة، جاءت كلمةُ السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي اليوم لتعيد تعريف مفهومٍ طالما حُصر في دائرة العاطفة، وهو الإحسان.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

لم يكن الطرح وعظًا عابرًا، بل قراءة تأسيسية لمفهوم أخلاقي يتحوّل في منطقه إلى مشروع عمل، ومنهج مسؤولية، وأدَاة إصلاح.

الإحسان.. فعلٌ لا انفعال

أولى الرسائل المركزية في الكلمة كانت حاسمة: الإحسان ليس مُجَـرّد تعاطف، ولا دمعةً حارّة، ولا موقفًا عاطفيًّا مؤقتًا.

الإحسان كما قُدِّم حركة واعية في اتّجاه رفع الظلم، ومعالجة القضايا، ومواكبة هموم الناس، والسعي الجاد لتخفيف معاناتهم.

هو انخراط ميداني في خدمة المستضعفين، ومتابعة شؤونهم، وبذل الجهد في إصلاح ما يمكن إصلاحه.

فالمحسن ليس من يشعر بالألم فقط، بل من يتحمّل مسؤوليته.

وليس من يكتفي بالكلمة، بل من يقرنها بالفعل.

بهذا المعنى، يتحوّل الإحسان من فضيلة فردية صامتة إلى التزام اجتماعي فاعل، ومن إحساس داخلي إلى مشروع تغييري ملموس.

بين النية والنتيجة.. ضرورة الحكمة والعلم

غير أن الكلمة لم تكتفِ بتأكيد البعد العملي للإحسان، بل وضعت شرطًا جوهريًا: أن يكون هذا الإحسان مؤسّسا على الحكمة والعلم والرشد والتوازن.

فالإنسان قد يتحَرّك بدافع طيب، لكنه إن افتقر إلى الوعي أَو انطلق من فهم خاطئ، قد يُفسد وهو يظن أنه يُصلح، ويعقّد المشكلة بدل أن يحلّها، ويتسبب بأضرار تحت عنوان الخير.

ومن هنا جاء الاستشهاد بالآية الكريمة في القرآن الكريم: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}

في سياق الآية، يرتبط الإحسان بالحكمة والعلم والتمكين؛ فكأن الرسالة واضحة: الإحسان الصادق سببٌ لنيل توفيق الله، ومن ثمّ لا ينفصل العمل الصالح عن البصيرة، ولا النية الحسنة عن الفهم العميق.

إنه توازن دقيق بين حرارة القلب ونور العقل؛ فلا يطغى أحدهما على الآخر.

الإحسان سِمة الأنبياء وميزان التفاضل

في المحور الثالث، ربطت الكلمة الإحسان بسيرة الأنبياء، بوصفه من أبرز سماتهم الجامعة.

واستُحضر نموذج نبي الله موسى عليه السلام، الذي تجلّى إحسانه في نصرة المستضعفين، وفي تحَرّكه المبكر دفاعًا عن المظلومين، رغم البيئة القاسية التي نشأ فيها.

لم يكن إحسان الأنبياء مُجَـرّد خُلُق فردي، بل كان رسالةً ورسالةَ مقاومةٍ للظلم، وسعيًا لتحقيق العدل، وتحمّلًا للأعباء الكبرى.

غير أن الطرح لم يحصر الإحسان في مرتبة النبوة، بل جعله مطلبًا لكل مؤمن، مع الإقرار بتفاوت المراتب.

فإحسان الأنبياء في الذروة، ثم تتدرج المستويات بحسب صفاء النية، وعمق الوعي، ومقدار الإخلاص.

هنا يصبح الإحسان ميزانًا للتفاضل، لا في الأقوال، بل في حجم العطاء، وصدق الالتزام، ونقاء الدافع.

الجذور الداخلية.. حَيثُ يُصنع الإحسان

ولعل أعمق ما في الكلمة هو الانتقال من السلوك الظاهر إلى المنبع الباطن.

فالإحسان كما طُرح ليس قشرة خارجية، بل ثمرة جذور راسخة في النفس.

زكاء داخلي، ومشاعر إنسانية صادقة، وارتباط حيّ بالله تعالى، ودافع إيماني خالص.

فحين يكون العمل لله، ومن أجل قيمه، يتحرّر من الأهواء، ويتسامى فوق المصالح الضيقة، ويغدو أكثر ثباتًا واتِّزانا.

إن الإحسان الذي ينفصل عن جذوره الإيمانية قد يتحول إلى استعراض، أَو اندفاع غير محسوب.

أما إذَا انبثق من علاقة صادقة بالله، فإنه يصبح أكثر رسوخًا، وأبعد أثرًا، وأطول عمرًا.

من الشعار إلى المنهج

بهذه المحاور المتكاملة، قدّمت الكلمة مفهومًا متماسكًا للإحسان:

فعلٌ مسؤول لا عاطفة عابرة.

عملٌ مؤسّس على علمٍ وحكمة.

خُلُقٌ نبويٌّ رفيع، ومطلبٌ إيمانيٌّ عام.

حالةٌ روحية داخلية قبل أن تكون نشاطًا خارجيًّا.

وفي واقعٍ مثقلٍ بالأزمات، تبدو هذه الرؤية دعوةً لإعادة ترتيب الأولويات: أن يتحول الإحسان إلى ثقافة عامة، وأن يتجسّد في مؤسّسات، ومبادرات، ومواقف، لا في كلماتٍ موسمية.

إنها رسالة تقول بوضوح:

ليس المهم أن نشعر بالخير، بل أن نصنعه.

وليس كافيًا أن نُحسن النية، بل أن نُحسن الفعل، بعلمٍ وحكمةٍ وإخلاص.

وهكذا، يتحول الإحسان من قيمةٍ أخلاقية مُجَـرّدة إلى مشروع نهضة، ومن فضيلة فردية إلى قاعدة لبناء مجتمعٍ أكثر عدلًا ورحمةً واتِّزانًا.