• العنوان:
    ملحان.. من نسيان الماضي إلى وفاء الثورة
  • المدة:
    00:00:00
  • الوصف:
    ​ثلاثة عقود ونيف، واليمن يرزح تحت وعود التنمية التي لم تُسمن فقيرًا ولم تُعلم جاهلًا، لكن في مديرية "ملحان" بمحافظة المحويت، كان للحرمان وجهٌ آخر أكثر قسوة؛ وجهٌ لا يكتفي بغياب الخدمة، بل يقطع أسباب الحياة.
  • التصنيفات:
    مقالات
  • كلمات مفتاحية:

بـ 140 ألف نسمة، وقفت هذه المديرية شاهدًا صارخًا على عقود من "التهميش الممنهج" في ظل النظام السابق، الذي تعمّد إسقاطها من خارطة الاهتمام، لتظل "عزلتها" هي الحقيقة الوحيدة وسط ضجيج الشعارات الزائفة.

لقد كان الحرمان في ملحان خلال تلك الحقبة سياسةً واضحة؛ فكيف لمديرية بهذا الحجم السكاني أن تظل بلا طريق معبد يربط عزلها بمركزها؟ 33 عامًا مرت، عجز فيها ذلك النظام عن استكمال زفلتة 9 كيلومترات فقط من طريق "الكدن - بني الحجاج".

لقد كانت ملحان في قاموسهم مُجَـرّد خزان بشري للأصوات الانتخابية، تُرك أطفالها ونساؤها لمواجهة الموت على الأكتاف في طرق وعرة، حتى وصلت المأساة بقرية كـ "الأصابع" أن يعيش أهلها معزولين تمامًا، لا يصلون إلى بيوتهم إلا عبر "النزول بالحبال"، في إدانة تاريخية لنظام لم يرَ في هؤلاء المواطنين بشرًا يستحقون الحياة.

في تلك السنين العجاف، كان الانتقال من عزلة إلى أُخرى داخل المديرية الواحدة يمثل "تغريبة" قسرية؛ إذ يضطر أبناء عزل "القبلة" – كبرى عزل المديرية – لقطع مسافات شاقة نزولًا عبر مديرية الخبت ثم القناوص والضحي وُصُـولًا إلى الكدن ثم صعودًا مجدّدًا نحو مركز المديرية.

مسافاتٌ شاسعة وتكاليف باهظة جعلت من الوصول للمركز مهمة انتحارية، وحولت الطرقات إلى مدافن للمرضى، وللنساء اللواتي داهمهن المخاض فكانت "الأكتاف" هي سيارات إسعافهن، والجبال الوعرة هي غرف عمليتهن.

ولكن، حين بزغ فجر "ثورة 21 سبتمبر"، انكسرت قيود العزلة ولم تعد ملحان "مديرية منسية".

والعظمة هنا ليست في مُجَـرّد البناء، بل في توقيته؛ فبينما يطبق العالم حصاره على اليمن، وبينما يشن العدوان غاراته ليدمّـر كُـلّ جميل، انطلقت عجلة التنمية في ملحان بإرادَة لا تعرف المستحيل.

فرغم شُح الإمْكَانيات، وصعوبة الأوضاع المعيشية، وضيق الحال الذي فرضه العدوان والحصار، إلا أن الدولة لم تتذرع بهذه الظروف لتستمر في تهميش ملحان كما فعل السابقون في أَيَّـام رخائهم وارتهانهم.

إن ما تشهده ملحان اليوم هو "معجزة البناء من رحم المعاناة"؛ حَيثُ تحَرّكت المعدات وشُقت الطرقات في أصعب التضاريس، ووُصلت القرى التي سقطت من ذاكرة التاريخ.

لقد أثبتت الثورة بالعمل لا بالقول، أن الوفاء للشعب يظهر في وقت الشدة، وأن الإرادَة الوطنية الحرة استطاعت في سنوات الحرب والحصار ما عجز عنه نظام "الارتهان" في ثلاثة عقود من السلم والتمويلات الخارجية.

ستظل ملحان شاهدًا حيًّا يروي للجيل القادم الفرق الشاسع بين عهدٍ كبلها بالنسيان والحبال، وعهدٍ حرّرها بالعمل والإصرار رغم كُـلّ الصعاب، مؤكّـدة أن من صدق مع الله ومع شعبه، صنع المعجزات ولو من بين الركام.